صدر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" كتاب الدكتورة سميّة محمد طليس "الرؤية النقدية: أنساق المعنى وانزياحات الوعي (من نقد النقد إلى المسافة النصية)"، في طبعته الأولى عام 2026، في 191 صفحة، ويحمل الرقم الدولي ISBN 9786140138704، وبتاريخ نشر مثبت في بيانات الكتاب هو 2 حزيران 2026. وقدّم له الأديب والناقد اللبناني سلمان زين الدين، واضعًا إياه في سياق نقدي يجمع بين مساءلة النقد ومساءلة النص.
من عنوانه، يضع الكتاب القارئ أمام ثلاث عتبات مترابطة: "أنساق المعنى"، بما يحيل إليه المعنى من طبقات لغوية وثقافية وتاريخية؛ و "انزياحات الوعي"، بما يكشفه فعل القراءة من تحولات في وعي الناقد والنص؛ ثم "المسافة النصية"، بوصفها المسافة التي تتيح للناقد أن يقترب من النص بما يكفي لفهمه، وأن يبتعد عنه بما يكفي لمساءلته. ومن هنا تتجاوز طليس سؤال المنهج إلى سؤال الوعي الذي ينتج القراءة.
تنطلق المؤلفة من مأزق في بعض مسارات النقد العربي الحديث، يتمثل في انتقال النقد من كونه فعلا معرفيًا قائمًا على السؤال والفهم إلى ممارسة تقنية تُكثر من استدعاء المناهج الجاهزة وتطبيقها على النصوص. وعندما يتحوّل المنهج من أداة إلى غاية، يفقد النقد جزءًا من وظيفته الأساسية. غير أن طليس لا تطرح المسألة بوصفها مواجهة بين العربي والغربي، ولا تدعو إلى الانغلاق على التراث، بل إلى بناء علاقة أكثر وعيًا بالمنجز النقدي الغربي، تقوم على الإفادة منه من دون الارتهان إليه، وعلى استعادة التراث النقدي العربي من دون تحويله إلى مرجعية مغلقة.
يتوزّع الكتاب على قسمين أساسيّين: "مساءلات في نقد النقد العربي: من استئناف زمن الوعي إلى مآلاته المفاهيمية المعاصرة"، و "في مساءلة النص: الشعر والرواية بين مفاصل الحداثة والاختراق". وتضم الصفحات ثمانية مقالات تجمع بين النظرية والتطبيق، وتستعين بأدوات متعددة، منها التحليل الثقافي والمقاربة الفلسفية والمقارنة البنيوية، إلى جانب القراءة والتأويل والتحليل والاستنتاج. وهذا التعدد ليس تفصيلا شكليًا، بل هو جزء من تصوّر المؤلّفة للنقد بوصفه ممارسة مفتوحة لا تستنفدها أداة واحدة.
تتضح هذه الرؤية في وقوف طليس عند تجربة علي زيتون و "نظرية الكشف"، حيث تقرأ محاولة بناء مشروع نقدي يستفيد من التراث العربي وينفتح على النقد الغربي من غير تقديس للأول ولا تبعية للثاني. كما تتوقف عند كتاب محمود نون "قلق الذات الشاعرة"، المتصل بالتجربة الشعرية الأردنية بين 1921 و2001، فتتابع ثنائيات الذات والموضوع، والأصالة والمعاصرة، والتقليد والتجديد، والتأسلف والتمغرب، لتكشف أثر المرجعيات النظرية في تشكيل الرؤية النقدية نفسها.
وفي الجانب التطبيقي، تنتقل القراءة إلى شعر محمد علي شمس الدين ومحمد توفيق أبو علي، حيث يصبح النص مجالا لاختبار المفاهيم، لا مجرّد مناسبة لإثبات صلاحية المنهج. ففي تجربة شمس الدين تتابع طليس تشكل وعي حداثي "تنويري، تجاوزي، ضدّي"، وعلاقته بالمكان والذاكرة والزمن، فيما تقرأ في "ضوع الياسمين" لأبي علي حركة المعنى بين المرجع والتحوّل، وبين الدلالة الثابتة والأفق الرمزي المتغير. وبذلك يتحول التطبيق من تمرين إجرائي إلى بحث في البنية الثقافية والرمزية التي تنتج المعنى.
ومع ذلك، فإن تعدد المناهج الذي يمثل إحدى نقاط قوة الكتاب يفتح سؤالا نقديًا مشروعًا: هل يستطيع هذا التعدد دائمًا أن يحافظ على وحدة الرؤية، أم أن الإفراط في استدعاء الأدوات قد يجعل بعض القراءات أكثر ازدحامًا بالمفاهيم مما يحتاج إليه النص؟ هنا لا تقدّم طليس جوابًا نهائيًا، وهذا الترك قد يُحسب لها بقدر ما يمكن أن يُؤخذ عليها. فهو ينسجم مع إيمانها بالانفتاح وعدم تحويل المنهج إلى عقيدة، لكنه يترك في الوقت نفسه مشروعها النظري أمام مهمة أكثر صعوبة: الانتقال من الدعوة إلى الاستقلال المفهومي إلى إنتاج مفاهيم عربية جديدة قابلة للاختبار والتطبيق.
ولعل قيمة "المسافة النصية" تكمن هنا تحديدًا؛ فهي ليست ابتعادًا عن النص، بل شرط للحرية في قراءته: حرية النص من سلطة المنهج الجاهز، وحرية الناقد من أسر الانطباع. وفي هذا المعنى، لا ينتهي كتاب سميّة محمد طليس عند إجابات مغلقة، بل يعيد ترتيب الأسئلة التي ينبغي للنقد العربي أن يطرحها على نفسه: ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ وبأي وعي؟ والأهم: هل نمتلك القدرة على إنتاج أدواتنا النقدية، أم نظل نعيد استخدام أدوات صيغت لأسئلة وسياقات أخرى؟
من هذه الزاوية، تبدو "الرؤية النقدية" محاولة جادة لإعادة النقد إلى وظيفته الأولى: أن يكون فعلا معرفيًا لا مجرد تطبيق تقني، وحوارًا مع النص لا وصاية عليه. وإذا كانت طليس لا تدّعي امتلاك الوصفة النهائية لبناء نظرية نقدية عربية مستقلة، فإن أهمية كتابها تكمن، قبل كل شيء، في إبقاء هذا السؤال مفتوحًا؛ لأن النقد الذي يتوقف عن مساءلة أدواته ووعيه يتحوّل، مهما بلغت دقته الاصطلاحية، إلى ممارسة تكرّر نفسها.

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني