عندما نتناول أيّاً من القضايا التي تتصل بحياة الناس والمجتمعات، نعود غالباً إلى علماء الاجتماع والفكر السياسي، القدامى منهم والمعاصرين، لأنهم حاولوا منذ وقت مبكر فهم السؤال الأساسي: كيف يجتمع البشر؟ وكيف تتحول الجماعة إلى مجتمع، والمجتمع إلى مؤسسات وسلطة ونظام قادر على الاستمرار والتطور؟
ومن أبرز الذين تناولوا هذا السؤال ابن خلدون، الذي رأى في «العصبية» إحدى القوى الأساسية التي تؤدي إلى تماسك الجماعة وتمكّنها من بناء السلطة والدولة. والعصبية، في معناها الخلدوني، لم تكن مجرد انتماء عاطفي أو رابطة قبلية، بل قوة اجتماعية قادرة على تنظيم الجماعة ودفعها إلى الفعل، قبل أن تدخل الدولة في مرحلة الاستقرار ثم الترف والتكلّس والانهيار.
ومع تطور الفكر الاجتماعي، انتقل الاهتمام من تفسير الاجتماع من خلال القرابة والعصبية إلى تفسيره من خلال المؤسسات، وتقسيم العمل، والعقد الاجتماعي، والشرعية، والصراع على الموارد والقوة، والثقافة والقيم المشتركة. فالمجتمع الحديث لا يقوم فقط على وجود جماعة متماسكة، بل على قدرته على تحويل هذا التماسك إلى مؤسسات وقواعد عامة تتجاوز الأشخاص والأفراد.
رغم تغير العالم بصورة هائلة، استمرت بعض آليات السلطة عندنا ولم تتغير بالسرعة نفسها. تغير الاقتصاد، وتغيرت وسائل الاتصال، وتغيرت علاقة الإنسان بالمعرفة، وسقطت حدود كثيرة بفعل التكنولوجيا، وأصبح الذكاء الاصطناعي نفسه يفرض أنماطاً جديدة في العمل والإدارة والتفكير. أما بعض القيادات السياسية والاجتماعية فما زالت تتعامل مع المجتمع وكأنه المجتمع نفسه الذي عرفته عند وصولها إلى السلطة.وكأن الزمن مرّ على الناس ولم يمرّ على السلطة. ولا تكمن المشكلة في وجود الجماعات، فكل مجتمع يحتاج إلى روابط وقيم ومصالح مشتركة، ويحتاج الإنسان إلى الانتماء، فالمشكلة تبدأ عندما تتحول الجماعة من وسيلة لتنظيم المجتمع إلى وسيلة لامتلاك المجتمع. فعندها يظهر نوع من التركيب الاجتماعي يمكن وصفه بـ (الطفيلي)، أي ذلك التركيب الذي يعيش على حاجات الجماعة ومخاوفها وانقساماتها، ويستمد بقاءه من استمرار الظروف التي يفترض أن يعمل على تغييرها.وللطفيلي السياسي والاجتماعي مجموعة من الصفات تكاد تكون متكررة.
أولها عقدة استلام القيادة، بحيث يتحول الوصول إلى الموقع القيادي من مسؤولية مؤقتة إلى حق دائم. وادعاء امتلاك الحقيقة، بحيث يصبح الاختلاف مع القيادة خيانة للجماعة، وليس مجرد اختلاف في الرأي. ثم إيهام العامة بالخلاص؛ فالزعيم لا يقدم نفسه بوصفه شخصاً قابلاً للمساءلة، بل بوصفه الحامي والضامن والوسيط الوحيد القادر على حماية الجماعة وإنقاذها.
