في لحظةٍ ما، تتعب الحروب من نفسها.
لا لأنها تفقد قدرتها على القتل، بل لأن الأطراف المتصارعة تصل إلى قناعة قاسية: لا نصر كاملاً ممكنًا، ولا استمرار مفتوحًا قابلاً للحياة. عندها يبدأ البحث عن "شكل النهاية"، لا عن نهاية مثالية، بل عن صيغة تمنع الانهيار الأكبر وتؤجل الانفجار المقبل.
في لبنان، تبدو بعض ملامح هذا المسار آخذة بالتشكل، فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والتفكك السياسي، يتزايد الحديث في الأوساط الدولية عن ضرورة إنتاج نموذج أمني جديد، لا يقوم فقط على وقف النار، بل على إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والحدود والسلاح معًا، وهو ليس تسوية نهائية بقدر ما هو محاولة لإدارة مرحلة انتقالية طويلة، تقوم على أربع ركائز مترابطة:
وقف نار ثابت، انسحاب إسرائيلي تدريجي، ترتيبات أمنية دولية بقيادة أميركية داعمة للجيش اللبناني، وإعادة بناء مؤسسات الدولة تحت سقف تفاهم إقليمي أوسع.
وقف النار: نهاية المعركة أم بداية إعادة التموضع؟
أي وقف نار مقبل لن يكون شبيهًا بالتفاهمات السابقة التي قامت على تجميد مؤقت للاشتباك. فالمزاج الدولي والإقليمي يبدو أكثر ميلاً هذه المرة نحو صيغة طويلة الأمد تمنع العودة السريعة إلى نموذج "الجبهة المعلقة" التي تنفجر كل بضع سنوات.
إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن أي حرب مفتوحة في لبنان تحمل كلفة استراتيجية واقتصادية وبشرية متصاعدة، وأن العودة إلى احتلال طويل للجنوب ليست خياراً قابلاً للحياة على المدى البعيد. وفي المقابل، يدرك حزب الله أن البيئة اللبنانية المنهكة اقتصادياً واجتماعياً لم تعد تحتمل استنزافاً دائماً، خصوصاً مع تصاعد الضغوط على إيران نفسها وتراجع قدرة المنطقة على تحمل حروب مفتوحة بلا أفق سياسي.
لهذا، قد لا يكون وقف النار مجرد استراحة بين جولتين، بل بداية مرحلة إعادة رسم التوازنات الأمنية في الجنوب.
الانسحاب الإسرائيلي: من السيطرة المباشرة إلى ترتيبات الردع
السيناريو الأكثر واقعية لا يقوم على بقاء إسرائيلي طويل داخل الأراضي اللبنانية، بل على انسحاب تدريجي ومدروس، مقابل إنشاء واقع أمني جديد يمنع عودة الحدود إلى ساحة صواريخ مفتوحة.
لكن المعضلة الأساسية بالنسبة لإسرائيل لا تتعلق بالانسحاب نفسه، بل بمن سيملأ الفراغ؟
هنا يظهر الطرح المتعلق بإعادة تنظيم الوجود الأمني في الجنوب عبر قوة متعددة الجنسيات ذات غطاء غربي واضح، تقودها الولايات المتحدة سياسياً ولوجستياً، مع احتمال مشاركة وحدات من المارينز الأميركية ضمن إطار أقرب إلى قوة مراقبة وضمان للمرحلة الانتقالية.
وجود كهذا سيكون بالغ الحساسية داخلياً، لكنه قد يُطرح غربياً باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع انهيار أي تفاهم ميداني جديد، وطمأنة إسرائيل إلى أن الجنوب لن يعود سريعاً إلى نقطة الاشتعال السابقة.
عملياً، قد تتمثل مهمة هذه القوة في:
- تأمين المرحلة الانتقالية على الحدود.
- دعم انتشار الجيش اللبناني جنوباً.
- مراقبة تنفيذ التفاهمات الأمنية ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
- توفير غطاء دولي لإعادة بناء المؤسسات الأمنية الشرعية.
الجيش اللبناني: من جيش الاحتواء إلى جيش الإمساك بالأرض
المعضلة التاريخية في لبنان لم تكن فقط في وجود السلاح خارج الدولة، بل أيضاً في غياب دولة قادرة فعلياً على الإمساك بالأرض وحماية الحدود.
لذلك، فإن أي تسوية جدية ستحتاج حكماً إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية اللبنانية بصورة غير مسبوقة. فالولايات المتحدة ودول الخليج تدرك أن أي محاولة لدفع حزب الله إلى تقليص دوره العسكري من دون خلق بديل أمني موثوق قد تدفع البلاد نحو فوضى خطيرة أو صدام داخلي مؤجل.
