إن مبدأ سرية التحقيق يوجب الامتناع عن التعليق والتدخل في عمل المحقق العدلي وترقب صدور القرار الظني بصمت، فالحديث يتاح فقط عند علنية المحاكمة، والأصح بعد صدور الحكم، هناك فقط يتاح للفقه أن يعلق على المسار القضائي وعلى عمل الاجتهاد الذي يتشكل من تفاعل بين المحاماة والقضاء. غير أن للكارثة أبعاد قانونية أخرى غير جزائية تهم المتضررين، المسألة تتعلق بـ"المواطن العادي" الذي اعتادت قوى الامر الواقع أن تسحق حياته وتسلب مدخراته وتُخّدِّره بالخوف من الآخر.
"الدولة العميقة "عبارة فيها ثناء ومديح، لأنها تفترض بداية وجود دولة ونظام في منظومة الفوضى والربح السريع والتهرب من المسؤولية وتأجيل المشاكل إلى أن تنفجر فتدمر كل شيء. منظومة الضحك على اللحى والتكاذب.
فورا وفي أعقاب الانفجار، وفيما يلملم المواطن العادي أشلاء أحبائه ويضمد جراحاته، وفيما بقايا ذكرياته ومدخراته تملأ أزقة يستبيحها ناهبون ينتزعونها من يد الشرفاء الذين استفزتهم المروءة وهبوا لنجدة إخوانهم في الوطن، انتشرت فورًا صورة "معلّم التلحيم" وانبرى بعض الاعلام الذي يدعي صفة "الاستقصاء" ليسوي حساباته الشخصية وآخر لينشر فصلا جديدا من بطولات القفز من شباك شقة مختومة بالشمع الاحمر فأذاع وثائقيًا ضلل العدالة والرأي العام، وفي حالة فرضية حسن النية، أظهر جهلاً في طريقة تأسيس شركات الأفشور التي تستخدم لتسجيل السفن، فراح يتعقب وكيل تسجيل الشركات في مضيعة للجهد والوقت بدل من أن يلاحق هوية المديرين والشركات التي تملك الحصص الأكبر في شركة سفارو، والـ"حقيقة" لم تظهر، وتضرّرت اركان المطالبة وحُيِّدت شركات التأمين واصطفت تعويضات المتضررين في صف ديون الدولة اللبنانية الطويل.
نيسابور، تكساس، تيانجين وبيروت.
في 12 آب 2015 انفجر 800 طن من نيترات الامونيوم في مرفأ تيانجين في الصين، استمرت الحرائق أسبوعا وقُتل أكثر من 170 شخصاً وأُصيب نحو 800 آخرين. كما تسبب الانفجار في دمار هائل في البنية التحتية للميناء، والمباني السكنية المحيطة، وبلغت التعويضات التي سددتها شركات التأمين 3.2 مليار دولار.
في 4 آب 2020 انفجرت كمية من مخزون مقدّر بـ 2750 طن من نيترات الامونيوم، وفيما انحسر أثر تحطم النوافذ وانهيار الجدران في تيانجين بقطر 2 إلى 3 كلم كان مدى التدمير الكلي في بيروت 5 كلم وتحطمت النوافذ في مدى تعدى ال 21 كلم أما صوت الانفجار فسمع في قبرص أي على بعد 235 كلم من بيروت. لم تسدد شركات التأمين أي مبالغ حقيقية وأجبر الناس على قبول تسويات باللولار بحجة عدم صدور القرار الظني، واضرّت السلطة التنفيذية بالمطالبة التأمينية عبر كتاب وزير الاقتصاد آنذاك إلى المحقق العدلي يطلب استبعاد احتمال العمل الحربي "حتى لو كان هناك عملاً حربيًا"، ما ضرب أية مصداقية لأي مطالبة محتملة أمام لجان التحكيم الدولية في مواجهة شركات التأمين.
في تيانجين حيث تقوم الدولة على الــMeritocracy تم تعويض المتضررين.
