المقدمة
لولا الأمل، كم مرة كان الإنسان سيتوقف؟
ليس لأن الحياة وعدته دائمًا بما يريد، ولا لأن كل محاولة نجحت، وكل مريض شُفي، وكل غائب عاد، وكل ظلم انتهى بالعدالة؛ بل لأن في الإنسان قدرةً غريبة على أن ينظر إلى ما هو موجود، مهما كان قاسيًا، ويترك في داخله مكانًا لما يمكن أن يكون.
نعيش بالأمل أكثر مما ننتبه، نزرع لأننا نؤمن بحصادٍ لم نره، ونتعلّم من أجل مستقبلٍ لم نصل إليه، ونعالج جسدًا لأننا نرى فيه إمكانيةً تتجاوز مرضه، ونحب لأننا نفتح حياتنا على غدٍ مع إنسانٍ آخر؛ وحين نضع موعدًا للأسبوع المقبل، أو نبدأ مشروعًا يحتاج إلى سنوات، أو ننجب طفلًا لا نعرف أي عالمٍ سيكبر فيه، فإننا نفعل شيئًا واحدًا بأشكال مختلفة: نعطي المستقبل فرصة قبل أن نعرف ماذا يحمل.
لهذا، ربما لا يكون الأمل مجرد شعور جميل يزور الإنسان عندما تكون الأمور بخير؛ الأمل هو علاقة الإنسان بالممكن؛ هو المساحة التي يتركها في داخله لشيءٍ لم يحدث بعد، ولطريقٍ لم يظهر، ولنسخةٍ من نفسه لم يصبحها بعد.
أما اليأس، فليس مجرد الحزن ولا الخوف ولا التعب؛ قد يحزن الإنسان ويبقى فيه أمل، وقد يخاف ويأمل، وقد يبكي وفي داخله شيء ينتظر الغد؛ اليأس يبدأ في مكانٍ آخر: حين يغلق الإنسان باب الممكن؛ حين لا يعود يقول: "لا أعرف ماذا سيحدث"، بل يقرر: "لن يحدث شيء"؛ وحينها لا يكون اليأس قد قرأ المستقبل، يكون قد حكم عليه قبل أن يأتي؛ وهنا تكمن خطورته؛ فهو لا يكتفي بما أخذته منا الحياة، بل يحاول أن يأخذ أيضًا ما لم تمنحنا إياه بعد.
الأمل ليس خداعًا للنفس؛ لا نستطيع أن نقول للمريض إنه سيُشفى حتمًا، ولا لمن فقد حبيبًا إنه سيعود، ولا لمن انكسر إن كل شيء سيصبح أفضل؛ فبعض ما نخافه يحدث فعلًا، وبعض الأبواب تُغلق، وبعض الأحلام لا تتحقق، وبعض الخسارات لا يعوّضها شيء؛ فكيف نأمل إذن، من دون أن نكذب على الحقيقة؟
وهل الأمل هو أن نثق بأن ما نتمناه سيحدث، أم أن معناه أعمق: أن نعترف بأننا، مهما عرفنا عن اليوم، لا نعرف بعد كل ما يمكن أن يولد من الغد؟
ثم هناك سؤال أصعب؛ سؤال لا يظهر إلا عندما يحدث ما كنا نأمل ألّا يحدث: ماذا يبقى من الأمل عندما لا ينجح العلاج، أو يسقط الحلم، أو نفقد من كنا نرجو بقاءه؟ ماذا يبقى عندما لا يعود هناك شيءٌ ننتظر حدوثه بالطريقة التي أردناها؟
من هنا تبدأ رحلتنا؛ من الأمل الذي يفتح للإنسان باب الممكن، إلى الرجاء الذي سنكتشف لاحقًا أنه يستطيع أن يبقى حتى عندما يُغلق الباب الذي كنا نأمل أن يُفتح.
لأن الإنسان، مهما أثقله ما حدث، يبقى أمام حقيقة صغيرة لا يستطيع اليأس أن ينتزعها منه: الغد لم يحدث بعد؛ وما لم يحدث بعد، لا يملك أحدٌ حق إعلان نهايته.
