في عام 1974، خرج هيرو أونودا من أدغال الفلبين بزيّه العسكري وسلاحه، بعد ما يقارب ثلاثة عقود على انتهاء الحرب العالمية الثانية. لم يكن مجنونًا، ولا جاهلًا تمامًا؛ بل كان أسير قناعة راسخة بأن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن كل ما وصله من أخبار لم يكن سوى خدعة من العدو. احتاج أونودا إلى أمر مباشر من قائده السابق كي يقتنع بأن المعركة انتهت فعلًا.
قصة أونودا ليست مجرد حكاية غريبة من الماضي، بل نموذج حيّ لما يعرف في علم النفس السياسي بظاهرة "الانغلاق الإدراكي"، حين تتحول القناعة من أداة لفهم الواقع إلى إطار مغلق يعيد إنتاجه وفق ما يناسبه. عندها، لا تعود الوقائع قادرة على تعديل الفكرة، بل تصبح الفكرة هي التي تعيد تفسير الوقائع، أو تنكرها بالكامل. الإنسان، في هذه الحالة، لا يعيش داخل الواقع كما هو، بل داخل سردية تحميه من صدمة الاعتراف بتحوّله.
في لبنان اليوم، تبدو هذه الحالة مألوفة على نحو مقلق. في الخطاب السياسي، لا تزال مفردات "الانتصار" و"الصمود" تُستخدم بكثافة، في وقت يعيش فيه الناس واقعًا مختلفًا تمامًا: قرى مدمّرة، نزوح، خوف يومي، واقتصاد يترنح منذ سنوات. الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّلت إلى انقسام في تعريف الواقع نفسه.
وما يظهر في بعض الخطابات السياسية والإعلامية ليس مجرد تمسّك بموقف، بل إصرار على حماية سردية كاملة من أي مراجعة، حتى عندما تتبدّل الوقائع على الأرض بصورة جذرية. فبالنسبة إلى بعض القوى، يبدو الاعتراف بالخسارة أو التحوّل تهديدًا للهوية والدور، لا خطوة ضرورية لإعادة تقييم المسار. وهنا تحديدًا تتحول السياسة من إدارة للواقع إلى مقاومة للاعتراف به.
ولا يعني ذلك إنكار وجود تهديدات فعلية، أو تجاهل استمرار الاعتداءات والتوترات الحدودية، فلبنان لا يعيش في فراغ جيوسياسي. لكن الفارق كبير بين الاعتراف بالخطر بوصفه تحديًا يحتاج إلى إدارة سياسية وعسكرية عقلانية، وبين تحويله إلى حالة دائمة تُعلَّق عليها كل الأزمات الداخلية، ويُمنع تحت سقفها أي نقاش حول الكلفة والجدوى والمستقبل. فالدول لا تُبنى فقط عبر القدرة على المواجهة، بل أيضًا عبر القدرة على تقييم نتائجها وإعادة تعريف أولوياتها الوطنية عند كل تحوّل تاريخي.
هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ. فالكثير من الحركات والأيديولوجيات التي ربطت وجودها بفكرة "المعركة الدائمة" واجهت صعوبة في الانتقال من منطق التعبئة إلى منطق الدولة. لأن الاعتراف بانتهاء مرحلة ما يفرض إعادة تعريف الشرعية، والأولويات، وحتى معنى القوة نفسها. لذلك يصبح الإنكار، في بعض الأحيان، آلية دفاع جماعية أكثر منه مجرد موقف سياسي.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود الخطاب. حين يستمر الإنكار، يتحول إلى سياسة عامة، وحين يصبح سياسة، يدفع ثمنه مجتمع كامل. فالتأخر في الاعتراف بالتحولات لا يوقفها، بل يجعل كلفتها أعلى. وكل يوم يُهدر في التمسك بوهم، هو يوم يُقتطع من فرص المعالجة وإعادة بناء الدولة وترتيب الأولويات الوطنية على أسس واقعية.
المفارقة أن أونودا، في نهاية المطاف، عاد إلى اليابان واستوعب الحقيقة مهما كانت صادمة. أما في حالتنا، فلا يبدو أن "الأمر" الذي سيعلن نهاية هذه المرحلة قد جرى الاعتراف به بعد، أو ربما جرى ذلك لكن هناك من يرفض سماعه. وبين الانتظار والإنكار، يبقى الناس عالقين في حرب لم يختاروها، وواقع لا يملكون ترف تجاهله.
السؤال لم يعد إن كانت "الحرب" قد انتهت أم لا، بل كم سيستغرق الاعتراف بذلك، ومن سيدفع ثمن هذا التأخير. ففي لحظة ما، لا يعود الإنكار مجرد موقف سياسي، بل يتحول إلى عبء تاريخي يطيل أمد الأزمات ويعمّق الخسائر ويؤخر أي إمكانية للخروج من الحلقة نفسها.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من السرديات، بل إلى شجاعة الاعتراف بالواقع كما هو. لأن الحروب لا تنتهي فعليًا عندما تصمت البنادق، بل عندما يتوقف الناس عن العيش داخل روايتها القديمة.