في ستينيات القرن الماضي، شهدت بلدة كفركلا الجنوبية حادثة تحولت مع الزمن إلى واحدة من أغرب القصص الموثقة في ذاكرة الجنوب اللبناني وسجلات الأمم المتحدة. يومها، تاهت "حمارة" ودخلت إلى فلسطين المحتلة، ثم عادت بعد مدة وهي حبلى. وبعد ولادة الجحش، اندلع خلاف حول "هويته"؛ فتدخلت الأمم المتحدة، وعُقدت مفاوضات، وتم توقيع اتفاق يقضي بإعادة الجحش إلى الجانب الإسرائيلي. لكنّ الجحش الصغير، بعد أن أُخذ من أمه، ظل يحاول العودة إليها وتشبث بالبقاء في القرية، قبل أن يتم جره بالقوة وإعادته خلف الحدود.
قد تبدو القصة بسيطة أو حتى طريفة، لكنها تختصر مأساة الجغرافيا التي عاشها ويعيشها بلد صغير وجد نفسه وسط صراعات مخيفة وزلازل مرعبة خلخلت أسسه، فيما تجهد القوى المحيطة به لرسم مصيره وفق مصالحها وحساباتها.
اليوم، وبعد عقود طويلة، يشعر كثير من اللبنانيين أنّ وطنهم يقف مرة جديدة وسط مواجهة إقليمية معقدة بين إسرائيل وإيران، في وقت يحاول فيه لبنان الرسمي أن يحافظ على الحد الأدنى المطلوب لاستقراره ووحدته وقراره الوطني.
منذ نشأتها، تنظر إسرائيل إلى لبنان من زاوية أمن حدودها الشمالية وأطماعها المائية، فيما خططت إيران منذ نجاح الثورة الإسلامية لتحويل لبنان إلى جزءٍ من مشروعها الإقليمي الكبير الذي يرعاه "الولي الفقيه" ضمن معادلة النفوذ والصراع. وبين هذين المشروعين، يجد لبنان "المشلع" نفسه أمام تحدٍ دقيق: كيف يحمي سيادته ويوقف مشروع تحويل أرضه إلى ساحة مواجهة مفتوحة تؤدي إلى مزيد من الدمار والخراب والموت؟
لبنان الذي اعتاد منذ زمن طويل ، وبسبب تواطؤ قسم من شعبه في كل مرة تحت مسميات شتى، التحول إلى ساحة للآخرين، يدفع اليوم ثمن جنون حروب الشرق التي لا تنتهي. هذا البلد الذي بُني ليكون منارة علمية وثقافية، والذي كان ذات يوم "سويسرا الشرق" ومستشفاه وجامعته، ما زال يتخبط بأزماته، رغم أنه أثبت عبر تاريخه قدرة استثنائية على الصمود وإعادة إنتاج الحياة بعد كل حرب.
إن قوته الحقيقية ليست في حجمه، بل في صلابة شعبه، ولكن إلى متى؟ إلى متى سيستمر هذا الشعب في البحث عن هويته؟ وإلى متى سيستمر في التضحية بنفسه وأرضه لإرضاء الخارج؟ إلى متى ستستمر دورة "الدمار والإعمار ثم الدمار" وهي تعاد وتكرر بحثاً عن أوهام وإمبراطوريات وسراب صحراء؟ الى متى سيستمر بعض اللبنانيين يدمرون بلدهم تارة من أجل فلسطين وتارة أخرى من أجل أيران؟
من هنا، فإن استحضار قصة "جحش كفركلا" اليوم لا يهدف إلى السخرية، بل إلى التذكير بخطورة أن تتحول الدول الصغيرة إلى "أوراق ضغط" ضمن صراعات الكبار. فحين يغيب التوازن الداخلي، تصبح القرارات الوطنية أكثر عرضة للتجاذبات الخارجية، وتصبح الشعوب أول من يدفع ثمن التوترات الإقليمية.
لبنان اليوم يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى انتماء وطني صلب والى رؤية وطنية جامعة تُعيد التأكيد على أن حماية البلد هي أولوية الأولويات، مما يمهد الطريق لبناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها، وتحييد شعبها عن الانفجارات الكبرى التي تعصف بالمنطقة وإحترام خصوصية مكوناته الحضارية.