يبقى الممكن
إذا كان اليأس يغلق باب الممكن، فالأمل لا يحتاج إلى أن يعرف ما يوجد خلف الباب كي يتركه مفتوحًا؛ وهنا ربما نحتاج إلى تحرير الأمل من الصورة التي اعتدناها عنه؛ فالأمل ليس أن نقول لأنفسنا إن كل شيء سيكون بخير، ولا أن نتوقع نهايةً سعيدة لكل حكاية؛ الأمل لا يعرف المستقبل أكثر مما يعرفه اليأس، الفرق أن اليأس يحكم عليه، بينما الأمل يتركه مفتوحًا.
نحن نأمل لأن الحياة لم تقل كلمتها كلها بعد، المريض لا يعرف إن كان العلاج سينجح، لكنه يعالَج لأن الشفاء ما زال ممكنًا؛ ومن فشل لا يعرف إن كانت المحاولة التالية ستنجح، لكنه يحاول لأن الفشل السابق لا يستطيع أن يثبت أن كل محاولة آتية ستفشل؛ ومن فقد طريقًا كان يظنه طريقه الوحيد، قد يكتشف بعد زمن أن الحياة أوسع من الطريق الذي رسمه لها.
فالأمل ليس يقينًا بما سيحدث؛ إنه رفضٌ لأن نجعل ما حدث يحدّد وحده ما يمكن أن يحدث. ولهذا لا يحتاج الأمل دائمًا إلى أسباب كبيرة، قد يبدأ من مساحة صغيرة جدًا بين "لا أرى طريقًا" و"لا يوجد طريق"؛ بين "لم يحدث" و"لن يحدث"؛ بين "لا أعرف كيف" و"هذا مستحيل"؛ في تلك المسافة الصغيرة يعيش الممكن كله.
وربما أجمل ما في الأمل أنه لا يطلب من الإنسان أن ينكر ضعفه؛ يمكن أن نأمل ونحن خائفون، وأن نأمل ونحن نبكي، وأن نتعب من الانتظار ويبقى فينا شيءٌ ينتظر؛ فالأمل ليس نقيض الألم؛ نقيض الأمل هو أن نغلق المستقبل لأن الحاضر يؤلم.
لكن الأمل ليس انتظارًا سلبيًا، فالذي يأمل بالشفاء يذهب إلى الطبيب، والذي يأمل بالتغيير يبدأ بما يستطيع تغييره، والذي يريد حياةً أخرى لا يكتفي بتخيّلها؛ الأمل الحقيقي يمدّ يده إلى الممكن؛ يفعل اليوم شيئًا من أجل غدٍ لا يملك ضمانه؛ وهنا نفهم لماذا نزرع، فالبذرة بين أيدينا ليست شجرة؛ لا ظلّ فيها، ولا ثمر، ولا أغصان، ولو حكمنا عليها بما هي عليه الآن فقط، لما زرعناها، لكننا نضعها في التراب لأننا لا نرى فيها ما هي فحسب، بل ما نأمل أن تصبح.
يفعل الأمل الشيء نفسه بالإنسان؛ حين ننظر إلى أنفسنا بعد خسارة، أو فشل، أو مرض، أو انكسار، قد لا نجد إلا ما نحن عليه الآن؛ لكن الأمل يرفض أن يعتبر هذه الصورة "الأخيرة"، يقول لنا: أنت لست فقط ما أصبحتَ عليه حتى هذه اللحظة؛
ما زال فيك ما لم تصبحه بعد.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الأمل ضرورةً إنسانية، لا ترفًا عاطفيًا؛ فمن دون الأمل، لا نفقد المستقبل فقط؛ نفقد قدرتنا على أن نصبح؛ ولذلك، عندما لا تستطيع أن تأمل كثيرًا، لا تطلب من نفسك الكثير؛ لا تحتاج إلى أن ترى السنة المقبلة، ولا نهاية الطريق، ولا الحل كله، ابحث فقط عن الممكن التالي؛ خطوة تستطيع أن تخطوها، محاولة تستطيع أن تقوم بها، إنسان تستطيع أن تكلمه، صباح تستطيع أن تصل إليه.
