المقدمة
يولد الإنسان خفيفًا، لا يحمل على كتفيه إلا نفسه، ولا يحتاج إلى كثيرٍ ليبتسم، ولا إلى كثيرٍ ليشعر بالأمان. يفرح بأشياء صغيرة، ويغضب ثم ينسى، ويحب من دون حساب، ويعيش من دون أن يسأل نفسه كيف يبدو في أعين الآخرين.
ثم تبدأ الإضافات... لا تأتي دفعةً واحدة، بل تدخل حياته بهدوء. يضيف إليها اسمًا، ثم لقبًا، ثم مكانة، ثم صورةً يريد المحافظة عليها، ثم أشياء يخشى فقدانها، ثم توقعات الآخرين، ثم توقعاته عن نفسه. وكلما ظن أنه يزداد اكتمالًا، كان يبتعد قليلًا عن ذلك الإنسان البسيط الذي كانه يومًا.
ولم تعد الحياة تثقلنا فقط بما نحمله في أيدينا، بل بما نحمله في داخلنا؛ نحمل المقارنات، ونحمل الخوف من الفشل، ونحمل الهروب من الاعتراف، ونحمل رغبةً لا تنتهي في أن نكون أكثر مما نحن عليه، حتى يصبح الإنسان، بعد سنوات، محاطًا بطبقاتٍ من الإضافات، لا يعود يرى نفسه إلا من خلالها.
وهنا، لا يصبح السؤال: كم نملك؟ ولا: كم أنجزنا؟ بل سؤالًا أكثر هدوءًا، وأكثر صعوبة: كم حاجزًا بنيناه بيننا وبين إنسانيتنا؟
وربما لهذا، لم تكن البساطة يومًا نقيض الحضارة، ولا عدوة الطموح، ولا دعوةً إلى التقليل من قيمة الحياة؛ بل كانت محاولةً لإزالة كل ما أضفناه حتى غابت عنا الحقيقة الأولى؛ أن الإنسان لا يحتاج إلى المزيد ليصبح إنسانًا، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يتخلّى عن الكثير من التراكم، حتى يعود إلى انسانيته.
البساطة ليست نقصًا
حين يسمع الإنسان كلمة "البساطة"، يتبادر إلى ذهنه غالبًا معنى التقليل أو "التفقير"؛ بيت أصغر، وثياب أقل، وأشياء أقل، وحياة أقل تعقيدًا؛ لكن البساطة، في حقيقتها، ليست نقصًا في الخارج، بل وضوحًا في الداخل.
الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية لأنه يملك أقل، بل لأنه لم يعد يسمح لما يملك أن يحدد من يكون؛ فقد يعيش إنسان في بيت متواضع، لكنه غني بالسكينة، وقد يعيش آخر بين كل أسباب الرفاهية، لكنه لا يعرف لحظة سلام واحدة؛ وقد يملك أحدهم ثروةً كبيرة من دون أن تستعبده، بينما قد يصبح آخر أسيرًا لشيء صغير يخشى فقدانه.
ولهذا، فليست المشكلة في كثرة الأشياء، بل في كثرة ما يتعلّق به القلب؛ فكل إضافة لا تجعل الإنسان أكثر حرية، تتحول، مع الوقت، إلى قيد جديد؛ وكل أمر يحتاج إلى حماية دائمة، أو إثبات دائم، أو خوف دائم من خسارته، يسرق شيئًا من حرية الإنسان، حتى لو ظن أنه يزيد من قيمته.
وربما كانت أعظم المفارقات أن الإنسان، كلما تقدمت حضارته، ازداد تعقيدًا؛ لا لأن الحياة فرضت عليه ذلك، بل لأنه أخذ يضيف إلى نفسه ما لم يكن جزءًا منها. أضاف إلى اسمه ألقابًا، وإلى عمله مكانة، وإلى نجاحه صورة، وإلى علاقاته حسابات، وإلى أحلامه مقارنات، حتى أصبح يعيش وسط شبكة من الإضافات، يخشى أن يفقد واحدةً منها، وكأنها جزء من وجوده.
