الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (قبل الـ29)

لبنان الوطن الذي غنّيناه... لماذا نجحنا في كتابة وطنٍ جميل، وعجزنا عن أن نعيشه؟

21 دقيقة للقراءة

المقدمة

قبل أن نعرف حدود لبنان على الخريطة، كانت الأغنية قد رسمته في داخلنا؛ عرفنا جباله من أصواتٍ جعلتها أعلى، وقُراه من كلماتٍ رأت في حجارة حفافها وجوه أجدادنا، وترابه من "اللي سبقونا".

وطني "يا بيوت البيحبونا، يا تراب اللي سبقونا"؛ في هذه الصورة الرحبانية، بدا لبنان صغيرًا يتّسع للدنيا، وذهبًا بقي يلمع من زمنٍ ضائع، ووطنًا يخرج من «برق القصايد» كلما أثقلته عتمة الواقع.

لم تكن البيوت جميلةً بحجارتها، بل بالذين أحبّونا فيها؛ ولم يكن التراب عزيزًا لأنه تحت أقدامنا، بل لأن الذين سبقونا عاشوا عليه، وتعبوا فيه، وتركوا بين أشجاره وحجارته شيئًا من أعمارهم؛ ولم يكن صغر الوطن نقصًا، ولم يكن لبنان مجرّد "شوية صخر وتلال"؛ ففي الأغنية اتّسع أبعد من مساحته، وأصبح "بالحق كبير" بما حمله من ذاكرةٍ ومحبةٍ وجمال.

ذلك هو لبنان الذي غنّيناه؛ لم يكن مساحةً فقط، بل إنسانًا وبيتًا وضيعةً وذاكرة؛ وطنًا بنته الكلمات قبل أن تتعبه الوقائع، وحملته الأصوات إلى أماكن فينا لم تكن الخرائط وحدها قادرةً على بلوغها.

لكن بين لبنان الذي كتبناه ولبنان الذي عشناه بقيت مسافةٌ مؤلمة؛ ففي الأغنية أحببنا التراب ولم نصنه، ومجّدنا الحرية ثم خفنا منها، ورفعنا الوطن وتركناه يسقط تحت المصالح والمنافع.

فهل كان الفن يصف لبنان حقًا، أم كان يحاول أن يخلقه؟ وهل غنّى لنا هؤلاء الوطن الذي كنّاه، أم الوطن الذي تمنّوا أن نصبح جديرين به؟

ربما لم تكن أغانيهم مرآةً للبنان بقدر ما كانت وصيةً له؛ وربما كانت مأساتنا أننا حفظنا الوصية عن ظهر قلب، وردّدناها بأصواتٍ عالية، ثم عشنا كأننا لم نسمعها.

قبل الأغنية

قبل أن يصبح لبنان أغنيةً، كان نصًّا يبحث عن وطن؛ ولم يكن السؤال عند كتّابه أين تبدأ حدوده وأين تنتهي فقط، بل أيّ إنسانٍ يعيش داخله، وأيّ معنى يبقى له إذا صار اسمًا جميلًا يخفي واقعًا لا يشبهه.

فكتب جبران خليل جبران: "لكم لبنانكم السياسي بمشاكله وأحزابه، ولي لبنان الشاعر في خياله، والفلاح في حقله، والراعي في واديه".

لم يكن جبران يرفض لبنان، بل كان يرفض أن يحتكره السياسيون ويصنعوه على صورة مصالحهم؛ كان يفصل بين وطنين: وطن السلطة وصراعاتها، ووطن الإنسان الذي يعمل ويحلم ويزرع ويحمل بلاده معه؛ ولهذا لم تكن عبارته انسحابًا من الوطن، بل محاولةً لاسترداده؛ كأنه يقول إن لبنان الحقيقي لا يسكن القصور وحدها، بل الحقل والوادي وقلب المهاجر.

أما أمين الريحاني، فلم يرَ لبنان قلعةً تغلق أبوابها على نفسها، بل نافذةً يلتقي عندها الشرق والغرب؛ وطنًا لا يخاف من محيطه ولا يذوب فيه، ولا تتحول طوائفه إلى أوطانٍ صغيرة تتقاسم أرضًا واحدة؛ وفي كتابه "قلب لبنان"، لم يكتب عن الجبل والطبيعة بوصفهما مشهدًا فقط؛ كان يبحث في قلب المكان عن قلب الإنسان، وعن وطنٍ يستطيع أن يكون لبنانيًا ومنفتحًا على العالم في آنٍ واحد.