فالأمل لا يبدأ دائمًا من قولنا: "سيكون كل شيء بخير"؛ أحيانًا يبدأ من جملة أكثر صدقًا، وأكثر قوة: "لا أعرف بعد ماذا يمكن أن يكون" وما دام هناك "بعد"، فهناك مكانٌ للأمل.
الأمل يبدأ بخطوة
لكن الممكن، مهما بقي مفتوحًا، لا يكفي وحده؛ فالأمل الذي لا يحرّك فينا شيئًا قد يتحول مع الوقت إلى انتظار، وهناك فرق بين أن نترك باب المستقبل مفتوحًا، وبين أن نقف أمامه طوال العمر منتظرين أن يفتح وحده؛ الأمل الحقيقي لا ينتظر الحياة، بل يذهب إليها؛ ليس لأنه يملك النتيجة، بل لأنه يملك الخطوة. فالإنسان لا يستطيع أن يضمن الشفاء، لكنه يستطيع أن يبدأ العلاج؛ ولا يضمن النجاح، لكنه يستطيع أن يحاول؛ ولا يضمن أن يجد الحب، لكنه يستطيع ألا يجعل خيبةً قديمة تغلق قلبه أمام كل من لم يأتِ بعد.
وربما لهذا يكون الأمل شجاعةً أكثر منه تفاؤلًا؛ لأن التفاؤل يستطيع أن يقول: "أعتقد أن الأمور ستتحسن"، أما الأمل فيقول: "لا أعرف إن كانت ستتحسن، لكنني سأفعل ما أستطيع كي أمنحها فرصة". وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الأمل: نحن نعمل من أجل أشياء لا نملكها بعد، نبني بيتًا لأيامٍ لم نعشها، وندرس لمهنةٍ لم نمارسها، ونزرع شجرةً لظلّ لم يوجد، ونربي طفلًا لم نعرف بعد الإنسان الذي سيصبحه، جزء كبير من الحياة يُبنى من أجل مستقبل لا يستطيع أحد أن يضمنه.
ولو انتظر الإنسان اليقين قبل أن يبدأ، لما بدأ شيئًا.
لكن الأمل لا يعني أيضًا أن نستمر في الطريق نفسه مهما حدث، أحيانًا يكون الأمل أن نحاول مرةً أخرى، وأحيانًا أن نتوقف عن محاولةٍ تستنزفنا؛ أن نغادر علاقةً تؤذينا، أو نتخلى عن حلمٍ لم يعد ممكنًا، لا لأننا فقدنا الأمل، بل لأننا رفضنا أن نحصره في مكان واحد؛ فقد يموت ما كنا نأمله، من دون أن تموت فينا القدرة على الأمل.
وهذه من أصعب لحظات الإنسان وأجملها: أن يودّع مستقبلًا كان يريده، ثم يسمح للحياة، بعد الحزن، بأن تقترح عليه مستقبلًا آخر، فالأمل لا يقول: لا تتوقف أبدًا؛ يقول: لا تجعل انسداد طريقٍ واحد يعني توقفك أنت.
وقد تكون الخطوة التالية صغيرة جدًا، مكالمة، طلب مساعدة، موعدًا جديدًا، محاولةً أخرى، قرارًا تأخرنا في اتخاذه، أو حتى يومًا نمنح فيه أنفسنا حق الراحة كي نستطيع أن نعود.
لا تحتقر هذه الأشياء لأنها صغيرة، فالحياة نفسها لا تعود إلينا دائمًا دفعةً واحدة؛ أحيانًا تعود خطوةً خطوة، وفي كل خطوة نخطوها نحو شيء لم يحدث بعد، نقول لليأس من دون أن نتجادل معه: أنت تعرف ما خسرته، لكنك لا تعرف بعد ما أستطيع أن أبنيه؛ فالأمل أكثر من انتظار للمستقبل، هو مشاركة في صنعه.
