تُصنَّف منطقة الشرق الأوسط في عداد أقل بقاع العالم استقرارًا وأكثرها حشدًا لأنظمة سلطوية. وفي الوقت نفسه، كان الشرق الأوسط مهدَ أديان ينتسب إليها ما يتجاوز نصف سكان الكرة الأرضية. اختلف البحاثة في تفسير هذه الظاهرة. نادى اليساريون من ملحدين وعلمانيين بعلاقة سببية بين المعطيين، واقتنعوا بأن الدين سبب تخلّف الشرق، وأن العلمنة وربما الإلحاد يقودان إلى نشر السلام وازدهار المنطقة. لم ينكر آخرون هذه الثنائية، بل اعتبروها تلازمية وليست سببية، واكتفوا بالإصلاح المتدرج والديمقراطية وسيلتَي خلاص.
كانت الفترة الذهبية للمدرسة الثورية وامتداداتها السياسية وآثارها التي لم تستثنِ اللاهوت والفقه، من ستينيات القرن الماضي حتى أواسط ثمانينياته. وكان بعض هامات رجال الدين المسيحيين، موارنة وأرثوذكس وكاثوليك وإنجيليين، في عدادهم، كما مالت شخصيات دينية من السنّة والشيعة إلى هذا المنحى، لكنهم كانوا دون المسيحيين رتبة أو حماسة.
ثلاثة أحداث لعبت دور رافعة لهذا "التسونامي" الذي دمغ جيلا بأكمله، وانتشر عبر الشرق الأوسط، وخاصة في لبنان، الذي، بفضل نظامه الديمقراطي والمصرفي وحريات الصحافة والنشر وحكم القانون آنذاك، أمّن له رواجًا وحماية.
الحدث الأول: المجمع الفاتيكاني الثاني (1962- 1965)
من أهم ملامح تحديث الكنيسة الكاثوليكية كانت مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني، التي استغرقت ثلاث سنوات من البحث وتعاقب عليها بابوان. وفي ما يتعلق بموضوعنا، خصّص المجمع سبعة أسطر سرد فيها علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالإسلام. ليس في النص سوى سرد يكاد يقتصر على بلاغة قرآنية أثنى بها المجمع على إيجابية انتقاها من تاريخ الإسلام.
أهمية تلك الإشادة المختصرة أنها فتحت صفحة لم تكن قائمة قبلًا في موقف المسيحية من الإسلام، جذبت عددًا كبيرًا من رجال الدين من مختلف الطوائف المسيحية في الشرق، إذ أملوا بها رفعًا للذمّية والدونية اللتين عانوا منهما طوال 13 قرنًا.
الحدث الثاني: حركة مايو 68 الطالبية
وراء هذا الحدث، الذي ما تزال ارتجاجاته تجتاح جامعات العالم، مفكر ماركسي إيطالي لم يكن ذا شأن كبير، مات سجينًا عام 1937 عن 46 عامًا. كانت قناعة أنطونيو غرامشي أن الفكر الماركسي التقليدي أسرف في تقييم دور "البناء السفلي" - الاقتصاد - وقلّل من أهمية "البناء الفوقي" - العناصر غير الاقتصادية كالفكر والدين إلخ. وافترض أن البناء الفوقي سيتبدل تلقائيًا ونهائيًا بعد الثورة التي ستؤمم البناء السفلي، أي الملكيات الصناعية والزراعية. كما حذّر المفكر الإيطالي من أن إهمال السيطرة على البناء الفوقي سوف يدمّر الثورة. كان غرامشي أول من نبّه إلى ضرورة السيطرة على التعليم والجامعات والفكر وما ماثلها من نشاطات غير اقتصادية لحماية الثورة.
الانفجار الكبير لتلك الحركة كان في أيار 1968 بتحرك طالبي كبير في حرم جامعة السوربون، سرعان ما انتشر في فرنسا وألمانيا وعبر الأطلسي.
مع أن الحركة لم تدم طويلا، بل تراجعت، وحتى الانتخابات النيابية بعدها بقليل انتهت برفع التمثيل النيابي للجنرال شارل ديغول، إلا أن الأمور كانت أكثر تعقيدًا. اختارت الحركة العمل الجدي طويل الأمد والتخطيط للتمدد في الجامعات الغربية، الأميركية خاصة، التي تُعدّ قادة المستقبل ورواد الفكر والصحافة. أثمر هذا الجهد ما يسود اليوم في جامعات أميركا والغرب وصحافتيهما.
الحدث الثالث: دخول منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان عام 1969
نقلت منظمة التحرير الفلسطينية مقر قيادتها نهائيًا من عمان إلى بيروت بعد "أيلول الأسود" عام 1970. دعم المسلمون عامة وعارضته أقلية من المسيحيين هذا القرار الانتحاري الذي منح الفلسطينيين "فتح لاند" على حدود اسرائيل لتقوم بعمليات عسكرية انهت اتفاقية هدنة 1949. عناصر عدة كانت وراء ذاك القرار الكارثي منها أن "فتح" كانت في سنيّها الأولى ليس في تاريخها بعد ما تؤخذ عليه، إضافة إلى أن دعاية الفلسطينيين التي فاقت بأبعاد دعاية الأردنيين، كتمت انتهاكاتهم طوال سنييهم الثلاث في الأردن. كان من الطبيعي أن تؤيّد الحركات الطالبية اللبنانية، مسيحيوها ومسلموها، الفلسطينيين في سعيهم لاستعادة حقوقهم.
فترة السنوات الثلاث تلك كانت الأخطر في تاريخ لبنان الحديث، إذ اجتمع فيها ما كان من المحتمل جدًّا أن ينهي الوزن السياسي لمسيحيي لبنان، رافعًا عنهم حرية وكرامة اختصّوا بها دون سائر مسيحيي الشرق الأوسط. ما حال دون المماثلة هو عصب مسيحي، ماروني لمن شاء الدقة، قاوم بتسليح بدائي وتدريب لا يُعتدّ به، وأوقف ذاك الاجتياح الجارف.
تلك كانت الفترة الذهبية في تاريخنا المعاصر، إذ بعدها ابتدأت فترة أفول، من مظاهرها الاستعلاء والاعتداد بالنفس وتراكم الأحقاد التاريخية والشخصية بين الموارنة، ما فسّخ وحدتهم، وما تزال كذلك. لكننا لم نفقد الأمل بعد، إذ علمتنا الأيام أن التفسّخات، وإن انتشرت وعمُقت، تُعوَّض بحضور قيادات تتصف بالشجاعة والنزاهة وروح التضحية، تجذب إليها شبانًا وصبايا ممن يتصفون بصفاتها.