ليست القرى وحدها التي دُمّرت…
بل دُمِّر معها جزء من روح لبنان.
هناك طفل سيكبر ولن يعرف شكل البيت الذي وُلد فيه. وهناك أمّ ما زالت تحتفظ بمفتاح منزل لم يعد له باب. وهناك رجل عجوز يقف أمام أرضه التي ورثها عن أجداده، يبحث بين الركام عن شجرة زيتون زرعها والده، فلا يجد سوى الحجارة والغبار.
في الجنوب، لم تُهدم البيوت فقط.
بل هُدمت الذاكرة.
دُفنت صور العائلات تحت الأنقاض، وضاعت دفاتر المدرسة، و اختفت تفاصيل حياة كاملة كانت تختصر تاريخ قرى جبل عامل وأهلها.
الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية على الخريطة.
إنه أرض عاش عليها الناس أجيالاً، حملوا فيها أسماء عائلاتهم، وذكريات آبائهم وأجدادهم، وحكايات تعبهم وصمودهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من دمّر هذه القرى؟
الجواب واضح.
إسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن الدمار الذي أحدثته، وعن استخدام قوة عسكرية هائلة أدت إلى تدمير واسع للقرى والبنى التحتية وتهجير السكان.
لكن هناك سؤالاً آخر لا يجوز الهروب منه:
لماذا وصل أهل الجنوب إلى هذه المأساة؟
من اتخذ قرار إدخال لبنان في مواجهة كان يعرف حجمها؟
ومن اعتقد أن لبنان قادر على تحمل حرب جديدة، رغم ما شهده العالم في غزة من حجم الدمار الذي يمكن أن تحدثه إسرائيل عندما تستخدم كامل قوتها العسكرية؟
إذا كان الجميع يعلم حجم القوة الإسرائيلية وطبيعة ردها، فلماذا كان الخيار هو الذهاب إلى مواجهة ستكون كلفتها الأولى على الناس؟
هنا تبدأ مسؤولية حزب الله.
فإذا كانت إسرائيل مسؤولة عن الدمار الذي نفذته، فإن حزب الله يتحمل مسؤولية سياسية ووطنية كبيرة عن القرار الذي قاد إلى هذه النتيجة.
والأخطر من القرار نفسه هو عدم التعلم من دروس التاريخ.
لبنان عاش مراراً تجربة الرهان على الخارج.
راهن كمال جنبلاط على تحالفات إقليمية ودولية، لكن عندما تغيّرت موازين القوى وجد لبنان نفسه أمام واقع مأساوي.
وراهن بشير الجميل على إسرائيل باعتبارها قوة داعمة، لكن اغتياله لم يدفعها إلى خوض مواجهة مفتوحة من أجله، وبقي اللبنانيون وحدهم يواجهون تداعيات تلك المرحلة بكل مآسيها، ومنها جريمة صبرا وشاتيلا التي تركت جرحاً عميقاً في تاريخ لبنان.
واليوم، يطرح اللبنانيون السؤال نفسه:
هل كان الرهان على الحلفاء الخارجيين أكثر قوة من قدرة الدولة اللبنانية على حماية شعبها؟
ولعل أكثر الدروس قسوة في التجربة الأخيرة هو حدود الرهان على الحلفاء.
بنى حسن نصرالله استراتيجية حزب الله على علاقة استراتيجية عميقة مع إيران، وعلى اعتبار أن هذا التحالف يشكل مظلة حماية في مواجهة أي حرب كبرى مع إسرائيل.
لكن الأحداث أثبتت مرة جديدة أن الدول تتحرك وفق حساباتها الخاصة.
الدعم السياسي والعسكري لا يعني بالضرورة أن الدولة الحليفة ستدخل حرباً شاملة دفاعاً عن حلفائها عندما تصبح الكلفة عالية.
وهنا يكمن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق:
هل كان الرهان على أن إيران ستخوض مواجهة مباشرة من أجل حماية حزب الله رهاناً واقعياً؟
أم أن لبنان كرر مرة أخرى خطأ تاريخياً: الاعتقاد بأن القوى الخارجية ستدفع ثمن المعارك نيابة عنه؟
في التاريخ يُقال إن الدول، حتى الحليفة منها، تضع مصالحها الاستراتيجية أولاً.
أما الساحات التي تجري عليها المواجهات، فهي غالباً التي تدفع الثمن.
وفي النهاية، بقي الجنوب هو المكان الذي تحمّل الدمار، وبقي أهل الجنوب هم الذين حملوا آثار الحرب في بيوتهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم.
واليوم، يقف الناس أمام الأسئلة الأصعب.
من سيعيد بناء القرى؟
من سيدفع التعويضات؟
هل توجد خطة حقيقية لإعادة الإعمار؟
ومن سيضمن عودة السكان إلى أرضهم؟
المشكلة ليست فقط في الحجر.
المشكلة في الإنسان.
ماذا عن العائلات التي لا تملك القدرة على الانتظار سنوات؟
ماذا عن الشباب الذين قد يختارون الهجرة لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية بناء حياة مستقرة؟
وماذا عن خطر أن يؤدي استمرار الدمار إلى تغيير ديموغرافي صامت، لا عبر قرار سياسي معلن، بل عبر دفع الناس إلى الرحيل؟
لا يبدأ دائماً التغيير الديموغرافي بالخرائط.
أحياناً يبدأ عندما يفقد الإنسان الأمل بالعودة.
كان يفترض بعد كل تجارب لبنان، وبعد حرب 2006، وبعد ما جرى في سوريا وغزة، أن تتم مراجعة عميقة لمعنى القوة ومعنى الانتصار.
فالقيادة لا تُقاس فقط بامتلاك القدرة على القتال.
بل تُقاس أيضاً بالقدرة على حماية الناس ومنع الكوارث.
القائد الحقيقي هو الذي يسأل قبل أي مواجهة:
ماذا سيحدث للناس؟
أين سيذهبون؟
كيف سنحمي بيوتهم؟
ومن سيدفع ثمن الحرب؟
لأن الشعارات لا تعيد بناء منزل مهدّم.
والخطابات لا تعيد طفلاً إلى مدرسته.
إن تحميل إسرائيل مسؤولية الدمار الذي أحدثته أمر لا نقاش فيه.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند لحظة القصف.
هناك أيضاً مسؤولية من اتخذ قرار المواجهة، ومن أقنع الناس بأن النتائج ستكون مختلفة، ومن لم يتعلم من تجارب الماضي.
الجنوب ليس جبهة فقط.
الجنوب وطن.
وكل قرية فيه تحمل تاريخ عائلات وأجيال.
قد تُبنى البيوت من جديد.
وقد تُزرع الأشجار من جديد.
لكن السؤال الأكبر سيبقى:
كم من الوقت يحتاج الإنسان ليستعيد ثقته بأن وطنه يحميه؟
لأن الأوطان لا تُقاس بعدد المعارك التي تخوضها.
بل بعدد الناس الذين تستطيع أن تحميهم.
فالقرى ليست حجارة…
القرى هي أهلها.
ومن يخسر أهله، يخسر جزءاً من وطنه.