الامل مشاركة
ليس بالضرورة أن يستطيع الإنسان حمل الأمل وحده دائمًا، فهناك أيامٌ يتعب فيها حتى من الانتظار؛ أيام لا يملك فيها القوة ليقول لنفسه إن الغد يستحق الوصول إليه.
وهنا تظهر واحدة من أجمل حقائق الإنسانية: حين يعجز الإنسان عن حمل أمله، يستطيع إنسانٌ آخر أن يحمله معه لبعض الوقت، ربما لهذا كانت بعض أعظم لحظات الأمل في حياتنا لا تشبه المعجزات؛ تشبه طبيبًا جرّب مرةً أخرى، وصديقًا اتصل في اللحظة المناسبة، وأمًا بقيت تنتظر حين تعب الجميع، وأبًا ظلّ واقفًا حين احتاج الجميع إلى من يستند إليه، وإنسانًا رأى فينا شيئًا كنّا قد توقفنا نحن عن رؤيته.
ولعل أول مكان نتعلّم فيه هذا النوع من الأمل هو الأسرة؛ هناك، قبل أن نعرف معنى الكلمة، كان هناك من يأمل لنا قبل أن نتعلّم كيف نأمل لأنفسنا، أمّ ترى في طفلها الإنسان الذي لم يصبحه بعد، وأبٌ يعمل من أجل سنواتٍ قد لا يعرف بعد ماذا ستحمل، وبيتٌ يبني غدًا لأبنائه قبل أن يعرف أي طرقٍ سيختارون.
وربما لهذا تكون الأسرة، في أجمل صورها، أول مكان يُعطى فيه الإنسان مستقبلًا قبل أن يستطيع أن يصنعه بنفسه؛ لكننا نكبر، ويخرج الأمل معنا من البيت، يصبح صديقًا، وحبيبًا، وطبيبًا، ومعلّمًا، وزميلًا، وأحيانًا غريبًا لم نلتقِ به إلا مرةً واحدة، لكنه قال كلمةً بقيت معنا سنوات.
هنا يتحول الأمل إلى مسؤولية إنسانية.
فنحن لا نعرف دائمًا ماذا يحدث خلف الوجوه التي نمرّ بها؛ قد تكون كلمةٌ قاسية منا آخر ما يحتاج إليه إنسانٌ يقاوم كي لا يسقط، وقد تكون كلمة صغيرة آخر ما يحتاج إليه لكي يستمر؛ لسنا مسؤولين عن إنقاذ الجميع، ولا نملك إصلاح حياة الآخرين، لكننا نستطيع على الأقل ألا نكون سببًا إضافيًا يجعل أحدهم يفقد الامل.
قد لا نستطيع أن نفتح الباب المغلق أمام من نحب، لكننا نستطيع أن ننتظر معه أمامه؛ وقد لا نستطيع أن نعده بأن الصباح قريب، لكننا نستطيع ألا نتركه وحده في الليل.
وهنا يلتقي الأمل، مرةً أخرى، بقلب رحلتنا نحو الإنسانية: أن ترى في الإنسان أكثر مما يراه في نفسه حين يتعب، أن تترك له مكانًا للعودة حين يظن أن كل الأبواب أُغلقت، أن تؤمن بإمكان نهوضه من دون أن تطالبه بأن ينهض الآن.
فأحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى من يقول له: "لا تيأس"؛ يحتاج فقط إلى من يقول: "إن تعبتَ من الأمل اليوم، سأحمل معك شيئًا منه حتى تستطيع أن تحمله من جديد". فالأمل ليس دائمًا نورًا نراه في آخر الطريق، أحيانًا يكون إنسانًا يمشي معنا في العتمة، حتى نستطيع أن نرى من جديد.
أن أول أملٍ عرفه كثيرٌ منا، لم يكن فكرةً آمنّا بها؛ كان إنسانًا آمن بنا.
بين الوهم والممكن
ولأن الأمل قادرٌ على إبقاء الإنسان واقفًا، كان طبيعيًا أن يسأل الفلاسفة عنه: هل الأمل قوة تحرّر الإنسان، أم قد يصبح أحيانًا وهمًا يؤجّل مواجهته للحقيقة؟
لم يكن الجواب واحدًا.
