منذ افتعاله حرب "إسناد غزة"، خسر "حزب الله" ورقة الجنوب، ليس عسكريًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا. فالسلاح الذي استخدمه طوال عقود لفرض معادلاته في الداخل اللبناني والإقليم، فقد الكثير من قدرته على التأثير بعد الهزائم التي مُني بها.
وكلما تأخر الحزب في تسليم سلاحه إلى الدولة، تضاءلت قدرته على استخدامه لتغيير الواقع السياسي الجديد. وقد ينتظر القرار الرسمي ارتكابه غلطة أمنية كبيرة لتصبح مسألة اعتباره منظمة غير قانونية موضع تدخل عسكري. لكن هذا المنطق كان قائمًا عشية "طوفان الأقصى"، ومع ذلك أقدم الحزب على حرب "إسناد غزة"، وأخذ لبنان إلى مواجهة لا رأي له فيها. فاللبنانيون لا يملكون ترف الوقت، والدولة لا يجب أن تجعل استعادة قرارها رهينةً للجهة التي صادرته.
لقد تغيّرت إسرائيل في جوانب عديدة منذ "7 أكتوبر". لذلك، لن يكون الانسحاب الإسرائيلي من لبنان تكرارًا لما حصل عام 2000، قبل تحطيم القدرة العسكرية لـ"حزب الله".
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: نشأت مصلحة غير مخطط لها بين الدولة اللبنانية وإسرائيل في مواجهة واقع فرضه الحزب نفسه. لا الدولة أرادت هذا المسار، ولا أي فريق لبناني كان يريد الوصول إليه. لكن مسؤولية هذا الواقع تقع على من أصرّ على إبقاء لبنان ساحةً لصراع يتجاوز حدوده ومصالحه، وعلى الاحتفاظ بسلاح بات عنصرًا أساسيًا في تعريض لبنان لمخاطر لا يملك قرارها.
و"الدولة الجديدة" في لبنان ليست وريثة القوى التي تغاضت طوال سنوات عن تمدد مشروع "ولاية الفقيه"، بحجة مواجهة إسرائيل. لقد فشلت نظرية أولوية الصراع مع إسرائيل على حساب الاستقرار السياسي والحرية والتنمية وحقوق الإنسان والرخاء.
فالدول لا تُبنى على الحروب الدائمة، ولا تُقاس قوتها بقدرة تنظيم مسلح على إطلاق الصواريخ، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم وصون سيادتها. وعقائد من نوع "الإسلام هو الحل"، عندما تتحول إلى مشاريع سلطة مسلحة، لا تجلب إلا المآسي والهزائم. كما أن القبول السياسي بمنظمة تريد تحويل لبنان إلى نظام إسلامي مستبد، شرط تخليها عن السلاح، يشبه قبول العالم بالنازية شرط انسحابها من الدول التي احتلتها. فالمشكلة لا تنتهي بوضع السلاح في المستودعات إذا بقيت العقيدة التي أنتجته، وبقي مشروع السلطة الذي يستند إليه. وما يحصل في "النموذج الإيراني" يقدم مثالًا حيًا على مخاطر الأنظمة العقائدية المغلقة.
لأسباب عسكرية محضة، أوجدت إيران الإسلامية "حزب الله" في لبنان. كان السلاح وسيلة، وكانت الوظيفة العسكرية جوهر المشروع. وعندما تنتفي القدرة على استخدامه، يسقط الأساس الذي بُني عليه. لذلك لا يتعلق السؤال اليوم بمصير الترسانة وحدها، بل بمصير الوظيفة التي أُنشئ الحزب من أجلها، وبقدرة الدولة على إنهاء ازدواجية السلاح والقرار.
المعركة في لبنان ليست على السلاح وحده، بل على طبيعة الدولة وهويتها وقرارها السيادي. فإما أن تنتصر الدولة، فيعود قرار الحرب والسلم والسلاح إلى مؤسساتها، أو يبقى لبنان عالقًا بين دولة عاجزة ودويلة مسلحة.