الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (18)

ما لا يفنى... هل القناعة تعني أن نتوقف عن الحلم؟

9 دقائق للقراءة

 المقدمة

كل إنسان يحمل في داخله قائمةً لا تنتهي؛ إذا حصل على وظيفة، بحث عن ترقية؛ وإذا نال ترقية، بحث عن منصب؛ وإذا اشترى بيتًا، فكّر في بيتٍ أكبر؛ وإذا امتلك ما كان يحلم به، بدأ يحلم بما لم يكن يفكر فيه من قبل؛ وكأن الإنسان لا يعيش بما يملك، بل بما ينقصه.

ليس في ذلك ما يُلام عليه، فلولا الأحلام لما تقدمت الحضارات، ولولا الطموح لما خرج الإنسان من الكهف، ولولا الرغبة في الأفضل لما عرف العالم علمًا ولا فنًا ولا اكتشافًا.

لكن بين الحلم واللهاث خيطٌ رفيعٌ لا ينتبه إليه كثيرون، فالطموح يبني الإنسان، أما اللهاث، فيستهلكه.

ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي: كيف أحقق المزيد؟ بل: هل سيأتي يوم أشعر فيه أن ما لديّ يكفيني؟

وربما كان هذا السؤال، منذ البداية، أقل ارتباطًا بما نملك، وأكثر ارتباطًا بمن نكون.

ليس غريبًا، إذًا، أن يصل كثيرون إلى ما تمنوه سنوات طويلة، ثم يكتشفوا أن شعور الاكتفاء لم يصل معهم؛ فما إن تتحقق غاية، حتى تولد غاية أخرى؛ وما إن يُغلق باب، حتى يُفتح باب جديد؛ وكأن النفس البشرية تؤجل الاكتفاء دائمًا إلى موعدٍ آخر.

ولهذا، يعيش كثير من الناس مستقبلًا لم يأتِ بعد، أكثر مما يعيشون حاضرهم، ينشغلون بما ينقصهم، حتى يعجزوا عن رؤية ما بين أيديهم، فيصبح الامتنان مؤجلًا، والفرح مؤجلًا، والسلام الداخلي مؤجلًا.

وهنا، لا يعود السؤال: كم يملك الإنسان؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل يعرف الإنسان متى يقول: يكفي؟

ليس لأن التوقف فضيلة، ولا لأن الطموح خطأ، بل لأن الإنسان الذي لا يعرف معنى «يكفي» سيبقى يركض، حتى لو وصل إلى آخر الطريق. فلم يكن السؤال عن الاكتفاء سؤالًا اقتصاديًا، ولا اجتماعيًا، ولا نفسيًا فحسب؛ كان، وما يزال، سؤالًا عن الإنسان نفسه.

القناعة تكبّل الحلم؟

أبدًا؛ فالإنسان الذي فقد أحلامه، فقد جزءًا من حياته؛ وما قامت حضارة، ولا وُلد اكتشاف، ولا تغيّر تاريخ، إلا لأن إنسانًا حلم بما لم يكن موجودًا بعد. المشكلة ليست في أن نحلم، المشكلة أن نربط قيمتنا بما نحلم به.

حين يصبح النجاح هو الدليل الوحيد على قيمة الإنسان، يتحول كل فشل إلى هزيمة للذات؛ وحين يصبح المال مقياس الكرامة، تتحول الخسارة إلى شعور بالنقص؛ وحين تصبح المكانة الاجتماعية تعريفًا للإنسان، يعيش أسيرًا لنظرة الآخرين أكثر مما يعيش مع نفسه.

لقد أسيء فهم القناعة عبر التاريخ؛ فالقناعة ليست أن تُصغّر أحلامك، وليست أن تكتفي بالقليل، وليست أن ترضى بالواقع إذا كان ظالمًا؛ القناعة هي أن يبقى قلبك أكبر مما تملك، وأكبر مما تحلم.

أن تعمل بكل طاقتك، لكن من دون أن يصبح نجاحك هويتك؛ وأن تسعى إلى الأفضل، لكن من دون أن يصبح ما ينقصك أقوى مما بين يديك؛ ولهذا، فإن القناعة لا تطفئ الحلم...بل تحرره.

عبودية الامتلاك

منذ أن بدأ الإنسان يجمع الأشياء، ظن أن حريته تكبر كلما كثر ما يملك؛ لكن الحياة كانت تعلّمه، مرة بعد أخرى، أن كثرة الممتلكات لا تعني دائمًا كثرة الحرية.

فقد يملك الإنسان بيتًا، ثم يصبح أسير المحافظة عليه.

ويملك مالًا، ثم يعيش خائفًا من خسارته.

ويبلغ منصبًا، ثم يقضي عمره قلقًا على بقائه.

ليست المشكلة فيما نملك، بل فيما يملكنا.

فالعبودية لا تبدأ دائمًا بسلاسل من حديد، بل كثيرًا ما تبدأ برغبة لا تعرف حدًا، وبخوف لا يعرف طمأنينة؛ ولهذا، فإن القناعة لا تحرر الإنسان من العمل، بل تحرره من العطش الذي لا يرتوي، والجوع الذي لا يشبع؛ ولا تمنعه من النجاح، بل تمنعه من أن يجعل نجاحه مقياسًا لذاته؛ إنها لا تطلب منه أن يقلل أحلامه، بل أن يبقى أكبر منها.

وهنا، يكتشف الإنسان أن الحرية ليست أن يستطيع أن يحصل على كل شيء، بل أن يستطيع أن يقول للأشياء: لا أحتاجك كي أكون أنا؛ وهذا هو الفرق بين من يملك العالم، ومن يملك نفسه.

أن نكون... أم أن نملك؟

لم يكن سؤال القناعة سؤال دين واحد، ولا فلسفة واحدة، ولا حضارة واحدة. كان سؤال الإنسان، أينما كان. بحث كونفوشيوس (Confucius) عن الغنى، فلم يجده في كثرة ما يملك الإنسان، بل في قدرته على الاكتفاء. ورأى إبكتيتوس (Epictetus) أن الحرية الحقيقية لا تبدأ عندما يمتلك الإنسان كل ما يشتهي، بل عندما لا يعود أسيرًا لشهواته. أما ميشال دو مونتين (Michel de Montaigne)، فكان يرى أن الإنسان لا يفتقر إلى المزيد بقدر ما يفتقر إلى الرضا.

وبعد قرون، طرح إريك فروم (Erich Fromm) السؤال بطريقة مختلفة. لم يسأل: ماذا يملك الإنسان؟ بل سأل: هل يعيش الإنسان ليكون، أم يعيش ليملك؟

وكان جوابه أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان، ليس أن يخسر ممتلكاته، بل أن تتحول ممتلكاته إلى تعريف له. فعندما تصبح قيمة الإنسان في مُلكيته، أو حسابه، أو منصبه، أو شهرته، يفقد شيئًا فشيئًا القدرة على رؤية نفسه بعيدًا عنها.

ولعل هذا ما يفسر قلق كثيرين، رغم أنهم يملكون أكثر مما حلموا به يومًا؛ فهم لا يخافون خسارة الأشياء بقدر ما يخافون خسارة الصورة التي صنعوها لأنفسهم من خلال تلك الأشياء.

وربما لم تعد هذه الأزمة أزمة أفراد فقط، بل أصبحت أزمة عصرٍ كامل؛ فنحن نعيش زمنًا يقيس الإنسان بسرعة إنجازه، وعدد متابعيه، وحجم إنتاجه، وكمية ما يستهلكه؛ زمنًا أصبح فيه كل شيء خاضعًا للسرعة والقياس، إلا راحة الإنسان.

لقد منحتنا التكنولوجيا قدرة غير مسبوقة على الوصول، لكنها لم تُجب عن سؤال: إلى أين؟ ومنحتنا سرعة لم يعرفها جيل قبلنا، لكنها لم تمنحنا سببًا لنتوقف ونسأل: لماذا؟

ولم يعد الإنسان يلهث وراء المال وحده، بل وراء الصورة، والانتباه، والاعتراف، والتحديث التالي، والإنجاز التالي؛ حتى بدا وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بما ينتجه، لا بما هو عليه؛ كان الإنسان يخشى يومًا أن تسيطر عليه الأشياء التي يملكها، أما اليوم، فقد بدأ يخشى أن تسيطر عليه الأشياء التي صنعها.

لم تعد القناعة فضيلة شخصية فحسب، بل أصبحت ضرورة حضارية؛ فالمشكلة لم تعد في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على أن نبقى أحرارًا وسط عالم يدعونا، كل يوم، إلى أن نريد أكثر، ونستهلك أكثر، ونسرع أكثر.

لم تكن القناعة في نظر الحكماء دعوة إلى الزهد في الحياة، بل دعوة إلى ألا يضيع الإنسان حياته وهو يحاول أن يثبت قيمته بما يملك؛ فالقيمة التي تحتاج إلى المادة لتثبت وجودها...ليست قيمة، بل خوف.

الكنز الذي لا يفنى

لعل هذا ما جعل الحكمة الإنسانية، على اختلاف مصادرها، تلتقي عند معنى واحد، ففي التراث العربي، لم يقل الناس: القناعة راحة، أو القناعة فضيلة، بل قالوا: "القناعة كنز لا يفنى"؛ ولم يبق هذا المثل حيًا عبر القرون لأنه جميل اللفظ، بل لأنه اكتشف أن هناك كنوزًا لا تُقاس بما يُحفظ في الخزائن، بل بما يُحفظ في الإنسان.