ثم عاد ميخائيل نعيمة، بعد أكثر من عشرين عامًا في المهجر، إلى بسكنتا والشخروب؛ وكأن عودته لم تكن انتقالًا من قارةٍ إلى أخرى، بل رجوعًا من ضجيج العالم إلى صوتٍ قديم في داخله؛ هناك صار الجبل مكانًا للتأمل، والشجرة رفيقةً، والصمت لغة؛ فلم يكن وطن نعيمة خطابًا سياسيًا، بل علاقةً حميمة بين الإنسان والمكان الذي يستطيع فيه أن يستردّ نفسه.

اختلف لبنان بينهم: كان عند جبران وطن الإنسان في مواجهة وطن السلطة، وعند الريحاني لقاءً بين الهويات لا سجنًا لها، وعند نعيمة عودةً إلى الجذور والذات؛ لكنهم التقوا عند معنى واحد: الوطن لا تصنعه الحدود وحدها؛ تصنعه صورة الإنسان الذي نريد أن نكونه داخلها.

وهكذا، لم يزيّن الأدب لبنان بالكلمات؛ لقد منحه روحًا قبل أن تمنحه الأغنية صوتًا؛ وما إن خرج من صفحات الكتّاب حتى تلقّفه الشعراء، ورفعوه من أرض الواقع إلى تخوم الأسطورة.

فوق الواقع

مع سعيد عقل، لم يعد لبنان مكانًا يُوصَف، بل أصبح صورةً تُرفع فوق الواقع؛ جبلًا لا يقف على الأرض وحدها، بل يكاد يلامس السماء: "لي صخرةٌ عُلِّقت بالنجم أسكنها".

في هذه الصورة، لم يعد الوطن ترابًا وحدودًا؛ صار صخرةً معلّقةً بالنجم، ثابتةً وعاليةً في آنٍ واحد، كأن صغر مساحته لا يمنعه من أن يكون كبيرًا في المعنى؛ وحين غنّت فيروز‏‏‏‏ ‏ ‏ القصيدة، خرج لبنان من ديوان الشعر ودخل ذاكرة الناس؛ لم يعودوا يرونه كما هو فقط، بل كما جعله الشاعر جديرًا بأن يُرى. ولم يكن الجبل عند سعيد عقل مرتفعًا جغرافيًا فقط؛ كان صلةً بين الأرض وما يتجاوزها: "أنا حسبي أنّني من جبلٍ، هو بين الله والأرض كلام".

بهذه اللغة، صنع سعيد عقل للبنان مقامًا يكاد يكون مقدّسًا؛ فالوطن عنده ليس ما نملكه، بل ما يرفعنا، وليس مجرد مكانٍ نولد فيه، بل معنىً ينبغي أن نرتقي إليه؛ لقد كتب لبنان كما لو أنه يريد من اللبناني أن يخجل من أن يكون أصغر من وطنه.

لكن الشعر حين يرفع الوطن إلى السماء يترك أمام أبنائه امتحانًا صعبًا: هل يصعدون بأفعالهم إلى الصورة التي رسمها، أم يكتفون بترديدها؟ فلبنان المعلّق بالنجم ظلّ في القصيدة عاليًا، فيما كان لبنان الواقع يهبط مرارًا تحت ثقل الانقسام والمصلحة والخوف.

ومع ذلك، لم يكن هذا الجمال هربًا من الحقيقة؛ كان محاولةً لصناعة حقيقةٍ أعلى منها؛ فالشاعر لا يكتب دائمًا الوطن الموجود، بل قد يكتب الوطن الممكن، ثم يترك القصيدة في أيدي الناس كأنها دعوةٌ لأن يجعلوا واقعهم أقل خيانةً لها.

وما رفعه سعيد عقل بالكلمة، سيمنحه الرحابنة لاحقًا قرى وطرقات وساحات وأبطالًا؛ سيُنزلون الوطن من النجم إلى خشبة المسرح، ليجعلوه حكايةً تمشي بين الناس.

وطن الرحابنة

لم يرسم عاصي ومنصور الرحباني وطنًا كاملًا نهرب إليه من وطننا الناقص؛ رسما وطنًا جميلًا بما يكفي لكي نحبّه، وهشًّا بما يكفي لكي نخاف عليه؛ كان فيه البيت ذو القرميد، والعين والساحة والجار، لكن كان فيه أيضًا المحتل والحاكم والوشاية والخوف والمقاومة؛ فالوطن الرحباني لم يكن بطاقةً بريدية، بل حكايةً أخلاقيةً يُعرَف فيها الإنسان من موقفه حين يصبح الوطن في خطر.

