بقي المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني محاطًا بالغموض والتناقضات أمس، بعد يوم من تأكيد طهران أنها تدرس مقترحًا أميركيًا لإنهاء الحرب وبدء مفاوضات حول الملفات الشائكة. فرغم إعلان إيران أن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير سيزور البلاد، ما يشي بإمكانية تقديم طهران ردّها على مقترح واشنطن، لا تزال الهوّة بين الشروط الأميركية وتلك الإيرانية كبيرة، خصوصًا في ما يتعلّق بالملف النووي ومضيق هرمز، إذ تمسّكت واشنطن بضرورة حصولها على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، مؤكدة اعتراضها على فرض رسوم عبور في هرمز، فيما لا تزال طهران ترفض تقديم أي التزامات حول هذه القضايا قبل تحقيق شروطها التعجيزية المسبقة.
تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن تحصل واشنطن في نهاية المطاف على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وقال: "سنحصل عليه، لسنا بحاجة إليه، ولا نريده، وربما ندمّره بعد الحصول عليه، لكننا لن نسمح لهم بحيازته". كما انتقد بشدة عزم طهران فرض رسوم على العبور عبر هرمز، جازمًا بأنه "نريده مفتوحًا، نريده مجانيًا، لا نريد رسومًا، إنه ممر مائي دولي". وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنه رغم "المؤشرات الجيّدة" في محادثات إيران، لا تزال "خيارات أخرى" مطروحة، محذّرًا من أن التوصّل إلى اتفاق مع طهران سيكون مستحيلا إذا فرضت نظام رسوم عبور في هرمز. وجدّد انتقاده لحلف "الناتو" على خلفية عدم تقديمه أي دعم لبلاده ضد إيران، خصوصًا رفض المساهمة في أي عملية لفتح هرمز، بينما أعادت قوات القيادة المركزية الأميركية توجيه 94 سفينة تجارية وعطّلت أربع سفن، في إطار تنفيذ الحصار على إيران.
في المقابل، أفاد مصدران إيرانيان كبيران لوكالة "رويترز" بأن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي أصدر توجيهًا يقضي بعدم إرسال مخزون البلاد من اليورانيوم المخصّب بدرجة قريبة من مستوى تصنيع الأسلحة إلى الخارج. وأوضحا أن كبار المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن نقل تلك المواد إلى الخارج سيجعل البلاد أكثر عرضة للهجمات في المستقبل، في حين نفت طهران التكهّنات الإعلامية حول تفاصيل المفاوضات، بما في ذلك قضية المواد المخصّبة أو مسألة التخصيب، موضحة أن تركيز المفاوضات في هذه المرحلة ينصبّ على إنهاء الحرب في كافة الجبهات، بما فيها لبنان. وجدّدت تأكيد مطالبها بالسيادة على هرمز، مدّعية أن بإمكانها بموجب القانون الدولي اتخاذ "تدابير عملية ومتناسبة" لحماية أمنها وسلامة الملاحة البحرية.
وبعدما أعلنت الهيئة الإيرانية الجديدة التي شُكّلت للإشراف على هرمز أن نطاق السيطرة الإيرانية يشمل المنطقة الواقعة بين الخط الممتدّ من "كوه مبارك في إيران إلى جنوب الفجيرة في الإمارات (...) والخط الذي يصل طرف جزيرة قشم في إيران بأم القيوين في الإمارات"، أكد مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش أن النظام الإيراني "يحاول تكريس واقع جديد وُلد من هزيمة عسكرية واضحة، لكن محاولات التحكّم بمضيق هرمز أو التعدّي على سيادة الإمارات البحرية ليست سوى أضغاث أحلام". وشدد على أن "مَن يريد التعايش مع محيطه العربي عليه أن يدرك أن الثقة مفقودة، واستعادتها لا تتمّ بالشعارات، بل بلغة مسؤولة، وصون السيادة، والالتزام الحقيقي بمبادئ حسن الجوار". وحذّر مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن بدء ذروة الطلب على الوقود خلال فصل الصيف، بالتزامن مع غياب صادرات النفط الجديدة من الشرق الأوسط وتناقص المخزونات، قد يدفع سوق النفط إلى "منطقة حمراء" في شهري تموز وآب، جازمًا بأن "الحل الوحيد الأكثر أهمية هو فتح مضيق هرمز بالكامل ومن دون شروط".
في الغضون، تعهّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال اجتماع مع قائد الجيش أمير حاتمي، باستخدام كل الموارد المتاحة لتعزيز الجيش في البلاد، موضحًا أن حكومته "تقف إلى جانب القوات المسلّحة بكل قدراتها، وستدعم الخطط الاستراتيجية لتعزيز القدرات الدفاعية، والدعم اللوجستي، وتحديث المعدّات، وتقوية البنى التحتية العملياتية، وزيادة قدرة البلاد على الردع". وتوعّد حاتمي بأن الجيش "مستعدّ تمامًا لتقديم رد حاسم ومؤسف" على أي هجوم جديد على إيران، في وقت يعيد فيه الجيش الإيراني تشكيل قدراته بوتيرة أسرع بكثير مما قُدّر في البداية، بما في ذلك استبدال مواقع الصواريخ ومنصات الإطلاق والقدرة الإنتاجية لأنظمة أسلحة رئيسية دُمّرت خلال الحرب، وفق ما أفادت شبكة "سي أن أن" نقلا عن مصادر مطّلعة على تقييمات الاستخبارات الأميركية.
إلى ذلك، ندّد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بعمليتي إعدام جديدتين في إيران، محذّرًا من أن طهران توظّف الحرب مع أميركا وإسرائيل لتضييق الخناق على المعارضة. وأوضح أنه "منذ بدء التصعيد العسكري، أُعدم ما لا يقل عن 34 شخصًا بتهم سياسية وأخرى مرتبطة بالأمن القومي، بما في ذلك في سياق احتجاجات كانون الثاني".
وكان القضاء الإيراني قد تحدّث عن إعدام رجلين دينا بالتمرّد المسلّح والانتماء إلى "جماعات إرهابية انفصالية" لتورّطهما المزعوم في هجمات مسلّحة ضد قوات الأمن ومخططات اغتيال في غرب إيران، في وقت استدعت فيه طهران رئيس تحرير وكالة "إرنا" الرسمية لتقديم إيضاحات في شأن نشر صور لامرأة من دون حجاب، كما وُجّه إلى الوكالة تحذير لإزالة المادة. بالتوازي، اتهم الادعاء العام الألماني رجلين بالتخطيط لاغتيال نائب سابق مؤيّد لإسرائيل، والتجسّس على يهود لحساب الاستخبارات الإيرانية. ويتهم المدعون المواطن الدنماركي علي س. بالتجسّس والشروع في القتل والشروع في الحرق العمد والتخريب، وشريكه الأفغاني تواب م. بالشروع في القتل.