٦ آب ٢٠٢٦ — غداة اختتام الجولة السابعة من مفاوضات روما
في الساعة الثانية عشرة من ظهر الأربعاء، بينما كان الوفد اللبناني في روما يُعِدّ مداخلته عن القصف الذي يطاول بلداتٍ تقع خارج الخط الأصفر، انفجر مبنىً مفخّخ في مجدل زون بقوّةٍ إسرائيلية. قُتل ضابطان من الاحتياط وأُصيب أربعة بجروحٍ خطيرة نُقلوا بالمروحيات إلى الداخل الإسرائيلي. وفي المساء كان الردّ: غارةٌ على سطح مصلّى جبانةٍ في تبنين وحصيلتها شهيدٌ واثنا عشر جريحاً، وإنذارٌ بإخلاء المنصوري، وغاراتٌ ليلية على برج الشمالي في قضاء صور خلّفت ثمانية جرحى. وفي روما انفضّت الجلسة قبل موعدها، ولم يكن أحدٌ يعرف إن كانت ستُستأنف.
وهي استُؤنفت، متأخّرةً ساعةً كاملة لأسبابٍ أميركية، وهذه وحدها تصلح عنواناً لمرحلةٍ بأكملها. ثم اختُتمت الجولة السابعة مساء الخميس بحصيلةٍ لا هي انهيار ولا هي اختراق، بل هي بالضبط ما يشبه هذا البلد: تقدّمٌ إجرائي لا يُنكَر، وجدارٌ سياسي لم يُخترق. والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس ماذا حصل في روما، بل من كان يعرف ماذا تعني ظهيرةُ الأربعاء.
لنتفق أوّلاً على الوقائع كما هي لا كما نشتهيها. حزب الله لم يتبنَّ عملية مجدل زون. والتحقيق الإسرائيلي الأوّلي تحدّث عن آليةٍ هندسية اصطدمت بعبوة، ثم تبيّن أنّ القوة دخلت مبنىً مفخّخاً. أي أنّ الاحتمالات مفتوحة بين كمينٍ محضّرٍ سلفاً وبين مخلّفاتٍ من الحرب انفجرت في وجه قوةٍ كانت تنفّذ ما تسمّيه تطهير القرية. لكنّ السياسة لا تنتظر التحقيق: الجيش الإسرائيلي أعلن خرقاً فاضحاً، وطالبت قيادته المستوى السياسي بهجومٍ واسع فأمسك المستوى السياسي بالزناد، ونقلت القناة الرابعة عشرة عن مسؤولٍ إسرائيلي أنّ الردّ لم ينتهِ بعد.
الجملة الأخيرة هي بيت القصيد، فالردُّ الذي لم ينتهِ بعد هو تحديداً ما يبقي سيفاً مسلولاً فوق الطاولة. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يتهرّب منه الجميع: من المستفيد؟ أيّ عاقلٍ يريد لاتفاق الإطار أن ينجح يختار ظهيرة الأربعاء ليضع عبوةً على طريق كتيبة مظليّين؟ وأيّ عاقلٍ يريد للمفاوضات أن تُثمر يختار سطح مصلّى في جبانة تبنين ليردّ عليها؟ الجواب واضح: خصمان يحتاج أحدهما إلى الآخر.