رأى باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza) أن الأمل لا يأتي وحده؛ فحيث يوجد أمل في شيء غير مؤكد، يبقى بالقرب منه خوفٌ من ألا يحدث، نحن نأمل بالشفاء لأن المرض موجود، ونأمل بالنجاح لأن الفشل ممكن، ونأمل ببقاء من نحب لأننا نعرف، في مكانٍ عميق فينا، أننا قد نفقده؛ وكأن الأمل والخوف ينظران إلى المستقبل نفسه: أحدهما يرى ما يمكن أن يأتي، والآخر يخشى ألا يأتي.
أما فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche) فذهب أبعد في شكّه؛ ففي قراءته لأسطورة باندورا رأى أن الأمل قد يطيل عذاب الإنسان، لأنه يجعله ينتظر ما قد لا يأتي. وهي فكرة قاسية، لكنها تكشف خطرًا حقيقيًا: فقد نبقى في علاقة تؤذينا لأننا نأمل أن تتغير، أو نؤجل حياتنا انتظارًا لشيء انتهى، أو نتمسك ببابٍ مغلق لأن الاعتراف بأنه أُغلق يؤلم أكثر من الوقوف أمامه.
وهنا يجب أن نعترف: ليس كل ما نسميه أملًا ينقذنا، أحيانًا يكون الأمل شجاعةً، وأحيانًا يصبح خوفًا من قبول الحقيقة.
أما ألبير كامو (Albert Camus) فوضع الإنسان أمام سؤال أشد صعوبة: ماذا لو لم يعطنا العالم الجواب الذي ننتظره أصلًا؟ ماذا لو لم نجد تفسيرًا لكل ما يحدث، ولا عدالةً فورية، ولا ضمانًا بأن النهاية ستأتي كما نريد؟ عندها لا تبقى قيمة الإنسان في امتلاكه الجواب، بل في قدرته على أن يعيش ويختار ويصنع معنىً حتى أمام عالمٍ لا يقدّم له ضمانات.
ثم جاء إرنست بلوخ (Ernst Bloch) ليمنح الأمل مكانًا مختلفًا. ففي The Principle of Hope يصبح الإنسان كائنًا متجهًا نحو ما لم يوجد بعد؛ لا يعيش داخل حدود الواقع القائم فقط، بل يستطيع أن يتخيّل واقعًا آخر، ثم يعمل من أجله؛ وهنا يصبح الأمل أكثر من شعور: يصبح قدرةً على رؤية الإمكان داخل ما يبدو مكتملًا.
وربما كان بلوخ يقترب من شيء شديد الإنسانية: نحن لا نغيّر العالم لأننا راضون عنه، بل لأننا نستطيع أن نراه كما يمكن أن يكون، لا كما هو فقط؛ كل عدالةٍ تحققت يومًا بدأت عند إنسان رأى ظلمًا ورفض أن يصدّق أنه قدر؛ وكل اكتشاف بدأ بسؤال؛ وكل تغيير بدأ، بطريقةٍ ما، بشخصٍ رأى في الواقع إمكانيةً لم يرها الآخرون بعد.
وهكذا، لم تعطنا الفلسفة تعريفًا واحدًا للأمل، لكنها أعطتنا تحذيرًا ونافذة معًا: لا تجعل الأمل وهمًا يمنعك من رؤية الحقيقة، ولا تجعل الحقيقة سجنًا يمنعك من رؤية الممكن.
لكن يبقى سؤالٌ لم تحسمه الفلسفة: ماذا يحدث عندما لا يعود الأمر ممكنًا؟ حين يموت من كنا نأمل أن يعيش؛ حين يفشل العلاج الذي انتظرناه؛ حين يأتي الجواب الذي كنا نخشى سماعه؛ حين لا يعود الباب مغلقًا فقط، بل نعرف أنه لن يُفتح.