ولم يعد التعقيد في عدد الأشياء التي يملكها، بل في عدد الأشياء التي باتت تملكه. فقد يصبح الإنسان أسير رأي الآخرين، أو أسير نجاحه، أو أسير صورته التي رسمها لنفسه، حتى يغدو الحفاظ عليها عملًا لا ينتهي. وما يبدأ وسيلةً لخدمة الإنسان، قد ينتهي سيدًا عليه.
ولهذا، لا تُقاس البساطة بعدد الأشياء التي نتخلى عنها، بل بعدد الحواجز التي نزيلها بيننا وبين ذواتنا. ليست البساطة أن يقلّ ما في البيت، بل أن يقلّ ما يثقل القلب. وليست أن يتخلى الإنسان عن العالم، بل أن يتوقف العالم عن احتلال داخله.
إنها ليست فقرًا، ولا زهدًا، ولا انسحابًا من الحياة؛ إنها أن تعود الأشياء إلى أحجامها الحقيقية؛ أن يبقى المال وسيلةً لا هوية، وأن يبقى المنصب مسؤوليةً لا قيمة، وأن يبقى النجاح ثمرةً لا تعريفًا للذات.
فالإنسان البسيط ليس هو الذي لا يملك شيئًا، بل الذي لا يحتاج إلى كل شيء ليشعر أنه كامل.
ولعل الحكمة ليست أن يضيف الإنسان إلى حياته المزيد، بل أن يعرف، في كل مرحلة، ما الذي لم يعد يحتاج إليه؛ فيتخلى عن خوفٍ لم يعد يخدمه، وعن مقارنةٍ لا تزيده إلا تعبًا، وعن قناعٍ لم يعد يخفي إلا وجهه الحقيقي، وعن ضجيجٍ يمنعه من أن يسمع صوته الداخلي، وعن سباقٍ نسي فيه لماذا بدأ الركض أصلًا.
إذا كانت القناعة تحرر الإنسان من عبودية ما يملك، فإن البساطة تحرره من عبودية ما أضافه إلى نفسه؛ فالقناعة تقول للإنسان، لا تجرِ خلف المزيد؛ أما البساطة فتهمس له، أزل ما يحجبك عن نفسك.
فالبساطة ليست خسارة، إنها استعادة، استعادة الإنسان لنفسه، بعد أن بعثرها بين الأشياء، والأدوار، والقلق، ورغبته الدائمة في أن يكون أكثر مما هو عليه.
وربما لهذا، لا يصبح الإنسان أكثر إنسانية عندما يضيف إلى حياته شيئًا جديدًا، بل عندما يزيل منها كل ما يحول بينه وبين إنسانيته، ويمهّد الطريق إلى نفسه، حتى لا يبقى بينه وبين إنسانيته ما يحجبه عنها.
كلما أضفنا... ابتعدنا
وتبدأ المسافة بأشياء صغيرة، قد تبدو بريئة في ظاهرها؛ ثم شيئًا فشيئًا، لا يعود يشتري الساعة ليعرف الوقت، بل ليُعرِّف الناس بنفسه، ولا يختار البيت لأنه يسكنه، بل لأنه يرفعه في أعين الآخرين، ولا يسعى إلى المنصب ليخدم، بل ليشعر أنه أصبح أكثر قيمة، ولا يجمع المال لأنه يحتاج إليه، بل لأنه يخاف اليوم الذي يصبح فيه أقل من غيره.
وقد يصبح أكثر خفاءً، قد يتباهى بثقافته، أو بتواضعه، أو بتدينه، أو حتى ببساطته؛ فالإنسان قادر على أن يحوّل الفضائل نفسها إلى وسائل لإثبات ذاته. وهنا تكمن المأساة: ليست المشكلة في أن نملك، ولا في أن ننجح، ولا في أن نحلم؛ بل في أن تتحول هذه كلها إلى طبقات تغطي الإنسان، حتى لا يعود يرى نفسه إلا من خلالها.
فنقضي العمر نلمّع ما أضفناه...وننسى ما نحن عليه.