الحقيقة التي يتحاشاها خطابنا السياسي بشقّيه أنّ اتفاق السادس والعشرين من حزيران يهدّد الطرفين معاً. اتفاقٌ يُنجَز يعني أنّ إسرائيل تفقد ذريعة البقاء في أكثر من ستين قرية، وتفقد معها فائض القوة الذي تحوّل إلى سياسةٍ يومية من هدمٍ وتفجيرٍ وإنذارات إخلاء وطلبِ حقّ التحقّق بنفسها من نفسها. واتفاقٌ يُنجَز يعني في المقابل أنّ حزب الله يفقد وظيفته التأسيسية، فسلاحٌ بلا احتلالٍ يواجهه يصبح سلاحاً في مواجهة الداخل، وهذا ما لا يحتمله أيّ خطابٍ مقاوم. ولذلك فما نشهده ليس صراعاً بين طرفين يريد كلٌّ منهما كسر الآخر، بل شراكةً موضوعية بين خصمَين يريد كلٌّ منهما إبقاء الآخر على قيد الحياة بالحدّ الأدنى الضروري لتبرير وجوده. وهذا ليس اتّهاماً بالتواطؤ، فالتواطؤ يحتاج إلى اجتماعٍ واتفاق، أمّا ما نراه فأخطر: تقاطعُ مصالح لا يحتاج إلى اجتماع ولا إلى اتفاق. ويكفي أن ينفجر شيءٌ عند الظهيرة ليعمل الطرفان معاً من دون أن يتبادلا كلمة. ولاحظوا الأناقة في التنفيذ: عمليةٌ بلا تبنٍّ، وردٌّ بلا حرب. الأولى تحفظ لصاحبها الإنكار، والثاني يحفظ لصاحبه الذريعة. لا أحد يريد أن يُتَّهم بإسقاط الطاولة، والجميع يريد أن تسقط وحدها.
غير أنّ الصورة تبقى ناقصة إن توقّفنا عند هذا التقاطع وحده. فالجديد الذي أنتجته هذه الجولة هو أنّ تقاطعاً مضادّاً بدأ يتشكّل في الاتجاه الآخر: تقاطعاً بين لبنان والولايات المتحدة على إنجاح اتفاق الإطار. وحصيلة الجولة، كما رشحت عن بعبدا، تقول ذلك بوضوح. فلبنان تلقّى وعداً أميركياً بالحصول على أجوبةٍ في شأن وقف إطلاق النار بعدما طالب به طوال الجولة، وهو المطلب الذي بقي بلا جواب في اليومين الأولين.
وأُنجز مسحٌ جغرافي للمنطقة المحتلة على الخرائط تمهيداً لإعداد جدولٍ للمناطق النموذجية، وإن أُرجئ استكمال البحث بانتظار قرار المستوى السياسي. وجرى بحث اتفاقٍ أمني جديد ينظّم الوضع على الحدود ومرجعيته القانونية، سواء عبر الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة. وتم تبادل لوائح أوّلية للأسرى مع تمسّك لبنان بإطلاق الدفعة الأولى في أسرع وقت. واستُكمل البحث في ملفّ الطرف الثالث المكلّف بالتحقّق، وتم التوصّل إلى لائحةٍ مختصرة تمهيداً لاختيار أحدها. ثم طُرح الأوّل من أيلول موعداً لجولةٍ جديدة، على أن يتابع الجانب الأميركي البحث مع الطرفين بشكلٍ منفصل في جميع المسارات.
هذه ليست لائحة إنجازات، بل لائحة أدوات. ومن يقرأها بعين المحلل لا بعين المتفرّج يرى أنّ ما جرى في روما هو تحويل نزاعٍ مفتوح إلى ملفٍّ ذي مرجعيةٍ قانونية وجدولٍ زمني وطرفٍ ثالثٍ محدَّد. وهذه بالذات هي الوظيفة الوحيدة التي تنقذ الدول الصغيرة: أن تنقل المواجهة من ميدانٍ تخسر فيه حتماً إلى وثيقةٍ قد تربح فيها. ولذلك فإنّ الأميركي الذي يضغط لتثبيت اتفاقٍ أمني بمرجعيةٍ واضحة يلتقي موضوعياً مع مصلحة الدولة اللبنانية، سواء أراد ذلك أم لم يُرِد، تماماً كما يلتقي الجيش الإسرائيلي الذي يطلب هجوماً واسعاً مع من يزرع العبوات، سواء أراد أم لم يُرِد.