إذا كان الأمل يعيش في الممكن، فماذا يبقى للإنسان عندما يسقط الممكن الذي كان يتمسك به؟ هنا نصل إلى كلمةٍ نستعملها كثيرًا إلى جانب الأمل، حتى نظن أحيانًا أنهما الشيء نفسه. لكن ربما تبدأ هذه الكلمة تحديدًا حيث يصل الأمل إلى حدوده: الرجاء.
ابعد من الأمل
نستعمل كلمتي الأمل والرجاء كثيرًا وكأنهما تقولان الشيء نفسه، لكن بينهما فرقٌ يصبح واضحًا حين تصل الحياة إلى الأماكن التي لا يعود فيها الأمل وحده كافيًا. فالأمل يتجه غالبًا نحو شيءٍ نريده: نأمل بالشفاء، بالنجاح، بعودة غائب، بانتهاء حرب، بتحقق حلم؛ ولذلك يحتاج الأمل إلى ممكنٍ يتعلّق به؛ ما دام هناك احتمال، ولو صغيرًا، يستطيع الإنسان أن يقول: ما زال هناك أمل.
أما الرجاء، ففي لغتنا، يحمل أيضًا معنى الطلب والتوقّع؛ نقول: أرجوك أن تساعدني، أرجو منك أن تسامحني، أرجو أن يحدث ذلك؛ في هذا الاستعمال هناك شيءٌ نطلبه، ومن نطلبه منه؛ ولهذا قد يبدو الرجاء مجرد صورة أخرى من التمنّي أو حتى التوسّل؛ لكن هنا يجب أن نميّز بين عبارتين متشابهتين في الكلمات، مختلفتين جدًا في المعنى: أن أرجو شيئًا من الله، وأن يكون رجائي في الله.
قد يقول المريض: يا الله، أرجوك أن تشفيني؛ هذا طلبٌ إنساني صادق ومشروع؛ هو يرجو نتيجةً محددة؛ لكن ماذا يحدث إذا لم يأتِ الشفاء؟ هل ينتهي الرجاء لأن الطلب لم يتحقق؟ هنا يبدأ المعنى الأعمق.
"أرجو منك" تتعلق بما أريد أن أحصل عليه؛ أما "رجائي بك" فتتعلق بمن أضع فيه ثقتي عندما لا أحصل على ما أردت؛ وهذا الفرق نجده بصورة مؤثرة في يسوع نفسه.
في بستان الزيتون، لم يقف يسوع أمام الألم كمن لا يخافه؛ حزن، واضطرب، وطلب أن تعبر عنه الكأس؛ كان في صلاته طلبٌ حقيقي بأن يتغير ما سيأتي؛ لكنه لم يجعل علاقته بالآب مشروطة بأن تتغير الكأس. طلب أن تعبر الكأس؛ وحين لم تعبر، لم يفقد الرجاء؛ وربما هنا نفهم الرجاء بصورة مختلفة تمامًا؛ الأمل يتعلّق بما نريد أن يحدث؛ أما الرجاء فيبدأ حين نسلّم بأن ما سيحدث، حتى إن خالف ما أردناه، قد يحمل خيرًا لم نكن قادرين على رؤيته ونحن نختار. فالأمل يقول: أتمنى أن يحدث هذا؛ والرجاء يقول: وحتى إن حدث ما لم أكن أريده، أثق بأن ما سيكون قد يحمل خيرًا أبعد مما كنت أستطيع أن أختاره لنفسي.
الرجاء ليس أن أثق بأن الله سيفعل ما أريد؛ بل أن أثق بأن ما يسمح به، حتى عندما لا يكون ما أردت، قد يكون خيرًا مما كنت سأختاره لنفسي.
ولهذا لا يُلغي الرجاء الأمل، سنبقى نأمل بالشفاء، ونطلبه؛ نأمل بالسلام، ونعمل له؛ نأمل بنجاح من نحب، وبعودة ما يمكن أن يعود، وبفتح الأبواب التي ما زالت قابلةً لأن تُفتح؛ الإيمان لا يطلب من الإنسان أن يتوقف عن الأمل، لكنه يعطيه شيئًا يبقى عندما لا يتحقق الأمل كما أراد.