الغريب أن الإنسان كلما اخترع ما يسهّل حياته، وجد طريقةً يجعل بها حياته أكثر تعقيدًا. صنع وسائل توفّر الوقت، فأصبح لا يجد وقتًا؛ وصنع أدوات للتواصل، فأصبح ينسى كيف يصغي؛ وجمع أشياءً أكثر، لكنه لم يشعر يومًا أنه يحتاج إلى أشياء أقل.؛ وربما لم تكن المشكلة، يومًا، في ما أضافه إلى حياته، بل في ما أضافه بينه وبين نفسه.
ليست البساطة أن نرمي الأشياء من حولنا، بل أن نسأل، بشجاعة: لو نُزعت عني أموالي، ومنصبي، وصورتي، وألقابي، وإعجاب الناس، وإنجازاتي...من يبقى؟
إذا بقي الإنسان...فقد ربح كل شيء؛ أما إذا لم يبقَ إلا الإضافات...فقد خسر نفسه، حتى لو ظن أنه ربح العالم كله.
بحثٌ لم يتوقف
لم تكن البساطة، يومًا، دعوة إلى حياة "فقيرة"، بل إلى حياة أقل ازدحامًا بما لا يصنع الإنسان. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تعود الإنسانية إلى هذا السؤال، مرة بعد أخرى، كلما شعرت أن التقدم يسبق الحكمة، وأن كثرة الوسائل لا تعني بالضرورة جودة الحياة.
رأى كونفوشيوس (Confucius) أن الفضيلة لا تنمو في الإنسان الذي يطارد المظاهر، بل في الإنسان الذي ينجح في تهذيب نفسه. فالإنسان، في نظره، لا يصبح عظيمًا بما يضيفه إلى مكانته، بل بما يضيفه إلى أخلاقه. وكلما اقترب من الاعتدال، اقترب من ذاته.
وجاء ديوجين (Diogenes) ليصدم عصره بسؤال لم يفقد قيمته حتى اليوم: كم يحتاج الإنسان حقًا ليعيش؟ لم يكن يحتقر الحضارة، لكنه كان يخشى أن يتحول الإنسان إلى خادم لما صنعه بنفسه، وأن تصبح الوسائل غايات، والأشياء سادةً على أصحابها.
اما ميشال دو مونتين (Michel de Montaigne)، فرأى أن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من عمره وهو يحاول أن يبدو مختلفًا عما هو عليه. وقد كان يؤمن أن الحكمة تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن مطاردة الصورة التي يريد الآخرون أن يروها، ويبدأ بالتصالح مع حقيقته.
وبعد قرون، أعاد إريك فروم (Erich Fromm) صياغة السؤال بلغة الإنسان المعاصر. لم يعد الصراع، في رأيه، بين الغنى والفقر، بل بين نمطين من الحياة: أن يعيش الإنسان ليكون، أو أن يعيش ليملك.
وكان يرى أن أخطر ما في العصر الحديث ليس كثرة الممتلكات، بل كثرة الهويات التي يصنعها الإنسان لنفسه. فهو لا يكتفي بأن يمتلك الأشياء، بل يسمح للأشياء أن تعرّفه؛ فيصبح حسابه البنكي، أو لقبه، أو نجاحه، أو شهرته، هو الجواب عن سؤال: "من أنا؟" وهنا، يفقد الإنسان أعظم ما يملكه، لا لأنه خسر شيئًا من العالم، بل لأنه صار يحتاج إلى العالم كله ليقنع نفسه بقيمته.
ولعل جميع هؤلاء، على اختلاف عصورهم وثقافاتهم، كانوا يقتربون من الحقيقة نفسها: أن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية كلما ازدادت إضافاته، بل كلما تجرأ على إزالة ما لم يكن جزءًا من إنسانيته منذ البداية. ومع ذلك، بقي السؤال الأعمق مفتوحًا: إذا كانت البساطة طريق الإنسان إلى نفسه، فمن يعيد القلب إلى بساطته؟
حرية القلب
لم تتوقف رحلة الإنسان عند الفلاسفة، فقد استمرت الأسئلة نفسها، لكن بلغة أخرى؛ لغةٍ لم تكن تبحث عن حياة أبسط فحسب، بل عن قلبٍ أكثر حرية. كتب بولس الرسول، بعد رحلة طويلة من القوة والاضطهاد والانتصار والانكسار: "قد تعلمت أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه" (فيلبي 4: 11)؛ لم يكن الاكتفاء، بالنسبة إليه، نقصًا في الطموح، بل اكتمالًا في الحرية؛ فالإنسان الذي يتوقف سلامه على ما يملك، يفقد سلامه كلما فقد شيئًا، أما الذي يجد قيمته في داخله، فلا يستطيع العالم أن يسلبه إياها.