وهنا يتبدّل شكل الخريطة كلّها. فالخطوط لم تعد تمرّ بين الدول بل داخلها. واشنطن تدفع نحو تثبيتٍ لا تريده تل أبيب في هذه المرحلة، وبيروت تدفع نحو اتفاقٍ يرفضه فريقٌ أساسي في بيروت نفسها. ومن يظنّ أنّ الانقسام في هذا الملفّ عموديّ بين لبنان وإسرائيل، لم يقرأ محاضر الجولة السابعة. الانقسام أفقيّ: بين من يريد لهذه الحرب أن تنتهي بوثيقة، وبين من يريد لها أن تبقى مفتوحةً بلا نهاية لأنّ نهايتها تعني نهايته هو.
ويبقى الجدار حيث كان. فلم يُتوصَّل إلى نتائج نهائية في المناطق النموذجية، إذ يتمسّك لبنان بالانتقال إلى مناطق جديدة فيما تصرّ إسرائيل على استكمال التحقّق في المنطقتين الأوليين أولاً. وهذه ليست خلافاً تقنياً بل هي المعادلة كلّها في جملة: من يشترط التحقّق قبل التقدّم، يملك مفتاح التوقيت إلى الأبد، إذ يكفيه أن يعلن أنّ التحقّق لم يكتمل ليجمّد كلّ شيء. وقد أُرجئ استكمال المسح الجغرافي بانتظار قرارٍ من المستوى السياسي، وهو المستوى نفسه الذي أمسك بالزناد ولم يُسلّمه. أي أنّ الملفّ كلّه معلّق على مزاج جهةٍ واحدة.
أمّا التقدّم الأثمن فهو في ملفّ الأسرى. تبادُل لوائح أوّلية ليس تفصيلاً، بل هو اعتراف متبادَل بوجود الملفّ أصلاً، وهو الشرط الأوّل لأيّ حلّ. ولبنان محقّ في تمسّكه بدفعةٍ أولى سريعة، لأنّ الإفراج الأوّل هو الذي يمنح الجولة الثامنة رصيداً شعبياً، ولأنّ ملفّاً إنسانياً يتقدّم هو أفضل ردٍّ على من يقول إنّ التفاوض لا يأتي إلا بالتنازلات. وليس صدفةً أنّ أشدّ المتحمّسين للتصعيد هم أنفسهم الأقلّ حماسةً لهذا الملفّ بالذات.
يبقى أنّ الفراغ بين اليوم والأوّل من أيلول هو المنطقة الأخطر. أربعة أسابيع بلا طاولة، يتولّى فيها الأميركي البحث مع كلّ طرفٍ على حدة، وهي بالضبط الظروف التي يزدهر فيها من لا يريد لهذا المسار أن يصل. فالطاولة، على بطئها، شاهدٌ يمنع الإنكار؛ وغيابها يعيد الجميع إلى لغة الميدان. ولذلك فإنّ المطلوب من الدولة في هذا الشهر ليس انتظار الموعد، بل تحصينه: بقرارٍ داخلي واحد يجعل التفاوض قراراً وطنياً لا مغامرةً يحصرها فريق خارج عن ارادة الدولة بنفسه، وبمتابعةٍ يومية لملفّ الأسرى والطرف الثالث حتى لا يبردا.
لقد أثبتت الجولة السابعة أنّ في هذا الملفّ تقاطعَين لا تقاطعاً واحداً: تقاطعٌ بين حزب الله وإسرائيل على تعطيل التفاوض ونسف الاتفاق، وتقاطعٌ بين لبنان وأميركا على إنجاحه. والسؤال الوحيد الذي يعني اللبنانيين هو أيّ التقاطعَين أسرع إلى هدفه. الأوّل يحتاج إلى عبوةٍ واحدة عند الظهيرة. والثاني يحتاج إلى دولةٍ تعرف ماذا تريد. وهذا، لا الجولة الثامنة، هو الامتحان الحقيقي.
يبقى أنّ الاتفاق الذي يعمل الجميع على إفشاله هو الشيء الوحيد الذي يمنح لبنان فرصة أن يكون دولة. ومن يريد أن يعرف من هو صديق هذا البلد ومن هو خصمه، فليكتفِ بسؤالٍ واحد: من الذي ارتاح حين انفجرت العبوة ظهر الأربعاء؟ الجواب، للأسف، ليس اسماً واحداً.