وربما آن الأوان أن نعيد النظر في هذه العبارة، فالقناعة ليست الكنز؛ إنها المفتاح الذي يقود إليه؛ فالكنوز كلها قد تضيع، أما الإنسان الذي بنى في داخله الحكمة، والحرية، والكرامة، والسلام، والمحبة، فلا يستطيع الزمن أن يسلبه إياها.

القناعة لا تمنح الإنسان كنزًا خارج نفسه، بل تساعده على بناء الكنز الذي ينمو في داخله، ويزداد قيمة كلما تقدم به العمر.

ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب: "القناعة مالٌ لا ينفد"؛ فلم يكن يتحدث عن المال، بل عن غنى النفس، ذلك الغنى الذي لا يزداد بزيادة الرصيد، ولا ينقص بنقصانه.

هنا تأتي كلمات يسوع، فلا تضيف جوابًا جديدًا، بل تكشف أن السؤال كان أعمق مما ظنه الإنسان؛ فهو لا يسأل: كم ربحت؟ ولا: كم امتلكت؟ ولا حتى: كم نجحت؟ بل يسأل السؤال الذي يعيد ترتيب كل المقاييس:

"ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مرقس 8: 36).

هذه ليست دعوة إلى رفض العالم، ولا إلى احتقار المال أو النجاح، ولا إلى الهروب من الطموح؛ فالإنجيل لا يضع الإنسان في مواجهة العالم، بل يضع العالم في مكانه الصحيح.

إنه يذكّر الإنسان بأن قيمة الأشياء تُستمد من قيمة الإنسان، لا العكس.

فالمال لا يمنح الإنسان كرامته، لأنه وُجد لخدمته.

والسلطة لا تمنحه قيمته، لأنها أداة وليست هوية.

والنجاح لا يخلق إنسانيته، لأنه ثمرة من ثمارها، وليس أصلها.

ولهذا، فإن السؤال الذي يطرحه يسوع ليس سؤالًا اقتصاديًا ولا أخلاقيًا فحسب، بل سؤال وجودي ولاهوتي في آنٍ واحد.

ما قيمة أن تربح كل شيء، إذا خسرت الكائن الوحيد القادر على أن يعطي لكل شيء قيمته: نفسك؟

الإنسان، في الرؤية المسيحية، ليس مجرد فرد يبحث عن السعادة، بل هو كائن خُلق على صورة الله ومثاله. ومن هنا، لا تصبح قيمة الإنسان فيما يملكه، بل في كرامته التي تسبق كل امتلاك، وفي إنسانيته التي لا يجوز أن تُباع بأي ثمن؛ وعندما ينسى الإنسان هذه الحقيقة، يبدأ التبادل الأخطر في حياته.

يبيع سلامه ليشتري مكانة، ويبيع وقته ليشتري مالًا، ويبيع ضميره ليشتري نفوذًا، ويبيع إنسانيته، وهو يظن أنه يشتري العالم.

الخاتمة

ان القناعة هي أكثر من فضيلة، وأكثر من قيمة أخلاقية؛ فهي ليست دعوة إلى الاكتفاء بما نملك، بل إلى حماية ما نحن عليه؛ إنها الحارس الذي يقف على باب النفس، حتى لا يدخل إليها شيء، مهما كان ثمينًا، إذا كان ثمنه الإنسان نفسه. وفي النهاية، قد ينجح الإنسان في جمع المال، وقد يبلغ أعلى المناصب، وقد يحقق من الأحلام أكثر مما كان يتخيل؛ لكن السؤال الذي سيبقى في انتظاره، بعد أن تهدأ ضوضاء الحياة، ليس: ماذا ربحت؟ بل: ماذا بقي منك؟

فالإنسان لا يصبح أعظم بما يضيفه إلى حسابه، بل بما يضيفه إلى نفسه.

وكل ما نملكه قد يرحل يومًا؛ أما ما نبنيه في أعماقنا من إنسانية، فهو وحده الذي يبقى معنا.

ولهذا، ليست القناعة استسلامًا، ولا اكتفاءً بالقليل، ولا هروبًا من الطموح؛ إنها شجاعة؛ شجاعة أن يعمل الإنسان بكل ما أوتي من قوة، دون أن يبيع نفسه في الطريق؛ وأن يحلم بكل ما يستطيع، دون أن يجعل حلمه أكبر من إنسانيته، وأن يربح العالم إن استطاع...لكن من دون أن يخسر نفسه.

ولهذا ليس الكنز الذي لا يفنى مالًا، ولا ذهبًا، ولا عقارًا، بل هو الإنسان الذي عرف أن قيمته لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُقاس بما يملك.

فكل كنوز الأرض قد تفنى، أما الإنسان الذي عرف أن قيمته لا تُقاس بما يملك، فقد وجد ما لا يفنى.