في "جبال الصوان"، لم تكن الجبال مشهدًا خلف الحكاية، بل صلابةً تسكن أهلها؛ لم يكن الوطن هديةً يمنحها الحاكم، بل كرامةً يستردّها الناس؛ ولم يكن مقتل مدلج نهاية المقاومة، لأن الحكاية كانت تولد من جديد: "ورا كل صخرة، تحت كل شجرة، عم يخلق ولد". قد يستطيع المحتل أن يقتل إنسانًا، لكنه لا يستطيع أن يقتل المعنى الذي زرعه في الآخرين؛ فالوطن الذي صار ذاكرةً في أبنائه لا يسقط بسقوط بطل، بل يجد في كل بيتٍ مَن يحمل حكايته.

وفي "أيام فخر الدين"، لم يكن الوطن نشيدًا يُرفع بعد اكتماله، بل ورشةً تُبنى: طرقًا وقلاعًا وزراعةً وعملًا؛ فالاستقلال لا يعني فقط أن يخرج الغريب، بل أن يعرف أهل البلاد ماذا يفعلون بحريتهم؛ وحين أدرك فخر الدين أن المعركة قد تنتهي بانكساره، قال لعطر الليل: "وإذا يا عطر الليل صار ما صار، وانكسر السيف، بتكمّل الغنيّة".

لم يطلب منها أن تحمل السيف بعده، بل أن تحفظ الأغنية؛ لأن السيف يدافع عن الوطن في لحظة الخطر، أما الأغنية فتحمي معناه من الموت؛ قد يزول الحاكم، ويسقط البطل، وينكسر السلاح، لكن البلاد تبقى ما دام هناك مَن يروي حكايتها؛ فحين ينكسر السيف، قد تصبح الأغنية شكلًا آخر من أشكال المقاومة.

أما "يعيش، يعيش"، فمزّقت القناع عن وطن الشعارات؛ تتبدّل الانقلابات والحكّام، ويبقى الناس مطالبين بأن يهتفوا للغالب: "يعيش، يعيش"؛ هنا يصبح التصفيق نقيض المواطنة، والخوف صوتًا جماعيًا يتنكّر في هيئة الولاء؛ لم يسخر الرحابنة من الحاكم وحده، بل من اللحظة التي يعتاد فيها الناس الهتاف حتى ينسوا أن لهم صوتًا آخر.

وفي "ناطورة المفاتيح"، يرحل الناس هربًا من الظلم، وتبقى زاد الخير وحدها تحرس مفاتيح البيوت؛ فيصبح المفتاح أكثر من قطعة حديد؛ يصير وعدًا بأن البيت لم يمت ما دام هناك مَن ينتظر عودة أهله؛ فالوطن ليس السلطة التي تطرد الناس منه، بل الحق الذي يبقى لهم فيه حتى بعدما يُجبَرون على الرحيل.

ثم جاءت "بترا" لتضع الوطن أمام أقسى امتحاناته؛ تنتصر المدينة، لكن الأم تخسر ابنتها، فيأتي النداء موجعًا: "انتصرت بترا، وماتت بترا". في العبارة نصرٌ يشبه الهزيمة، ووطنٌ يبقى بعدما يقتطع من قلب أمٍّ أعز ما فيه؛ وهنا لا يتركنا الرحابنة أمام بطولة سهلة، بل أمام سؤالٍ مؤلم: أيّ وطنٍ نحمي إن خسرنا الإنسان الذي أردنا للوطن أن يبقى من أجله؟ ومتى تكون التضحية خلاصًا له، ومتى يصبح اسمه غطاءً نعلّقه فوق مآسي أبنائه؟

لهذا لم يكن وطن الرحابنة مجرد أرزةٍ وبيتٍ بقرميد وطريقٍ إلى العين؛ كان وطنًا يقاوم في "جبال الصوان"، ويبني في "أيام فخر الدين"، ويفضح السلطة في "يعيش يعيش"، ويحرس حق الغائبين في "ناطورة المفاتيح"، ثم يقف أمام دم أبنائه في "بترا" ليسأل إن كان جديرًا بما دفعوه من أجله.

لقد أعطى الرحابنة الوطن قريةً وذاكرةً وقضية، لكن فيروز‏‏‏‏ ‏ ‏ هي التي منحته الصوت الذي حمله من خشبة المسرح إلى داخل كل واحدٍ منا.

صوت صلاة

لم تكن فيروز‏‏‏‏ ‏صوتًا أضافه الرحابنة إلى وطنهم؛ كانت المساحة التي اجتمعت فيها كلماتهم وألحانهم وملامح لبنان؛ مع الرحابنة صار الوطن حكايةً، وبصوت فيروز‏‏‏‏ ‏ ‏ صار صلاة.