والمفارقة أن سؤال الإنسان، بعد قرون من البحث، لم يعد: ماذا نضيف إلى حياتنا؟ بل أصبح: ماذا علينا أن نزيل حتى تعود الحياة إلى حقيقتها؟
كأن الإنسان لا يتعب لأنه يملك قليلًا، بل لأنه يبحث عن الامتلاء في أماكن لا تستطيع أن تمنحه السلام.
حين تكلم يسوع
وبعد أن بحث الإنسان طويلًا عن البساطة في الأشياء، أعاده يسوع إلى المكان الذي يبدأ منه كل تعقيد وكل تحرر، القلب.
لذلك قال: "حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا" (متى 6: 21).
لم يقل: حيث يكون قلبك، هناك يكون كنزك؛ بل جعل القلب يتبع الكنز، لأن الإنسان يذهب، شيئًا فشيئًا، إلى ما يمنحه القيمة الكبرى في حياته، فما يعتبره كنزه لا يبقى خارجَه، بل يسكنه ويعيد تشكيله.
ثم دعا الإنسان أن ينظر إلى زنابق الحقل وطيور السماء، لا ليهرب من العالم، بل ليتحرر من القلق الذي يحمله العالم إليه، وأخيرًا، قال الكلمات التي تختصر هذا المقال كله: "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 18: 3)، لم يكن يدعو إلى طفولة العقل، بل إلى نقاء القلب؛ إلى الإنسان قبل أن تثقله الإضافات، وقبل أن تحجبه الأقنعة، وقبل أن يتوهم أن قيمته تُقاس بما يملك، أو بما يحقق، أو بما يظنه الآخرون عنه؛ فربما لم تكن البساطة، في النهاية، أن نعيش بأشياء أقل...بل أن نعود، من جديد، إلى الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله، قبل أن تغطيه إضافات العالم وتغبّش هذه الصورة.
الخاتمة
ربما لم تكن مشكلة الإنسان يومًا أنه يملك الكثير، بل أنه راكم فوق نفسه أكثر مما يحتمل: أشياءً حتى نسي البسيط، وألقابًا حتى نسي اسمه الأول، وأدوارًا حتى نسي وجهه الحقيقي، وأقنعةً حتى لم يعد يعرف أيّها وجهه.
وظل يضيف، حتى أصبحت الطريق إلى نفسه أطول من الطريق إلى العالم.
ولعل الحياة، في النهاية، ليست رحلة نجمع فيها المزيد، بل رحلة نكتشف فيها ما يمكن أن نستغني عنه، نستغني عن خوفٍ لا يحمينا، وعن مقارنةٍ لا تُغنينا، وعن صورةٍ لا تشبهنا، وعن نجاحٍ يسرق سلامنا، وعن كل إضافةٍ جعلتنا أكبر في أعين الناس...وأصغر في أعين أنفسنا.
فالبساطة ليست أن يعيش الإنسان بأقل، بل أن يعيش بأصدق، أن يعود إلى الإنسان الذي كانه قبل أن تُثقله المقارنات، وقبل أن تُرهقه المظاهر، وقبل أن يقنعه العالم أن قيمته تُقاس بما يملك.
ولهذا، ليست أعظم خسارة أن يفقد الإنسان مالًا، أو منصبًا، أو شهرة، بل أن يفقد نفسه وهو يحاول أن يحتفظ بها كلها، فكل ما يضيفه الإنسان إلى حياته يمكن أن يرحل.
لا يحتاج الإنسان إلى حياةٍ أكثر...بل إلى إضافاتٍ أقل، وعندها فقط... لا يعود يبحث عن إنسانيته، لأنه يكون قد عاد إليها.