في حادثة "ويست" بولاية تكساس 17/04/2013، أدى انفجار 240 طناً من نترات الأمونيوم إلى أضرار تجاوزت المئة مليون دولار، بينما لم تملك الشركة المالكة سوى وثيقة مسؤولية هشة بسقف مليون دولار فقط، مما أدى لإفلاسها فوراً. لم يترتب على ذلك ضياع حقوق الأهالي، بل تم التعويض عبر أربع مسارات متكاملة: غطت وثائق التأمين الشخصية أضرار المواطنين المباشرة، وتكفلت الحكومة الفيدرالية (FEMA) بإعادة بناء المدارس والبنية التحتية، بينما انتزع محامو المتضررين تسويات قضائية من كبار الموردين والمصنعين، وسدّت صناديق التبرعات والتكافل الأهلية الفجوات المالية للعائلات غير المُؤمّنة؛
أما في بيروت فسحقت حقوق المواطن العادي تحت سنابك قوى الامر الواقع و"المال النظيف" كما سحقت حياة أهالي "دهنو" Dehnow في إقليم نيسابور في اعقاب انفجار شحنة نيترات الامونيوم في 18 شباط 2004، وكما عالجت مصادر "المال النظيف" كارثة قطار نيسابور عالجت قوى الامر الواقع مأساة أهالي الاشرفية بصكوك غفران وعبارات عزاء وتعليق رتبة شهداء على صدور المفجوعين دون تعويض حقيقي جابرٍ للضرر.
مسؤولية إدارة المرفأ ووثيقة التأمين الهزيلة.
في أعقاب الكارثة وفيما انشغل الرأي العام بضجيج التحقيقات الجزائية ومهرجان الدفاع والدفوع والتسريبات القضائية (المجرمة قانونًا)، مر خبر عرضي عن أن وثيقة التأمين التي تغطي مسؤولية المرفأ لا يتعدى سقفها التأميني 400 ألف دولار أميركي وانها لا تغطي مخاطر الحرب، ما يلزم المرفأ والدولة اللبنانية أن تقوم بتغطية الاضرار البالغة قيمتها 15 مليار دولار أميركي وفق تقييم الشركات المختصة.
مهما كانت التبعات الجزائية فإن المسؤولية الملاحية عن الأضرار التي لحقت بالشحنات وبالسفن وبالأبنية المحيطة تقع على كاهل إدارة المرفأ والدولة اللبنانية، وفي حالات مماثلة من انفجار فافيرشام (Faversham)(1916 في بريطانيا) إلى انفجار تيانجين كانت المسؤولية الأولى على إدارة المرفأ والجهة المشغلة له، ففي عالم التجارة البحرية توجد مسؤولية تسمى مسؤولية مشغلي الموانئ والمحطات Port & Terminal Operators Liability وهذه المسؤولية يتم تغطيتها بموجب وثيقة تأمين.
في لبنان المدرج دائما على لائحة المناطق المعرَّضة لمخاطر الحرب يتوجب وجود وثيقة تأمين لتغطية هذه المخاطر Terminal Operators War Cover لتغطية Political Risk & Terminal Liability وفي ظل توقف الدولة اللبنانية عن سداد ديونها والتزاماتها الدولية في عهد حكومة الرئيس حسان دياب وفي ظل تهديدات نتانياهو في تلك الحقبة باستهداف البنية التحتية اللبنانية وإعادة لبنان إلى العصر الحجري، يستبعد أن تقبل أندية الحماية الدولية International Group of P&I Clubs التي تغطي 90% من الاسطول التجاري العالمي أن ترسو سفنها في موانئ خارجة عن لائحة المرافئ المقبولة الواردة في لوائح أندية الحماية الـ P&I ("Approved Ports")أو أن يكون مرفأ بيروت غير مستوف لشروط التغطية التأمينية لهذه المخاطر.