لم تكن صلاةً تنتمي إلى طقسٍ أو طائفة، بل ذلك النوع من الكلام الذي يخرج من أعمق ما في الإنسان، حين يحب شيئًا أكبر منه ويخاف عليه ولا يملك سوى أن يناديه. لذلك، حين غنّت: "بحبك يا لبنان، يا وطني بحبك"؛ لا تشرح العبارة لماذا نحب الوطن، ولا تضع للحب شروطًا؛ تقوله كما يُقال لإنسانٍ نخاف أن نخسره؛ ولهذا لم يكن لبنان في صوت فيروز‏‏ فكرةً سياسية، بل حبيبًا وبيتًا وذاكرةً وغيابًا؛ شيئًا يمكن أن نختلف عليه، لكن يصعب أن نسمعها تغنّيه من دون أن نشعر بأنه لنا جميعًا.

لكن قوة فيروز لم تكن في أنها غنّت لبنان كما هو؛ بل في أنها حفظت صورته حين لم يعد يشبه نفسه؛ كانت تغنّي الوطن الذي ضاع، والوطن الذي بقي ممكنًا، والوطن الذي يستطيع اللبنانيون أن يعودوا إليه إذا تذكّروا يومًا أنهم كانوا شعبًا قبل أن يصبحوا جماعاتٍ متقابلة.

لهذا لم يكن صوت فيروز‏ خلفيةً لأيامنا، ولا صوتًا للصباح وحده؛ كان بيتًا حملناه معنا في الفرح والغربة والحرب والحنين؛ وكلما ضاق لبنان في الواقع، أعاد صوتها فتحه في الداخل.

لكن وطن الأغنية لم يكن صوتًا واحدًا؛ فإلى جانب فيروز‏، كانت أصواتٌ أخرى تنزل به من الحلم إلى الأرض، وتعطيه رائحة التراب وقوة الجبل ووجع الغربة وفرح العودة.

أصوات الأرض

إذا جعلت فيروز‏‏‏‏ الوطن صلاةً، فإن وديع الصافي أعاده إلى الجبل؛ لم يكن صوته يصف الأرض من بعيد، بل بدا خارجًا من صخرها، محمّلًا بتعب الفلاح وحنين المغترب وصلابة مَن يعرف أن البقاء في الوطن ليس دائمًا سهلًا.

وحين غنّى: "لبنان يا قطعة سما"؛ لم يكن يرفع لبنان إلى السماء هربًا من أرضه، بل كان يرى في هذه الرقعة الصغيرة من الجمال ما يجعلها تبدو قطعةً من مكانٍ أعلى؛ لكنها لم تكن عنده منظرًا فقط؛ كانت أرضًا تُزرع، وبيتًا يُشتاق إليه، وجبلًا يعود إليه الصوت مهما ابتعد صاحبه.

كان في صوته شيءٌ من «صرخة بطل»، صرخة اللبناني الذي يغادر مضطرًا، ثم يمضي غربته يغنّي للمكان الذي لم يستطع أن يمنحه ما يكفي ليبقى؛ وربما هنا تكمن إحدى مفارقات أغنيتنا الوطنية، أننا صنعنا أجمل أناشيد العودة لأننا كنّا من أكثر الشعوب اضطرارًا إلى الرحيل.

أما صباح، فأعطت الوطن وجهه المضيء؛ لم تغنِّ لبنان بوصفه جرحًا دائمًا أو قضيةً لا تنتهي، بل مكانًا يحق للإنسان أن يفرح ويعيش ويحلم فيه: "يسلم لنا لبنان، جنّة أمانينا، من غفوة الوديان لصحوة روابينا"؛ في صوتها، ينتقل لبنان من غفوة الوديان إلى صحوة الروابي؛ كأن الوطن لا يكفي أن يبقى محفوظًا في الذاكرة، بل عليه أن يستيقظ في الحياة. و"جنّة أمانينا" ليست وصفًا لوطنٍ اكتمل، بل رجاءٌ بوطنٍ نحلم به ونخاف عليه؛ وطنٍ لا نحبّه بمقدار ما نبكي من أجله فقط، بل بمقدار ما نصنع فيه من فرح.

مع نصري شمس الدين، دخل إلى الأغنية صوت الساحات والحقول، وخطوات الدبكة التي تضرب الأرض كأنها تجدّد العهد معها؛ لم تكن الضيعة عنده مشهدًا ساكنًا، بل جماعةً تعمل وتتعاون وتنادي بعضها: "يا أهالي ضيعتنا، ديروا المي عالقاطع"؛ في هذا النداء البسيط معنى وطنٍ كامل؛ فالماء يجب أن يصل إلى المزارع، والخير لا يتحقق ببطولة فردٍ واحد، بل حين يسمع أهل الضيعة النداء ويتحركون معًا؛ الوطن هنا ليس نشيدًا نؤديه واقفين، بل ماءً نتقاسم مسؤوليته، وأرضًا لا تثمر إذا انتظر كلُّ واحدٍ أن يعمل الآخر.

