تعيش بعض بلديات بعلبك الهرمل حالة هروب من الواقع، ليس عبر تجاهل المشكلات فحسب، بل عبر تحويلها إلى مادة للاجتماعات والمؤتمرات والتصريحات، وكأن المطلوب إقناع الناس بأن هناك من يعمل، لا أن يروا نتيجة هذا العمل في الشارع. وفي قضية الكلاب الشاردة تحديدًا، تبدو الصورة أكثر فجاجة: المشكلة تكبر، أعداد الكلاب تتزايد، الاعتداءات تتكرر، والحلول موجودة منذ سنوات، لكن التنفيذ غائب.
أكثر من ثلاثين حالة تعرّضت لهجوم من كلاب شاردة في بعلبك ونحلة ودورس خلال الأيام الماضية، انتهى بعضها في المستشفيات، فيما تركت اعتداءات أخرى إصابات بالغة وتشوهات في الوجوه. أما ليلا، فلم تعد الكلاب الشاردة مجرد مصدر خوف للمشاة، بل أصبحت خطرًا على السائقين، حيث تنتشر بالعشرات على الطرقات، فتجبر السيارات على المناورة المفاجئة لتفاديها، وقد تكون النتيجة حادثًا لا علاقة له بالسرعة أو سوء القيادة، بل بكلب خرج فجأة إلى وسط الطريق.
والمفارقة أن الأزمة ليست جديدة، فمنذ سنوات والبلديات تعرف حجمها، وتعرف أيضًا أن ترك الكلاب تتكاثر في الشوارع لن يؤدي إلا إلى تحويل المشكلة إلى خطر أكبر. ومع ذلك، بقيت المعالجة تدور في الحلقة نفسها: اجتماع، اقتراح، صورة، تصريح، ثم يعود كل شيء إلى نقطة الصفر.
ولأن الحلول لم تكن مفقودة أصلا، تقدمت جمعيات أهلية بمقترحات عملية إلى البلديات لمعالجة الملف، تقوم على جمع الكلاب من الشوارع، ومعالجتها وتلقيحها، والعمل على الحد من تكاثرها، بما يوازن بين سلامة المواطنين والرفق بالحيوان. وكان يمكن للبلديات أن تلتقط هذه المبادرات وتحوّلها إلى مشروع عملي، لكن ما حصل كان أشبه بإعادة تدوير للفكرة.
وعقد اتحاد البلديات لقاءات مع أطباء بيطريين، ومن بينهم أطباء وممثلون عن وزارة الزراعة، للبحث في آلية معالجة الملف. والمفارقة أن ما طُرح في تلك الاجتماعات لم يكن بعيدًا عن الأفكار التي كانت الجمعيات قد تقدمت بها أصلا. أي إن الحل كان موجودًا، والجهات المستعدة للمساعدة كانت موجودة، والخبرة كانت موجودة، لكن ما لم يكن موجودًا هو القرار بتحويل الكلام إلى عمل.
وبعد أن أخذ اتحاد البلديات الأفكار المطروحة، لم نشهد مشروعًا جديًا ومستدامًا يترجمها على الأرض. انكفأت الجمعيات، وتراجعت المتابعة، وبقيت البلديات أمام المشكلة نفسها، إلى أن خرجت الكلاب من كونها قضية بيئية وحيوانية إلى قضية سلامة عامة.
أما قصة المأوى الذي طُرح قبل سنوات، فتحتاج بدورها إلى التوقف عندها. فقد ظهر يومها مشروع لتخصيص أرض في محلة عمشكي لإيواء الكلاب الشاردة، تولاه محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، في خطوة قُدّمت للرأي العام باعتبارها بداية حل. يومها، كان المشهد مثاليًا إعلاميًا: أرض، مشروع، مسؤولون، حديث عن معالجة المشكلة، وصور تصلح لتقديم إنجاز جديد.
وبعد الانتهاء من التصوير، لم تتحول الأرض إلى مأوى فعلي، والمشروع لم يصبح خطة مستدامة، والكلاب بقيت في الشوارع، بل تضاعفت أعدادها. ولذلك، يصبح من حق الناس أن يسألوا: هل كان المشروع منذ البداية حلا حقيقيًا، أم مجرد سبق إعلامي في لحظة كانت فيها نقمة الأهالي قد بلغت ذروتها؟
اليوم، وبعد سنوات، يعود الملف إلى طاولة الاجتماعات في البلديات من جديد، وكأن شيئًا لم يحصل. والأغرب أن البوصلة تُوجّه نحو وزارة الداخلية، وكأن المطلوب من كل أزمة بلدية البحث عن وزارة لتحميلها المسؤولية، فيما يجلس على الطاولة أطباء بيطريون وممثلون عن وزارة الزراعة، أي أصحاب الاختصاص المباشر في الجانب الفني والصحي من الملف.
في المحصلة، لا تستطيع البلديات واتحاداتها الاستمرار في إدارة هذا الملف بمنطق الاجتماعات وتبادل المسؤوليات، كما لا يجوز لوزارة الزراعة أن تبقى في موقع المراقب، وهي الجهة صاحبة الاختصاص الفني والبيطري. والمطلوب من الوزير أن يضع هذا الملف على طاولة الوزارة كأولوية، وأن يرسل فريقًا مختصًا إلى بعلبك الهرمل لوضع خطة واضحة وقابلة للتنفيذ، بالتنسيق مع البلديات والاتحادات والجمعيات. فالناس لا تريد اجتماعًا جديدًا ولا صورة إضافية، بل تريد حلا يوقف الخطر في الشوارع. والمسؤولية هنا مشتركة: البلديات مطالبة بالتنفيذ، والاتحادات بالتنسيق، ووزارة الزراعة بالمبادرة والرقابة، وأي استمرار للتقصير يعني ببساطة أن المواطن سيبقى وحده في مواجهة المشكلة.