في الديمان، حيث يتنفّس الجبل صلاةً باردة، لم يكن اللبنانيون يشيّعون ذكرى رجلٍ رحل قبل قرن، بل يستقبلون شهادةً حيّة على أن الوطن الذي بُني على الرجاء لا يموت. تطويب البطريرك الياس بطرس الحويّك طوباوياً، بعد توقيع البابا لاون الرابع عشر مرسوم الإعلان في الثاني والعشرين من أيار الماضي، ليس حدثاً كنسياً يخصّ الموارنة وحدهم. إنه لحظةٌ يستعيد فيها لبنان معنى نفسه، في زمنٍ كاد ينساه.
والمفتاح إلى كل شيء أعجوبةٌ واحدة. سنة ١٩٦٥، استيقظ ضابط في الجيش اللبناني اسمه نايف أبو عاصي، وهو موحّد كان يعاني مرضاً مزمناً في عموده الفقري، معافى تماماً بعد أن رأى البطريرك في منامه. تأمّلوا في هذا: أن يكون شاهدُ قداسة مؤسّس لبنان الكبير درزياً لا مارونياً. لم يشأ التاريخ أن يوقّع على مشروع الحويّك بيد أحد أبنائه، بل بيد رجلٍ من طائفةٍ أخرى، كأنه أراد أن يقول للبنانيين جميعاً: هذا هو الرجل الذي فهمتموه خطأً؛ لم يبنِ لكم معبد طائفة، بل بنى بيتاً يتّسع للجميع. وأنا، العلماني الذي يكتب هذه السطور، لا أقف أمام قداسته غريباً عن مأدبةٍ مارونية، بل شريكاً في إرثٍ يخصّني بمقدار ما يخصّ سواي.
من يريد أن يفهم الرسالة، عليه أن يعرف الرجل. لم يكن الحويّك، المولود في حلتا البترونية سنة 1843 والمرتقي إلى السدّة البطريركية سنة 1899، راعياً روحياً يكتفي بالصلاة على رعيّته. كان رجل دولةٍ بثوب كاهن، أدرك مبكراً أن حماية جماعته لا تكون بالانكفاء وراء أسوار الجبل، بل ببناء كيانٍ سياسيّ يتّسع لكل اللبنانيين. وحين انهارت السلطنة العثمانية وتقاسمت القوى المنتصرة تركتها على طاولة فرساي، فهم أن غياب لبنان عن تلك الطاولة يعني موته قبل أن يولد. فلم ينتظر أحداً.
هنا يبدأ الفصل الذي يجب أن يُروى لا كصفحة تاريخ، بل كدرسٍ في كيفية صناعة وطن. في الخامس عشر من تموز 1919 أبحر البطريرك على رأس وفدٍ لم يكن مارونياً صرفاً، بل لبنانياً جامعاً؛ ضمّ الأساقفة شكرالله الخوري وإغناطيوس مبارك وبطرس الفغالي والخوري اسطفان الدويهي، ومعهم مطران زحلة للروم الكاثوليك كيرلّس مغبغب.
وحين وصل باريس استُقبل استقبال الحليف لا الملتمس، فاجتمع برئيس الجمهورية بوانكاريه وبرئيس الوزراء جورج كليمنصو الملقّب بالنمر. في يده خطابٌ يطلب الاستقلال المطلق والسيادة التامة. لكن السياسيّ فيه غلب المثاليّ. فحين قرأ موازين القوى، وأدرك أن استقلالاً بلا سندٍ دولي سيكون فريسة لمشروع فيصل في "سوريا الكبرى"، عدّل مطالبه وتبنّى مذكّرة "مطالب لبنان"، وقدّمها إلى المؤتمر في الخامس والعشرين من تشرين الأول.
وفي العاشر من تشرين الثاني انتزع من كليمنصو تعهّداً خطياً يَعِد لبنان بالاستقلال، ويَعِد الجبل بالسهول والمرافئ الضرورية لازدهاره — أي بحدود لبنان الكبير من البقاع إلى الساحل. أربعة أشهر في باريس، عاد بعدها حاملاً رسالة كليمنصو المؤرخة في الخامس من كانون الثاني 1920، التي مهّدت لإعلان الدولة في الأول من أيلول.