أما الأخطر فهو الانتقال من المسؤولية إلى صناعة الوهم وتبريره بوهم أكبر، وعندما تفشل السياسات، لا تتم مراجعتها، بل يعاد تفسير الفشل بطريقة تسمح باستمرار صاحب القرار في موقعه. وهكذا يمكن للسياسة أن تتحول إلى دائرة مغلقة: قرار يؤدي إلى أزمة، والأزمة تستخدم لتبرير قرار جديد، ثم يقدم صاحب القرار نفسه باعتباره الشخص القادر على معالجة الأزمة التي ساهم هو أو فريقه في إنتاجها.
إن من أكثر مظاهر هذا التركيب غرابة أن القوى التي تبدو متناقضة في خطابها أمام الجمهور قد تكون شديدة الانسجام عندما يصل الأمر إلى مصالح استمرارها السياسي.، وهذا ليس جديداً في لبنان. فيكفي أن ننظر إلى العلاقة بين التيار الوطني الحر وحركة أمل لنجد نموذجاً واضحاً على التناقض السياسي المعلن والتوافق العملي في مسائل أساسية. فقد شهد الجمهور اللبناني سنوات طويلة من الانتقادات المتبادلة بين الطرفين، بما يوحي بوجود خلافات عميقة، لكن هذه الخلافات لا تمنع حصول التوافق عندما تصبح مصالح الطرفين أو قواعد اللعبة السياسية نفسها أمام اختبار جدي، أي أن الفئة قد تحتاج إلى خصمها كي تبرر وجودها أمام جمهورها، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى التفاهم معه عندما تصبح قواعد النظام أو مواقع النفوذ مهددة.
وهكذا يصبح التعارض نفسه منصة لتسويق السياسة، ننتقد بعضنا بالمفرق، ونتفق عندما يتعلق الأمر بما يبقينا معاً في النظام. لتتحول هذه المشكلة ليست لدى أشخاص فقط، بل مشكلة بنية اجتماعية وسياسية تسمح بإنتاج الأشخاص أنفسهم بصورة متكررة.
فيستمرون في مواقع السلطة لفترات طويلة، سواء داخل المؤسسات الرسمية أو داخل المؤسسات الاجتماعية والسياسية، فيتحرك الزمن خارج المؤسسة، لكنه يتوقف داخلها.
وهنا يتحول التراكم الطويل للخبرة من قيمة إيجابية إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة. فصاحب السلطة يصبح أكثر تمرساً في معرفة كيفية تطويع الجماعة، وكيفية إدارة المخاوف، وكيفية استخدام الرموز، وكيفية توزيع الأدوار والمنافع، وكيفية إبقاء الناس داخل الإطار الذي يضمن استمرار تمثيله لهم ، وهذا تحديداً هو نقيض البناء الاجتماعي الحديث، القائم على القواعد والتداول والتخصص والمساءلة وتراكم الخبرة داخل المؤسسة، لا داخل الفرد.
إن المفارقة تزداد قسوة عندما نصل إلى الحالة اللبنانية الراهنة، حيث نحن أمام بلد دفع ثمناً هائلاً نتيجة الحروب والخيارات السياسية والاقتصادية الخاطئة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الاقتصاد، وتدمير قطاعات واسعة من الحياة العامة، وصولاً إلى الحرب والدمار والنزوح والخسائر التي يعيشها اللبنانيون.
والأكثر غرابة أن بعض القوى والشخصيات التي شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة النظام الذي أنتج هذه النتائج، تعود لتقدم نفسها باعتبارها الجهة القادرة على إنقاذ البلد.
وبدلاً من أن تكون الأولوية للمحاسبة، تصبح الأولوية لإعادة توزيع الأدوار نفسها.وبدلاً من أن يفتح الانهيار الباب أمام تغيير قواعد العمل السياسي، يستخدم الانهيار لتثبيت القوى ذاتها بحجة أنها الأقدر على إدارة المرحلة.