هذه الحقائق أعلاه مع عمل مرفأ بيروت بشكل دائم ومستمر واستقباله خطوط الشحن العالمية يُرجح وجود وثيقة تأمين أخرى تغطي مسؤولية المرفأ ومشغليه، وإلا كانت الملاحة إلى لبنان ستعتمد آليات مقبولة من أندية الحماية كآلية البديل الآمن وكانت خطوط الشحن الدولية سترسو في قبرص ومنها يتم استعمال خطوط ملاحة محلية أو داخلية، ولكن لم تكن هذه الحقيقة: الحقيقة أن سفن خطوط الشحن البحري العالمي كانت ترسو في مرفأ بيروت وتبحر منه بشكل دوري لا استثنائي، ما يمكن تفسيره بأن المرفأ كان مدرجا على لائحة المرافئ المقبولة من أندية الحماية الدولية ما يعضد أرجحية أن وثيقة التأمين التي طالعتنا بها وسائل الاعلام وبعض الجهات الرسمية التي سعت سعيها في الاضرار بالتغطية التأمينية، ليست كل التغطية التأمينية.
ففي عالم التأمين البحري توجد طبقات من وثائق التأمين وهناك وثائق تغطي خطرا محددا إضافيا ووثائق مرجعية، خاصة في حالة كحالة مرفأ كبير واستراتيجي كمرفأ بيروت، فلا يمكن وهذه الحال أن تكون هذه هي الوثيقة التي أعلن عنها ولم نتمكن من مطالعة بنودها وحجبت أوراقها عن الرأي العام رغم حق الوصول إلى المعلومات ورغم ارتباطها بحقوق ومطالبات الناس وشركات التأمين التي نالت حق الحلول Subrogation.
يضاف إلى حجب الوثيقة، لم يطلع الرأي العام على المناقصة التي أجريت لتلزيم أعمال التلحيم، وهذه الوثيقة مهمة جدا لتحديد التزام إدارة المرفأ بالشروط العلمية لإجراء الأعمال، في المقابل توسع الاعلام بتصوير العنبر رقم 12 واستفاض في عدم استيفائه الشروط، فيما أن هذه المسألة في عالم القانون البحري نافلة وغير ذات قيمة طالما أن شركة التأمين قد كشفت على العنبر وعلى المرفأ وقبلت على امتداد سبعة سنوات تجديد وثيقة التأمين أي أنها كانت تعلم بالمخاطر وقبلت بالقسط التأميني على أساس هذه المخاطر، لكن جرى تضخيم "معلم التلحيم" وشروط التخزين في العنبر 12 لدرجة السخافة من قبل بعض الإعلاميين دون طرح التساؤل الحقيقي: هل أجرت إدارة المرفأ مناقصة لأعمال التلحيم، هل اشترطت وجود آليات محددة، إذا كانت المستندات قد جزمت بوجود هذه المناقصة سواء التزم المتعهد بها أم لم يلتزم فإن عدم التزام المتعهد يعتبر من ضمن المخاطر المؤمنة ويلزم شركات التأمين بسداد التعويضات للمتضررين.
لكن كل هذه الحقائق تم اهمالها على امتداد ست سنوات بالرغم من أنني شخصيا تواصلت مع "الصحافة الاستقصائية" وطلبت منهم الإضاءة عليها لكنهم تجاهلوها ووجهوا الرأي العام إلى مكان آخر.
اليوم ما العمل؟
هل سقطت حقوق الناس بالتقادم؟ هل أصبحت هذه الديون مطالبات بمواجهة الدولة وأبرئت ذمة شركات التأمين بالتسويات المجحفة؟
الجواب قطعا لا.
فالتسويات التي أبرمت شابتها عيوب الرضى وبالتالي من السهل إبطالها أمام القضاء وأمام لجان التحكيم المختصة إذا كان هناك بند تحكيمي، والتقادم لا يسري لأسباب متعددة منها أن المطالبات التأمينية قد قُدِّمَت، ومعلومة وجود تغطية قد أخفيت وقد علقت شركات التأمين جبر الضرر على صدور القرار الظني للمحقق العدلي، عليه ما زال بإمكان المواطن العادي أن يطالب بجبر ضرره وأن يتحرى عن وجود وثيقة تأمين حقيقية وأن يلزم الجهات المختصة بتعويضه عن الاضرار التي لحقت به لا أن يقبل صكوك غفران من قوى الأمر الواقع تعده الجنة وتسلبه الدنيا.