لم تكن هذه الأصوات نسخًا بعضها عن بعض؛ جعل وديع الصافي الوطن صلابةً وحنينًا، ومنحته صباح الفرح والصحوة، وأعطاه نصري شمس الدين سواعد الناس وخطواتهم على الأرض؛ لقد غنّوا لبنان من ترابه، لكنهم لم يغنّوا التراب وحده؛ غنّوا الإنسان الذي يزرعه، والمغترب الذي يشتاق إليه، والجماعة التي تتقاسم ماءه وفرحه وتعبه؛ فالأرض لا تصبح وطنًا لأنها جميلة فقط، بل لأن حياة أناسٍ امتزجت بها حتى استحال فصل الحكاية عن المكان.

وعد البقاء

لم تغنِّ كل الأصوات لبنان بوصفه وطنًا مكتملًا؛ بعضها غنّاه وهو يتصدّع، كأن الأغنية تحاول أن تسبق اليأس وتحفظ للناس صورةً يعودون إليها عندما ينتهي الخراب.

بعدما جرحت الحرب البلاد، لم يقف زكي ناصيف أمامها ليبكي ما تهدّم فقط؛ بل ردّ على الجرح بوعدٍ جماعي: "مهما يتجرّح بلدنا، منلمّو"، ثم غنّى لبنان الذي سيُبنى ويعود أجمل مما كان: "راجع راجع يتعمّر، راجع متحلّي وأخضر أكتر ما كان"؛ لم يقل إن لبنان لم يُجرح، بل رفض أن يجعل الجرح نهايته؛ فالعودة وحدها لا تكفي إذا عدنا إلى الأخطاء نفسها، والوطن لا ينهض لأنه اشتاق إلى ماضيه، بل لأن أبناءه يضعون أيديهم فيما تهدّم ويبدأون من جديد.

في صوت زكي ناصيف، لم يكن الأمل انتظارًا؛ كان عملًا مؤجلًا ينتظر مَن يقوم به؛ لكن الأغنية حملت أيضًا شيئًا من ثقتنا اللبنانية الغريبة: أننا نستطيع أن نهدم الوطن، ثم نؤمن في كل مرة بأنه سيعود أجمل، كأن الإعمار قدرٌ يتحقق وحده، لا مسؤولية تبدأ بتغيير الذين هدموه.

أما إيلي شويري، فكتب ولحّن أغنيةً حملها صوت جوزف عازار قبل أن يغنّيها هو أيضًا: "بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب"؛ لم يختر ورقًا قد يحترق، ولا حجرًا قد يُهدم؛ كتب اسم البلاد على الشمس، في مكانٍ لا تصل إليه أيدي الذين يمحون الأسماء؛ كانت الأغنية إعلانًا بأن الوطن قد يُحتل أو يُقسّم أو يُشوَّه، لكن اسمه يبقى أعلى من عابريه.

لكن بين الأغنيتين سؤالٌ لا يمكن تجاهله: هل يكفي أن نكتب اسم الوطن على الشمس، إذا كنّا نمحوه كل يومٍ عن الأرض؟ وهل يكفي أن نغنّي أنه سيعود ويتعمّر، إذا بقي كل جيلٍ يورّث الجيل التالي أسباب تهدّمه؟

لقد منحنا زكي ناصيف وعد العودة، ومنحنا إيلي شويري اسمًا لا يغيب؛ وبقي علينا أن نصنع الوطن القادر على الوفاء بالوعد، والجدير بأن يُكتب اسمه في الضوء.

حين غضبت الأغنية

لكن الأغنية لم تبقَ دائمًا وعدًا بالجمال والعودة؛ ففي لحظةٍ ما، تعبت هي أيضًا من مواساة اللبنانيين، وخرج من داخلها صوتٌ غاضب يسألهم إن كانوا ما زالوا يستحقون الوطن الذي يغنّونه. حين غنّى ملحم بركات: "صار بدنا حريق، ما منستاهل تبقى إلنا"؛ لم يكن غضبه من لبنان، بل من اللبنانيين الذين أحبّوه بالكلام وأتعبوه بأفعالهم؛ هنا لا يقف المواطن في الأغنية مطالبًا وطنه بأن ينصفه، بل يقف متهمًا أمامه، ويعترف بأنه لم يكن جديرًا به.

