ليس ثمّة خطر على طالبي اللجوء والمهاجرين المستحقّين أكبر من "أعداء الحرّية"، أي أولئك الذين يتسابقون لدخول الدول المتحضّرة، ثمّ يعملون، رويدًا رويدًا، على تحويلها إلى مكان غير صالح للعيش، شبيه بذاك الذي هربوا منه. عندما تندفع أفواج بشرية هائلة إلى الهجرة نحو بلد يوفّر فرصًا أفضل للعيش، لكنها تتمسّك بالعقلية المقيتة نفسها التي أغرقتها في بؤسها، ماذا تكون النتيجة؟ ستستفيد تلك الشرائح المجتمعية المُهاجرة من حقوق غير متوفّرة في موطنها الأساسي، إلّا أن ازدياد أعدادها يُشكّل تهديدًا وجوديًّا للمجتمعات المُضيفة، ويُقلّص قدرة الدول الحاضنة على ضمان الأمن والحرّيات والازدهار. يلخّص ناشطو اليمين الحازم في الغرب المعضلة بشعار معبّر يقول: "إذا استوردت العالم الثالث، فستُصبح العالم الثالث".
أُعيد وأكرّر اقتباسًا سبق أن استخدمته؛ لقد أصاب البروفسور والكاتب الأميركي ستانلي رنشون حين كتب أن المواطنة من دون انتماء عاطفي هي المقابل المدني لعلاقة عابرة لليلة واحدة. غير أن المصيبة هنا تكمن في أن تداعيات هذه المواطنة المجرّدة، إن صحّ التعبير، لا تدمّر أفرادًا فحسب، بل مجتمعات بأسرها. يكتفي السياسيون التقليديون بالمقاربات المُسكّنة القاتلة، هذا إذا اعترفوا أصلًا بوجود أزمة عميقة تستدعي تدخّلًا لوقف النزيف. لم تعد القضية تحتمل الحلول الترقيعيّة إطلاقًا، بل باتت بحاجة إلى فريق سياسي مؤهّل لاتخاذ قرارات "جراحية" ناجعة، تعالج جوهر المشكلة المطروحة بلا عقد أو خوف أو خجل.
تواجه الدول المتقدّمة تحدّيات جيوستراتيجية معقّدة، يفاقمها وجود ما يشبه "أحصنة طروادة" تُكِنّ لها العداء في عقر دارها. هذه الحال تجعلها مكشوفة أمنيًّا أمام خصومها على المسرح الدولي، إذ يوظّف هؤلاء هذا العامل لتغذية الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وتحقيق اختراقات استخباراتية وأمنية وإعلامية، قبل ترجمتها إلى مكاسب دبلوماسية وسياسية وثقافية. لا وقاحة تفوق أن يبصق الجاحد في وجه مضيفيه ويهدّم دارهم. أيُعقل مثلًا أن تضطرّ المؤسّسات التجارية والمصالح الخاصة إلى "تحصين" واجهات محالّها في باريس، خوفًا من عمليات تحطيم ونهب وحرق ينفّذها الرعاع، بسبب مباراة كرة قدم بين منتخبَي فرنسا والمغرب في دور الثمانية لكأس العالم؟
تَفجُّر الأحقاد الدفينة في شوارع المدن الغربية عند كلّ مناسبة، حزينة كانت أم سعيدة، محلية أم دولية، له خلفيات دينية وأيديولوجية. يغتنم مستغلّو الإعانات الاجتماعية، الحاقدون على كلّ من لا يشبههم، أحداثًا سياسية أو رياضية أو فنية، لكي يطلقوا العنان لمخزوناتهم الثقافية الوفيرة، ويعيثوا خرابًا وفسادًا في محيطهم. بين عقدتَي الذنب والمظلومية، تُرتكب خطايا فادحة، وتُقترف جرائم قذرة، وتُنتهك حقوق مقدّسة، وتُسلب الطمأنينة. لا يجوز أن تنتصر البربرية على الحضارة، مهما تعاظمت الصعوبات. لذلك، فإنّ المطلوب من الأحرار، الذين يرون بلدانهم تنسلخ عن تاريخها وتفقد هويّتها، أن يحزموا أمرهم، وأن ينقذوا مستقبل أبنائهم من مصير قاتم.