وهنا تظهر أخطر حلقات «التركيب الاجتماعي الطفيلي كأن يقوم الشخص أو المجموعة بإنتاج جزء من المشكلة، ثم يطالب بأن يكون جزءاً أساسياً من الحل، وأن يمنع في الوقت نفسه ظهور بديل قادر على مراجعة ما حدث. إنها معادلة لا تنتج دولة، بل تنتج استمراراً للعقل المتلكس الغير قادر على الحركة الى الامام . وهذا ليس اتهاماً مسبقاً لكل من شارك في الحياة السياسية، ولا دعوة إلى إلغاء أي جماعة أو تيار. بل هو سؤال يتعلق بالمسؤولية العامة. ففي الدول الحديثة، لا تكفي النوايا المعلنة. هناك نتائج، وهناك مسؤولية، وهناك مراجعة، وهناك تداول للسلطة. ومن الطبيعي أن يسأل المواطن ، إذا كانت السياسات والقرارات التي اتخذتها القوى الحاكمة طوال سنوات قد ساهمت في الوصول إلى الانهيار، فلماذا تصبح القوى نفسها صاحبة الدور الأول في تحديد مستقبل الخروج منه؟ ولماذا لا تكون هناك مرحلة مراجعة حقيقية؟، طالما نتائج تلك المرحلة المدمرة تكررت مرات ومرات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يتحول الفشل إلى شهادة خبرة جديدة لصاحبه.
فكل أزمة تصبح فرصة للعودة إلى السلطة، وكل كارثة تصبح مناسبة لاستعادة خطاب الحماية، وكل انهيار يصبح دليلاً إضافياً على ضرورة بقاء «الزعيم» نفسه. وهذه ليست دولة ، بل إعادة إنتاج للعصبية في صورتها الأكثر خطورة، عصبية تحولت من قوة لتأسيس الجماعة إلى أداة لمنع الجماعة من التطور.
ربما يكون الخروج من هذه الحلقة أقل تعقيداً مما يبدو، لكنه يحتاج إلى تغيير عميق في طريقة النظر إلى السياسة والمجتمع، ولا يكون المدخل بإلغاء الجماعات، بل إعادة الإنسان إلى مركزها، الانسان الذي يمتلك حقوقاً، وعليه مسؤوليات، ويستطيع أن يختار، وأن يغير، وأن يحاسب، وأن يرفض. وأن يقر مع ذاته ان الدولة فوق الجميع، لا وسيطاً بين الزعيم والمواطن. وأن يصبح المسؤول معنياً بنتائج أفعاله، لا فقط بقدرته على تفسيرها. ولقد حان الوقت كي نخرج من مجتمع يُنتج السلطة ثم يخاف من تغييرها، ومن سلطة تمنع التغيير ثم تستخدم غيابه دليلاً على ضرورتها. ومن هنا يجب أن تبدأ عملية الخروج من الاجتماع الطفيلي من خلال اعتبار الجماعة أكبر من زعيمها، والمؤسسة أقوى من مديرها، والدولة أقوى من جميع القوى التي تعمل داخلها.
ربما تكون هذه هي اللحظة التي ينبغي أن يفهم فيها اللبنانيين أن إنقاذهم لا يكون بإعادة إنتاج الذين صنعوا أزماتهم، وإنما بكسر الحلقة التي تجعل صانع الأزمة هو نفسه صاحب الوصفة لإنقاذها. فإذا لم يتحول هذا الخراب إلى فرصة لتغيير قواعد الاجتماع السياسي، فسنجد أنفسنا بعد سنوات أمام الكارثة نفسها، بأسماء مختلفة أو بالأسماء نفسها، وبالنتائج نفسها. ولم نعد امام مجرد خلل سياسي ، بل امام تركيب اجتماعي هجين يعيد إنتاج نفسه، ويمنع المجتمع من الوصول إلى المرحلة التي يصبح فيها قادراً على التخلص من طفيلياته السياسية والاجتماعية. المرتكزة الى عصبيات طائفية وعائلية ، تسهم في استمرار الحروب والانهيارات .