الحريق هنا ليس دعوةً إلى إحراق البلاد؛ فالبلاد احترقت بما يكفي؛ إنه صورةٌ قاسية لرغبةٍ في تطهير ما تراكم فينا: الكذب الذي صار وجهة نظر، والطائفية التي لبست ثوب الوفاء، والفساد الذي دخل البيوت حتى اعتاده الناس، والأنانية التي جعلت كل واحدٍ يريد وطنًا على قياس مصلحته.

في صوت ملحم بركات، لم يعد الوطن قطعةً من السماء، ولم تعد القصيدة قادرةً على إخفاء ما فعلناه على الأرض؛ ارتفع الصوت كأنه يريد أن يهزّ شعبًا أتقن الحزن على وطنه، لكنه لم يتقن بعدُ حمايته من نفسه.

والعبارة الأشد إيلامًا ليست "صار بدنا حريق"، بل "ما منستاهل تبقى إلنا"؛ لأنها تقلب السؤال كله؛ فنحن نسأل دائمًا: هل يستحق لبنان تضحياتنا؟ لكن الأغنية تسأل: هل نستحق نحن لبنان؟ هل يستحق وطنٌ خُلق بهذا الجمال شعبًا يستهلكه في الانقسام والفساد ثم يعود ليغنّي له؟

كان ملحم بركات يصرخ بما لم تعد الأغنية الجميلة قادرةً على قوله: المشكلة لم تكن يومًا أن لبنان بلا أناشيد، بل أنه امتلأ بأناسٍ يحفظون الأناشيد ولا يحفظون الوطن.

وما قاله أبو مجد بالغضب، سيأخذه زياد الرحباني إلى مكانٍ أشد قسوة؛ لن يصرخ في اللبنانيين فقط، بل سيجلس بينهم، يصغي إلى لغتهم وأعذارهم وتناقضاتهم، ثم يعرض عليهم وطنهم كما صنعوه هم، لا كما غنّاه آباؤهم.

مرآة الوطن

إذا كان عاصي ومنصور الرحباني قد رسما الوطن كما ينبغي أن يكون، فإن زياد أراه لنا كما أصبح؛ نزع عنه ضوء المهرجان، وأدخله إلى المقهى والبيت والشارع، وجعل اللبنانيين يتكلّمون بلغتهم اليومية، بأحلامهم الصغيرة وأعذارهم الكبيرة وتناقضاتهم التي لم تعد الأغنية قادرةً على سترها.

لم يهدم زياد وطن الرحابنة؛ وضعه أمام المرآة؛ ففي مسرحه لم تعد القرية مجتمعةً في الساحة، بل صار كلٌّ منهم يرفع صوته، فيما غاب مَن يصغي؛ يحمل كلٌّ منهم روايته ومصلحته وخوفه، ويطلب الخلاص لنفسه ولو بقي الآخرون في الخراب.

حتى عناوين أعماله بدت كأنها فصولٌ من سيرة لبنان: "بالنسبة لبكرا شو؟" سؤال وطنٍ يؤجّل مستقبله كل يوم؛ و"شي فاشل"؛ وصفٌ ساخر لواقعٍ ينهار حتى يصبح الفشل فيه مألوفًا؛ أما "فيلم أميركي طويل"، فيوحي ببلادٍ يعيش أهلها داخل حكايةٍ أكبر منهم، يكتب الآخرون أجزاءً منها ثم يدفعون هم ثمن نهايتها.

لكن سخرية زياد لم تكن استخفافًا بالناس؛ كانت غضبًا عليهم ومن أجلهم؛ كان يرى الإنسان العادي مسحوقًا تحت السياسة والطائفية والفقر، ولذلك كتب ولحّن: "أنا مش كافر، بس الجوع كافر".

في هذه العبارة القصيرة، يسقط التجميل كله؛ فالإنسان الجائع لا يحتاج إلى خطبةٍ جديدة عن الوطن، بل إلى وطنٍ يحفظ كرامته؛ وما قيمة الأناشيد إذا بقي المواطن عاجزًا عن العيش؟ وما معنى الإيمان بالبلاد إذا كانت البلاد تطلب من أبنائها أن يؤمنوا بها فيما لا تمنحهم سببًا للبقاء؟

ورث زياد عن عاصي ومنصور السؤال نفسه، لكنه غيّر نبرته؛ كان الوطن عندهم حلمًا ينبغي أن نصعد إليه، فأصبح عنده واقعًا يجب أن نعترف به؛ هم وضعوا الأغنية في يد اللبناني كي لا ينكسر، وهو وضع المرآة أمامه كي يرى كيف أسهم في انكساره.