من هنا، قد تتجه المرحلة المقبلة نحو برنامج واسع لتسليح الجيش اللبناني وتدريبه وتمويله، بهدف تحويله تدريجياً من مؤسسة دفاع داخلي محدودة الإمكانيات إلى قوة قادرة على فرض حضور فعلي على الأرض.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التحول مرتبطاً بقدرة النظام اللبناني نفسه والدولة العميقة على حماية المؤسسة العسكرية من الانقسامات الداخلية والتجاذبات السياسية التقليدية.
حزب الله: بين منطق الردع ومنطق الدولة
النقطة الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة ستبقى بلا شك موقع حزب الله ودوره المستقبلي.
فالحزب تحول خلال العقود الماضية إلى جزء أساسي من البنية الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. ولذلك، فإن أي نقاش حول سلاحه لا يرتبط فقط بالساحة اللبنانية، بل أيضاً بمستقبل التوازن الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
لكن في المقابل، هناك متغيرات يصعب تجاهلها:
- البيئة الشيعية اللبنانية دفعت أثماناً بشرية واقتصادية هائلة.
- الداخل اللبناني أصبح أكثر تمردا على السلاح ورفضا له.
- إيران تواجه ضغوطاً مالية واستراتيجية متزايدة.
- المزاج العربي والدولي بات يربط إعادة إعمار لبنان بإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.
لهذا، قد يُطرح تدريجياً نموذج تفاوضي طويل يقوم على إعادة تعريف الدور الأمني للحزب داخل لبنان، من دون أن يعني ذلك تفكيكاً فورياً أو كاملاً لبنيته العسكرية.
المسار المحتمل هنا يكون محاولة لإعادة إنتاج التوازن الداخلي بصيغة جديدة:
الحزب يحتفظ بحضوره السياسي والشعبي داخل النظام، مقابل انتقال تدريجي للقرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة.
لكن هذا المسار، إن حصل، سيكون شديد التعقيد، وسيحتاج إلى تفاهمات إقليمية أوسع من الساحة اللبنانية نفسها، لان أي إعادة ترتيب داخلية لن تبقى منفصلة عن التوازنات الإقليمية.
السعودية وإيران: من إدارة الصراع إلى إدارة التسوية؟
في خلفية أي تسوية محتملة، تبرز العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران.
فالسعودية تبدو الجهة العربية الأكثر قدرة على توفير الغطاء السياسي والاقتصادي لأي مشروع إعادة استقرار في لبنان، فيما تبقى إيران اللاعب الأكثر تأثيراً في ملف حزب الله. من هنا يظهر التفاهم السعودي - الإيراني، شرطاً أساسياً لنجاح أي إعادة ترتيب للوضع اللبناني.
لماذا قد يصبح هذا السيناريو ممكناً رغم صعوبته؟
لأن البدائل أصبحت أكثر خطورة من التسوية نفسها.
إسرائيل لا تريد احتلالاً دائماً.
الولايات المتحدة لا تريد حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط.
دول الخليج لا تريد لبنان منصة إيرانية مفتوحة على المتوسط.
وحتى إيران تدرك أن الحفاظ على الوضع الحالي قد يصبح أكثر كلفة مع الوقت.
أما لبنان، فلم يعد يملك رفاهية الوقت أصلاً.
لكن مع ذلك، يبقى الفرق كبيراً بين وقف الحرب وحل الأزمة اللبنانية. فإعادة ضبط الحدود الجنوبية لا تعني تلقائياً بناء دولة مستقرة، كما أن أي ترتيبات أمنية جديدة لن تلغي تلقائياً أزمات النظام الطائفي والانهيار الاقتصادي والصراع على السلطة داخل لبنان.
التسوية التي قد تغيّر هوية لبنان
الخطر الحقيقي في هذا السيناريو يكمن في حجم التحول الذي يفرضه على فكرة لبنان نفسها.
فللمرة الأولى منذ عقود، يصبح مطروحاً عملياً الانتقال من نموذج “الدولة الضعيفة القادرة على التعايش مع السلاح”، إلى نموذج يسعى، ولو تدريجياً، إلى إعادة احتكار الدولة للقوة والقرار الأمني.
وهنا تحديداً قد تبدأ المعركة الأصعب:
ليس على الحدود فقط، بل داخل البنية السياسية والنفسية للنظام اللبناني نفسه.
هل تستطيع القوى اللبنانية القبول بقيام دولة قوية حتى لو خسرت جزءاً من امتيازاتها التقليدية؟
وهل يستطيع حزب الله التكيف مع واقع يتحول فيه من قوة فوق الدولة إلى قوة داخلها؟
وهل ينجح الخارج في فرض الاستقرار من دون إعادة إنتاج الوصايات القديمة بصيغ جديدة؟
ربما لا تكون المعركة المقبلة على حدود الجنوب فقط، بل على طبيعة الدولة اللبنانية نفسها.
لأن ما يُحسم اليوم ليس فقط مصير الحرب، بل طبيعة لبنان الذي سيخرج منها.