في كلّ مرحلة مفصلية من التاريخ، كان هناك ممرّ تجاري يختصر مصير الإمبراطوريات. مرّة كان البحر الأبيض المتوسط، ومرّة طريق الحرير، ومرّة قناة السويس. أمّا اليوم، فيبدو أنّ العالم كلّه يقف عند ضفّة مضيق هرمز… حيث قد يُكتب مستقبل القرن الحادي والعشرين.
فما يجري في الخليج لم يعد مجرد توتّر إقليمي، ولا حتى مواجهة مرتبطة فقط بالملف النووي الإيراني أو البرنامج الصاروخي الإيراني، رغم أهميتهما بالنسبة إلى الأمن العالمي. ما يحدث اليوم هو صراع على “مفاتيح العالم” الأساسية: الطاقة، والتجارة، والممرات التي تتحكّم بحركة الاقتصاد الدولي. ومن هنا، تدور المعارك على أرض إيران، فيما قد يجري تقاسم النفوذ والمكاسب في الاجتماعات الدولية الكبرى، وخصوصًا بين القوى العظمى.
لهذا السبب، تتّجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي والرئيس الصيني، لأنّ الملف الإيراني لم يعد شأنًا إيرانيًا أو شرق أوسطيًا فحسب، بل تحوّل إلى عقدة دولية تمسّ مباشرة خريطة النفوذ العالمي. فالصين، التي تستورد جزءًا كبيرًا من النفط الإيراني، تدرك أنّ أي انفجار طويل الأمد في الخليج سيصيب قلب اقتصادها العملاق بهزّات يصعب احتواؤها. فالجميع بات يدرك أنّ السفن التي تعبر مضيق هرمز لا تنقل النفط فقط، بل تحمل معها صورة حيّة لتوازنات القوة في العالم.
ومن هنا، بالنسبة إلى إيران، لا يُعتبر مضيق هرمز مجرد حدود بحرية أو ورقة تفاوض، بل مصدر قوة منحها لعقود وزنًا يفوق حجمها الجغرافي والاقتصادي. فالدولة التي تستطيع التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، تمتلك تلقائيًا القدرة على هزّ الأسواق وإرباك القوى الكبرى. ومن هذا المنطلق، يكتسب كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب معناه العميق حين قال إنّ “إيران خدعت العالم لمدة 47 سنة”.
أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالمسألة تتجاوز حماية الملاحة البحرية أو ردع إيران. فواشنطن تدرك أنّ ترك هرمز تحت نفوذ إيراني متنامٍ يعني عمليًا فتح الباب أمام الصين لتثبيت مشروعها العالمي “الحزام والطريق”، وهو مشروع لا يهدف فقط إلى توسيع التجارة، بل إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بطريقة تحدّ من النفوذ الأميركي التقليدي. لذلك، تحاول واشنطن بناء ممرات اقتصادية واستراتيجية جديدة تبدأ من الهند وتمتد نحو أوروبا، في محاولة للإمساك بخريطة التجارة العالمية المقبلة عبر شبكة حلفائها.
وهكذا، يعود العالم إلى القاعدة القديمة التي حكمت التاريخ منذ آلاف السنين: من يسيطر على التجارة… يسيطر على العالم.
فبريطانيا فهمت هذه المعادلة عندما حكمت البحار وبنت أعظم إمبراطورية عرفها العصر الحديث. والولايات المتحدة كرّست هيمنتها بعد الحرب العالمية الثانية عندما جمعت بين السيطرة على النفط والدولار والممرات البحرية. واليوم، تدخل الصين اللعبة نفسها، لكن بأدوات اقتصادية متنامية وطموح يتجاوز حدود آسيا.
لهذا، لا يمكن قراءة الحشود العسكرية الغربية في الخليج على أنّها مجرد إجراءات دفاعية. فعندما ترسل فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول”، وتدفع بريطانيا بقطع بحرية إضافية، فإنّ الأمر لا يرتبط فقط بحماية السفن التجارية، بل أيضًا بمحاولة الحفاظ على موقعهما داخل معادلة النفوذ في أهم شريان للطاقة في العالم، بعدما أدركتا أنّ أي تراجع في التأثير قد يجعلهما خارج لعبة القرار الدولي، وربما من أوائل المتضرّرين من التحولات المقبلة.
إنّ المعركة الحقيقية ليست بين إيران وإسرائيل فقط، ولا بين واشنطن وطهران فحسب، بل بين مشروعين لمستقبل العالم: مشروع أميركي يريد الحفاظ على النظام الدولي الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، ومشروع صيني يسعى إلى بناء عالم متعدّد الأقطاب، تُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ والطاقة والتجارة.
من هنا، يبدو مضيق هرمز أكثر من مجرد ممرّ بحري ضيّق؛ إنّه خط تماس بين قرنين: قرن أميركي يحاول البقاء، وقرن صيني يحاول أن يولد.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يشعر العالم كلّه بالقلق… لأنّ الشرارة التي قد تشتعل في مياه الخليج، قد تغيّر شكل العالم بأسره.