لذلك لم يكن زياد نهاية الوطن الرحباني، بل امتحانه؛ لقد سألنا، من دون أن يجمّل السؤال: ماذا فعلنا بالبيوت التي تحبّنا، وبالتراب الذي سبقنا إليه أجدادنا، وبالوطن الصغير الذي وسّعته القصيدة؟ كيف تحولت الساحة إلى متاريس، والجيرة إلى خوف، والاختلاف إلى طائفة، والأمل إلى نكتةٍ نضحك عليها كي لا نبكي؟

كان لبنان في صوت فيروز‏ صلاة، وفي مسرح زياد اعترافًا؛ وبين الصلاة والاعتراف تظهر الحقيقة كاملة: أحببنا وطنًا جميلًا، لكننا لم نعرف دائمًا كيف نكون شعبه.

الوطن اختيار

لم يرَ الفكر اللبناني في الوطن حقيقةً مكتملةً نرثها ثم نطمئن إليها، بل علاقةً علينا أن نختارها ونجدّدها؛ فقد تُعطى لنا الأرض، وقد يسبقنا التاريخ، لكن الوطن لا يولد حقًا إلا حين يقرّر المختلفون أن يصنعوا فوقهما حياةً مشتركة.

رأى ميشال شيحا لبنان وطنًا لا يقوم على تشابه أبنائه، بل على تعدّدهم واجتماعهم في مصيرٍ واحد؛ لم يكن الاختلاف عنده عيبًا ينبغي محوه، بل أساسًا تقوم عليه التجربة اللبنانية؛ غير أن التعدد وحده لا يصنع وطنًا، ما لم ينتقل من تجاور الجماعات إلى شراكتها، ومن حماية كل جماعةٍ لوجودها إلى مشاركتها في حماية الوجود المشترك.

أما شارل مالك، الذي شارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فوضع الإنسان وحريته وكرامته في قلب الفكرة السياسية؛ فالوطن لا تكون له قيمة إذا تحوّل إلى سلطةٍ تبتلع الإنسان، ولا تُقاس عظمته بما يطلبه من أبنائه فقط، بل بما يصونه فيهم من حريةٍ وحقٍّ وضمير.

وهنا يلتقي فكر شارل مالك مع جوهر رحلتنا "نحو الإنسانية": فالإنسان ليس مادةً يبني بها الوطن مجده، بل هو غاية الوطن ومعيار نجاحه؛ وكل وطنٍ يكبر على حساب كرامة أبنائه لا يكبر حقًا، بل يفقد المعنى الذي من أجله وُجد.

وهنا أيضًا تلتقي فكرتا مالك وشيحا، فلا يقوم لبنان بإلغاء اختلاف أبنائه، ولا بترك جماعاته تحتمي داخل جزرٍ مغلقة، بل بتحويل تعدّدهم إلى شراكة، ومن حريتهم مسؤوليةً، ومن كرامة كلّ واحدٍ منهم حدًّا لا تتجاوزه سلطةٌ أو طائفةٌ أو أكثرية.

ولعل الأغنية اللبنانية فعلت ذلك قبل السياسة؛ جمعت تحت لحنٍ واحد أصواتًا ولهجاتٍ وقرى وذكرياتٍ مختلفة، ومنحت اللبنانيين صورةً مشتركة لوطنٍ تمنّوا أن يكونوه؛ لكن الصورة، مهما كانت جميلة، لا تصبح وطنًا ما لم تتحول إلى حياة: أن نختار بعضنا حين نختلف، وأن نحمي حق الآخر كما نحمي حقنا، وأن نفهم أن لبنان لا يبقى إذا حاول أي طرفٍ أن يحتكره لنفسه.

فالوطن ليس ما نتخيّله معًا فقط؛ الوطن هو أن نختار العيش معًا، ونؤدّي كل يوم استحقاق هذا الاختيار: عدلًا وحريةً ومسؤولية.

بين الأغنية والواقع

لم يكن لبنان الذي غنّاه شعراؤه وفنانوه وهمًا؛ كان احتمالًا حقيقيًا يسكن هذا الوطن، وصورةً لما يستطيع اللبنانيون أن يكونوه إذا ارتفعوا فوق خوفهم ومصالحهم الصغيرة؛ لكن المشكلة لم تكن يومًا في جمال الصورة، بل في عجزنا عن تحويلها إلى حياة.

غنّينا القرية، ثم تركناها تُهمَل؛ تغنّينا ببيوت الذين يحبوننا، ثم هاجر أهل البيوت وأُقفلت نوافذها؛ كتبنا اسم لبنان على الشمس التي لا تغيب، فيما كدنا نمحوه على الأرض بالفساد والانقسام؛ وردّدنا أن الأغنية تكمل إذا انكسر السيف، لكننا سمحنا أحيانًا للسيوف بأن تعلو فوق كل أغنية.

