أنهى الرئيس جوزاف عون زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، قابل خلالها وزير الخارجية ماركو روبيو، وبلغت ذروتها باستقبال الرئيس دونالد ترامب له في البيت الأبيض، في لقاء اتّسم بالودّ وتخلّله إطراء لعون من رئيس عُرف عنه تقلّب مزاجه.
الزيارة، على نجاحها، لا تكفي. فمأساة لبنان عميقة الجذور ومتعددة الأطراف، ولا تُحلّ بمراسم بروتوكولية، بل تتطلب الغوص عميقًا في أسبابها ووضع حلول دائمة لها.
قد نكون على عتبة حقبة جديدة تعيدنا إلى ما قبل اتفاقية القاهرة عام 1969 التي استدرجت احتلالات تناسلت وامتدت حتى اليوم، ابتدأت بالفلسطيني، فالفلسطيني - السوري، فالسوري- الإيراني، فالإيراني الصرف.
لا بد من علة أصليّة استجرّت هذه السلسلة المتواصلة من الويلات. ما لم ندرك هذه العلة ونعترف بها، ونتفق على استئصالها، لبقينا كما نحن، شعب يقيم في صالات ترانزيت ينتظر طائرة سفره.
ما هو الأساس الخاطئ الذي شُيّد عليه لبنان، وتدفع أجيالنا أثمانه؟
هو الفكر السياسي زمن إعلان "لبنان الكبير" عام 1920، وهو فكر ساد آنذاك، لينبذه الفكر السياسي الحديث ويتخطّاه. كان فكر العشرينيات امتدادًا لـ"الداروينية الاجتماعية" التي نادت بـ"صراع البقاء، والبقاء للأفضل". وصراع البقاء يقتضي تأمين "المدى الحيوي" للشعوب، أما "الأفضل" فكان تفوقًا عرقيًا عند بعض المفكرين، وحضاريًا عند آخرين.
التقى العنصران، "المدى الحيوي" و"التفوّق الفكري"، عند المنادين بـ"لبنان الكبير"، ونجحوا في توسيع مساحة "متصرفية جبل لبنان" أضعافًا، بضم طرابلس وعكار والبقاع والجنوب وبيروت إليها. لكن أقلية من المفكرين توجّسوا من هذا التوسّع، الذي سيضيف إلى سكان المتصرفية شعوبًا تنتسب إلى خارجها، وستكون بؤر اضطراب تُضعف استقرار النظام الجديد. ثم إن الملحقات لم تعمد إلى التقية وتكتم رفضها للضم، بل جهرت به. عقد زعماء الشيعة مؤتمرًا في وادي الحجير في ربيع 1920، ليعلنوا رغبتهم في الانضمام إلى المملكة العربية السورية. وكان موقف السنّة أشدّ رفضًا، إذ عقدوا ستة "مؤتمرات ساحل"، كان آخرها عام 1936، وكرّروا فيها، من دون تورية، رفضهم إلحاق أراضيهم بلبنان الكبير. وحتى الخارج كان على علم بإرادة أغلبية سكان لبنان الكبير، كما دوّنتها تقارير بعثة "كنغ-كراين" التي أجرت استفتاءات جدّية. أما روبر دو كي، من المفوضية الفرنسية، فذهب إلى أبعد من ذلك، إذ حذّر البطريرك الياس الحويك قائلًا "إن تكبير لبنان سيخلق بلدًا لا يمكن حكمه، أو سيفقد طابعه المسيحي".
إصرار القيادات المسيحية، السياسية والدينية، على توسيع الحدود مردّه وهمان تخطّاهما الفكر السياسي في العقود اللاحقة. الوهم الأول هو نظرية بناها الفكر الغربي القائم آنذاك على "العقلانية"، أي إن العقل والمنطق يسيّران الإنسان، فإن أقنعته بما يضمن مصلحته، فلا بد أن يقبله ويتبنّاه. وتبقى أكثر وسائل الإقناع فاعليةً التعليم، الذي كادت جميع مؤسسات لبنان آنذاك تكون حكرًا على المسيحيين. أما الوهم الثاني فهو "المدى الحيوي" بوصفه شرطًا لبقاء الدول. وقد أثبتت تطورات العقود الأخيرة أن ازدهار الدول يعود إلى انسجامها، لا إلى حجمها.
القنبلة الموقوتة في بنية لبنان لم تنفجر فور استقلاله، بل انتظرت تطورات إقليمية، كان أولها الموجة الناصرية من أواسط الخمسينيات حتى عام 1967. تحمّس لها كثير من السنّة، ووجدوا فيها رافعة لقدرهم. وبعد انكفاء المدّ الناصري بهزيمة عام 1967، انتقل الوهج تدريجيًا إلى حركة التحرير الفلسطينية، التي استقدمها سياسيون، معظمهم من المذاهب الرافضة للبنان، وأحلّوها بسلاحها على حدودنا مع إسرائيل، ما أنهى اتفاقية هدنة عام 1949، واستدرج أربعة اجتياحات إسرائيلية.
التمدد الفلسطيني برر دخول سوريا بحجة لجمه عام 1967، مفتتحًا مرحلة وصاية سورية- فلسطينية انحصرت بالسوري بعد إجلاء الفلسطينيين عام 1983.
في العام 1979، سقط نظام الشاه، وقامت الجمهورية الإسلامية في إيران، التي عبّأت ونظّمت وسلّحت وموّلت امتداداتها داخل لبنان على نحو فاق كل ما سبقه، بحيث سيطر "حزب الله" على لبنان بمؤسساته الإدارية والقضائية والتعليمية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية ومصرفية بديلة. بل إن "الحزب" دعّم سيطرته بإقامة تحالفات وتجنيد أتباع له من سائر الطوائف. وشيّد مؤسسات رديفة في كل المجالات تحميه ويحتمي بها عند الحاجة.
كان من شأن هذا السياق أن ينتهي بلبنان يقوم على نظام "ولاية الفقيه" التابع لإيران. قراران بدّلا كل شيء: قرار حسن نصرالله مساندة غزة في 8 أكتوبر 2026، وقرار الثأر لخامنئي إثر مقتله في 28 شباط 2028.
سيبقى 7 أكتوبر 2023 تاريخ تحوّل جذري في منطقة الشرق الأوسط. انهار من جرّائه نظام الأسد، وتقلّص نفوذ إيران في العراق. وحتى لبنان استعاد جزئيًا سيادةً فقدها وافتقدها طوال نصف قرن. كلها تطورات واعدة، لكن إيران وامتداداتها لم تفقد بعد كل إمكاناتها. استطعنا حتى الآن مسح الدماء بنجاح، لكن إيقاف النزيف يتطلب إعادة النظر في البنية.