وهنا نصل إلى الجمعة العظيمة.
كان تلاميذ يسوع يأملون هم أيضًا، رأوا فيه مستقبلًا، وتركوا أشياء كثيرة ومشوا وراءه؛ ثم صُلب من علّقوا عليه آمالهم، ومات، ووُضع في قبر، ودُحرج الحجر مغلقاً بابه؛ وبحسب كل ما تستطيع العين أن تراه، لم يفشل حلمٌ فقط؛ انتهى المستقبل الذي بنوه حوله.
ثم جاء السبت.
لا معجزة، لا قبر مفتوحًا، لا ظهور، لا جواب، فقط حجرٌ وصمت، وأناسٌ لا يعرفون ماذا يمكن أن يأتي بعد الذي حدث؛ وربما نعيش نحن أيضًا كثيرًا من حياتنا في السبت؛ بين جمعةٍ حدث فيها ما لم نرده، وأحدٍ لم نره بعد؛ في مرضٍ لا نعرف نهايته، وفي دعاء لم نرَ جوابه، وفي خسارةٍ لا نعرف كيف سنعيش بعدها، وفي لحظةٍ لا نجد فيها شيئًا أمامنا سوى الحجر.
وهنا تحديدًا يحتاج الإنسان إلى أكثر من التفاؤل، بل أحيانًا إلى أكثر من الأمل نفسه، يحتاج إلى الرجاء.
فالرجاء لا يقول إن الحجر غير موجود، ولا إن الجمعة لم تحدث، ولا إن كل ما فقدناه سيعود بالطريقة التي نريدها؛ الرجاء يقول شيئًا أعمق: ما أراه الآن ليس كل ما هو موجود، وما أفهمه الآن ليس كل ما يمكن أن يكون، وما حدث لي ليس بالضرورة الكلمة الأخيرة.
ثم جاء الأحد.
لم يمحُ الجمعة، ولم ينكر القبر، ولم يُزل حتى آثار الجراح؛ لكنه غيّر شيئًا أعمق: غيّر معنى النهاية.
ومنذ ذلك الأحد، لم يعد الرجاء مجرد توسّل إلى الله كي يغيّر ما يحدث، بل أصبح ثقةً بالله حتى في قلب ما لم يتغيّر كما أردنا.
وهنا يصبح الفرق واضحًا، الأمل يقول: ما زال هناك شيءٌ يمكن أن يحدث؛ والرجاء يقول: وحتى إن حدث ما لم أكن أريده، انما ما سيكون، سيكون أفضل.
الأمل يفتح بابًا على الممكن؛ أما الرجاء، فيبقى حتى عندما يُغلق الباب الذي كنا نأمل أن يُفتح.
الرجاء لا يشترط أن تكون الحياة كما أردناها لكي تبقى جديرة بأن نعيشها، ولا يشترط أن نفهم الله لكي نستطيع أن نؤمن به.
الأمل يمنحنا سببًا لننتظر الغد، أما الرجاء، فيمنحنا سببًا لنمشي إليه حتى عندما لا نعرف ماذا يحمل.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يرجو وهو يبكي، وأن يرجو وهو خائف، وأن يرجو وهو مريض، وأن يرجو بعدما خسر، وأن يرجو وهو لا يملك جوابًا؛ لأن الرجاء لا يحتاج إلى إنكار الواقع لكي يبقى. الأمل يحتاج إلى احتمال، أما الرجاء فيبدأ حين تنتهي الاحتمالات.
ولهذا لم تكن رسالة يسوع للإنسان: لن تأتي الجمعة، بل كانت، في عمقها: حين تأتي الجمعة، وحين يطول السبت، لا تنسَ أن الحجر لا يملك حق كتابة النهاية. فهو لا يقول إن القبور غير موجودة، يقول إن القبر، منذ ذلك الأحد، لم يعد يملك حق إعلان النهاية؛ فالأمل مرتبط بما نرجو حدوثه؛ أما الرجاء فمرتبط بثقتنا بأن ما سيكون، حتى إن خالف ما أردناه، قد يحمل خيرًا لم نكن قادرين على رؤيته.