وفي هذه التفاصيل، لا يهمّني أن أُحصي التواريخ بقدر ما يهمّني أن أُظهر ما تحته. لم يكن الحويّك حالماً يطلب المستحيل، ولا انتهازياً يبيع القضية بأبخس الأثمان. كان واقعياً يعرف حدود الممكن ويشتغل داخلها من دون أن يفرّط بالجوهر. قبِل بالانتداب لا حباً بالوصاية، بل لأنه رأى فيه المظلّة الوحيدة التي تحمي الكيان الوليد. وهذه المقايضة الدقيقة بين الطموح والممكن، بين الكرامة والحماية، هي بالضبط ما يفتقده لبنان اليوم؛ في زمنٍ صار فيه الرهان على الخارج استسلاماً، والتمسك بالسيادة انتحاراً، ولم يعد أحد يعرف كيف يمسك العصا من وسطها كما أمسكها البطريرك.
لكن الحدود التي رسمها ليست أعظم ما تركه؛ أعظم ما تركه هو المعنى الذي أودعه فيها. لم يُرد لبناناً مسيحياً في مواجهة محيطه، بل وطناً رسالةً في العيش الواحد المشترك بين طوائفه، قائماً على الحرية والكرامة واحترام التعددية. لُقّب في باريس بـ"بطريرك لبنان" لا بطريرك الموارنة، لأن المسلمين والمسيحيين التفّوا حوله معاً. وليس هذا تمييزاً لغوياً؛ إنه جوهر المشروع كلّه. فالرجل الذي انتزع الكيان من ركام الإمبراطورية لم يشأه غنيمةً لجماعته، بل أمانةً في أعناق أبنائه على اختلافهم. ولهذا تعود بنا الأعجوبة إلى نقطة البداية: كأن التاريخ أراد أن يوقّع على مشروعه بالمعنى الذي أراده هو، لا بالمعنى الذي تشوّهه العصبيات.
وهنا موضع حاجتنا إليه. نحن الذين ورثنا كيانه ولم نرث حكمته، الذين نتقاتل على حصصٍ في وطنٍ أراده رسالةً تُصان لا غنيمةً تُقتسم، أحوجُ ما نكون إلى رجالٍ من طينته: يجمعون ولا يفرّقون، يفاوضون العالم من موقع الكرامة لا الاستجداء، ويرون في الآخر شريكاً في الوطن لا خصماً على المغانم. لبنان الحويّك لم يكن أرضاً فحسب؛ كان فكرةً عن إمكان أن يعيش المختلفون معاً، فكرةً ظنّها كثيرون فشلت، لكنها في كل مرة تعثّرت فيها الدولة عادت لتذكّرنا بأنها الرهان الوحيد الذي يستحق.
ولعلّها مفارقة القدر أن يُطوَّب مؤسّس لبنان الكبير في لحظةٍ يترنّح فيها الكيان الذي أسّسه، محاصراً بحروبٍ ليست حروبه، مهدَّداً بأن تُلغى امتيازاته كما أُلغيت امتيازات المتصرفية قبل قرن. لكن في المفارقة عزاءً: فكأن الحويّك، بعد مئة عام، يعود ليقف على تلك الطاولة من جديد، لا بخطابٍ إلى كليمنصو هذه المرة، بل بشهادةٍ صامتة أمام اللبنانيين جميعاً. أن الوطن الذي بُني على الرجاء لا يموت باليأس. وأن رسالة لبنان، إن كان لها من معنى، هي أن يبقى — رغم كل شيء — ذلك المكان النادر في العالم حيث يستطيع العلمانيون والمواطنون من كل الطوائف أن يشهدوا لقداسته، وأن يكتبوا، بلا حرج، أنهم أبناء هذا الإرث.