لم تخدعنا القصيدة؛ نحن الذين اكتفينا بالتأثّر بها، فجعلنا الوطن جميلًا في الكلام، ثم قبلنا أن يكون أقلَّ جمالًا في السياسة والحياة؛ أحببناه في الأغنيات حبًا لا يكلّفنا شيئًا، فيما يحتاج الوطن إلى ان ندفع ثمن حبٍّ أكثر صعوبة: أن نتنازل عن منفعة، وأن نحترم قانونًا، وأن نحمي حقًا لا يخصّنا، وأن نختار لبنان حين يتعارض مع مصلحة طائفتنا أو زعيمنا أو جماعتنا.

فالفن يستطيع أن يرينا الوطن الذي نستحقه، لكنه لا يستطيع أن يبنيه بدلًا منا؛ والقصيدة تستطيع أن ترفع لبنان إلى الحلم، أمّا إعادته من الحلم إلى الحياة فمسؤوليتنا نحن.

ما تبقّى من الأغنية

لم نحاول في هذه الرحلة أن نحصي كلَّ من كتب لبنان أو غنّاه؛ فلو أردنا أن نجمع القصائد والأغنيات والمسرحيات والكلمات التي حملت اسمه، لما اتّسعت لها مقالة، وربما لم تكفِها مجلدات؛ وما ذكرناه ليس ترتيبًا للمقامات ولا إغفالًا لمن لم نذكرهم، بل أصواتٌ اخترناها لتقودنا إلى سؤال المقال: كيف نجح اللبنانيون في تخيّل وطنٍ بهذا الجمال، ثم عجزوا طويلًا عن أن يعيشوا على صورته؟

ربما لأننا أحببنا لبنان أكثر مما بنيناه، وغنّيناه أكثر مما أصغينا إلى ما تطلبه أغنياته منّا؛ جعلناه جبلًا وغيمةً وقمرًا وزنبقة، وبيتًا لمن يحبوننا، وذهبًا من زمنٍ ضائع؛ لكن الوطن لا يستطيع أن يعيش في الصورة وحدها، مهما كانت جميلة؛ يحتاج إلى عدالةٍ تحمي أبناءه، وحريةٍ لا تتحول إلى امتياز، وكرامةٍ لا تتغيّر بتغيّر الاسم والطائفة والمكانة، ودولةٍ لا يضطر الإنسان فيها إلى البحث عن وطنه عند زعيم أو جماعة.

ومع ذلك، لم تكن تلك الأغنيات هربًا كاملًا من الحقيقة؛ كانت تحفظ لنا صورةً أخرى عن أنفسنا، وتذكّرنا، كلما بدا الواقع نهائيًا، بأن لبنان الذي نعيشه ليس كل لبنان الممكن؛ كان الأدباء والفنانون يصوغون لنا وطنًا أعلى من انقساماتنا، لا لكي نسكنه في الخيال إلى الأبد، بل لكي نمتلك صورةً نقيس عليها ما صنعناه ونرى مقدار ما خسرناه.

وهنا يلتقي هذا الوطن برحلتنا "نحو الإنسانية"؛ فما بحثنا عنه من كرامةٍ وحريةٍ وعدالةٍ ومسؤوليةٍ ومحبة لا يكتمل داخل الإنسان وحده؛ فهذه القيم تحتاج إلى بيتٍ تنمو فيه، ومكانٍ يحمل ذاكرتها، ومجتمعٍ تتحول فيه إلى ممارسة، ووطنٍ يجمعها ويحميها؛ فإذا غابت واحدةٌ من هذه القيم، بقي الوطن ناقصًا مهما اكتملت حدوده؛ وإذا غاب الإنسان، لم يبقَ من الوطن إلا اسمٌ وحدود.

ليس المطلوب أن نتوقف عن غناء لبنان، بل أن نصبح جديرين بما غنّيناه؛ أن نعيد أهل البيوت إليها، والأرض إلى الذين يزرعونها، والدولة إلى مواطنيها، والاختلاف إلى مكانه الطبيعي: غنىً لا ذريعةً للخوف والاقتتال؛ عندها لا تعود الأغنية تعويضًا عن الوطن، بل تصبح صوته.

قد ينكسر السيف، وقد يطول الليل، وقد يرحل مَن كتبوا القصيدة ومَن حفظوها؛ لكن الأغنية تبقى ما دام في هذا الوطن إنسانٌ يرفض أن يكون لبنان أقلَّ جمالًا في الحياة مما كان في الكلمات.

فأجمل وفاءٍ لمن كتبوا الوطن وغنّوه ليس أن نردّد ما قالوه، بل أن نبني الوطن الذي رأوه قبلنا؛ وعندها فقط، لا تبقى الأغنية حلمًا بلبنان، بل يصبح لبنان ترجمتها.