الخاتمة: ما دام هناك غد
بعد كل ما قيل، ربما يصبح الأمل أبسط مما جعلناه، وأعمق. ليس وعدًا بأن كل شيء سيكون بخير، ولا يقينًا بأننا سنحصل على ما نريد، ولا طريقةً جميلة لإنكار ما يؤلمنا؛ الأمل هو أن نرفض أن نحكم على الحياة وهي لم تنتهِ بعد؛ أن يبقى فينا مكانٌ لما لم يحدث، ولما لم نعرف، ولما لم نصبحه بعد.
ولهذا، أيها الإنسان الذي أتعبته الحياة، لا أطلب منك أن تكون متفائلًا؛ لا تقل لنفسك إن المرض سيزول إن كنت لا تعرف، ولا إن الغائب سيعود إن كان لن يعود، ولا إن الباب سيفتح إن كان قد أُغلق؛ انظر إلى حقيقتك كما هي، وابكِ ما يستحق البكاء، واقبل ما لا تستطيع تغييره؛ لكن لا تجعل حقيقة اليوم واقع العمر كله.
فأنت تعرف ما حدث لك، لكنك لا تعرف بعد كل ما يمكن أن يحدث؛ قد يكون أمامك إنسانٌ لم تلتقِ به، وفكرةٌ لم تولد، ومكانٌ لم تزره، وفرحٌ لا تعرف سببه بعد، ونسخةٌ منك لم تحتج الحياة حتى الآن إلى أن تكشفها لك. وقد لا يأتي الغد كما تمنيت، لكنه سيأتي بشيء واحد لا يملكه اليوم: الممكن.
وإن ضاق الممكن يومًا حتى لم تعد ترى منه شيئًا، يأتي الرجاء.
فالرجاء ليس أن ترفع عينيك إلى الله وتقول فقط: أرجوك أن تعطيني ما أريد؛ قد تطلب، ويحق لك أن تطلب؛ لكن الرجاء الأعمق يبدأ عندما تستطيع، حتى إن لم تعبر الكأس، أن تقول: رجائي بك.
وهنا يتغير كل شيء.
لأنك لم تعد تؤمن فقط بنتيجة؛ أصبحت تثق بحضور؛ لم تعد حياتك معلّقة بأن يحدث ما تريد كي تستحق أن تستمر.
ولهذا، عندما يقول لك اليأس: انتهى كل شيء، لا تحتاج إلى أن تجادله طويلًا؛ يكفي أن تسأله: كيف عرفت؟ فالغد لم يأتِ بعد.
وإذا لم تستطع اليوم أن ترى فيه شيئًا، دع من يحبك يرى عنك قليلًا؛ أمًا، أبًا، زوجًا، ابنًا، صديقًا، أو إنسانًا بقي قربك حين كنت تحتاج فقط إلى من يبقى. فأحيانًا يحمل الآخرون لنا الأمل حتى نستعيد القدرة على حمله بأنفسنا.
ثم انهض، ولو ببطء؛ ازرع شيئًا؛ ضع موعدًا؛ افتح نافذة؛ جرّب مرةً أخرى إن استطعت؛ واسترح إن لم تستطع؛ لكن اترك للغد مكانه.
فلولا الأمل، لكان الإنسان أسير ما حدث؛ وبالأمل، يبقى الممكن مفتوحاً على كل الاحتمالات؛ وبالرجاء، يستطيع أن يمضي حتى عندما يحدث ما لم يكن يرجوه.
وربما هذه هي الكلمة التي نحتاج إليها في النهاية: لا أحد يستطيع أن يعدك بما يحمله الغد؛ لكن لا أحد، ولا حتى اليأس، يستطيع أن يخبرك أن كل ما يستحق الحياة قد حدث بالفعل. فما دمت حيًّا، هناك شيءٌ لم يُكتب بعد؛ دع الأمل يفتح له باب الممكن، ودع الرجاء يمنحك الشجاعة لتعبر، حتى عندما لا يأتي الغد كما أردت.