المحامي رفيق اورى غريزي

قراءة دستورية وسياسية في تعليق قانون العفو العام رقم 70/2026 وفي مسألة تعيين المقرِّر

العفو في البرزخ: حين يصير الشغور قاضياً

18 دقيقة للقراءة


قلَّ أن اجتمع في ملفٍّ واحدٍ ما اجتمع في قانون العفو العام رقم 70/2026 من حساسيةٍ اجتماعيةٍ وقانونيةٍ وسياسيةٍ في آن. فخلف كلِّ مادةٍ من مواده وجوهٌ لا أرقام: موقوفٌ احتياطياً منذ سنواتٍ من دون أن يمثل أمام قاضٍ، وأمٌّ تنتظر عند بوابة رومية منذ فجر كلِّ يوم زيارة، وأرملةُ عسكريٍّ قُتل في كمينٍ ولم يُنفَّذ الحكم بقاتله، ومحكومٌ بجرمٍ لم يعد المجتمع يرى فيه اليوم ما رآه يوم التجريم. والعفو العام، في جوهره، ليس صكَّ غفرانٍ أخلاقياً، بل قرارٌ سياديٌّ بإسقاط حقّ الدولة في العقاب؛ والدولة حين تتنازل عن هذا الحقّ إنما تقايض العدالة بشيءٍ آخر: بالسلم الأهلي، أو بإصلاح مرفقٍ عقابيٍّ منهار، أو — في الحالة اللبنانية غالباً — بتسويةٍ سياسية. ولأنّ مقايضةً من هذا النوع خطيرةٌ بطبيعتها، أحاطها الدستور بضمانتين لا ثالث لهما: لا عفو عام إلا بقانون، ولا قانون بمنأى عن رقابة الدستورية.

والثمن مدفوعٌ في الحالتين. فإن مرَّ القانون، خفَّ الاكتظاظ في سجونٍ تجاوزت طاقتها الاستيعابية بأضعاف، واستُدرِكَ ظلمُ توقيفٍ احتياطيٍّ صار عقوبةً مسبقة، وأُغلقت ملفاتٌ معلَّقةٌ منذ عقد؛ لكن يُدفع في المقابل ثمنُ إفلاتٍ من العقاب في جرائم دمٍ لم تُستوفَ فيها العدالة، وثمنُ رسالةٍ مفادها أنّ الجريمة في لبنان مسألة وقتٍ وانتظار تسوية. وإن سقط القانون، حُفظ مبدأ المسؤولية الجزائية وكرامة أهالي الشهداء، لكن بقي في السجون آلافٌ لا ذنب لهم سوى أنّ قضاءهم بطيءٌ ودولتهم عاجزة. من هنا تحديداً تنبع حساسية الملف: ليس فيه خيارٌ نظيف، بل خياران مكلفان، والفارق بينهما لا يصنعه إلا احترامُ الأصول.

ثم جاء ما استجدّ ليضيف إلى الأزمة الموضوعية أزمةً إجرائية أشدّ خطراً: الحديث عن أنّ قانوناً أُقرَّ ووُقِّع ونُشر، وطُعن فيه وعُلِّق مفعوله، صار اليوم معلَّقاً بلا مقرِّرٍ وبلا مهلةٍ وبلا أفق. أي أنّ النقاش انتقل من مضمون العفو إلى شيءٍ أخطر: إلى قدرة المؤسسة الدستورية نفسها على أن تقول كلمتها.


الثابت رسمياً أنّ مجلس النواب أقرَّ قانون العفو العام وتخفيض مدّة بعض العقوبات بصورةٍ استثنائية، وأنّ رئيس الجمهورية وقَّعه، وأنّه صدر ونُشر في الجريدة الرسمية تحت الرقم 70/2026. وأنّ نواب تكتّل «لبنان القوي» تقدَّموا بمراجعةٍ للطعن في دستوريته. وأنّ المجلس الدستوري أصدر بتاريخ 10 أيلول 2026 القرار رقم 10/2026، إثر جلسةٍ عقدها برئاسة القاضي طنّوس مشلب وبحضور الأعضاء القضاة عوني رمضان وأحمد أكرم بعاصيري وألبرت سرحان ورياض أبو غيدا وفوزات فرحات وميشال طرزي وإلياس مشرقاني وميراي نجم، في غياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة لداعٍ صحّي، فقرَّر بالأكثرية وقف مفعول القانون المطعون فيه، وإبلاغ قراره إلى رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية.

أمّا ما يجري تداوله من أنّ رئيس المجلس امتنع عن تعيين مقرِّرٍ في جلسة قبول الطعن، معلِّلاً ذلك بعدم صلاحية المجلس الحالي المستمرّ تحت عنوان «استمرارية المرفق العام»، فهو حتى ساعة كتابة هذه السطور روايةٌ متداولةٌ لم يصدر عن المجلس الدستوري ما يؤكّدها أو ينفيها، ولم تُنشر في شأنها وثيقةٌ أو محضر. والأمانة المهنية تقتضي التمييز الحادّ بين الواقعة الثابتة والرواية الرائجة. لذلك نتناولها في ما يلي بوصفها فرضيةً قانونيةً تستحقّ الدرس لأنّ آثارها، إن صحّت، بالغة الخطورة، لا بوصفها واقعةً مسلَّماً بها. وعلى المجلس، درءاً للتأويل وصوناً لهيبته، أن يوضح موقفه علناً؛ فالغموض في القضاء الدستوري يُغري التفسير السياسي، وما يتركه القاضي من فراغٍ يملؤه الآخرون بالظنون.

تشريحُ المسار الإجرائي وأثرُ الامتناع

1) المهل ومصادرها: هندسةٌ زمنيةٌ معلَّقة على تعيين المقرِّر

أنشأت المادة 19 من الدستور، بصيغتها المعدَّلة عام 1990، المجلسَ الدستوري لمراقبة دستورية القوانين والبتِّ في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية، وأحالت تنظيم أصول العمل لديه إلى القانون. وقد تولّى ذلك القانون رقم 250/1993 وتعديلاته، والنظام الداخلي الصادر بالقانون رقم 243/2000.

ومقتضى هذه النصوص أنّ المراجعة تُسجَّل خلال مهلة خمسة عشر يوماً تلي نشر القانون في الجريدة الرسمية؛ وفور تسجيلها ينعقد المجلس بدعوةٍ من رئيسه، فيبلّغ الأعضاء نسخاً عن المراجعة، وينظر أولاً في ما إذا كان من المناسب تعليق مفعول النص المطعون فيه إلى حين البتّ (المادة 22 من النظام الداخلي). ثم، وهنا بيت القصيد، «يعيِّن الرئيس مقرِّراً من الأعضاء ويحيل إليه ملفّ المراجعة لوضع تقريره بشأنها خلال مهلة عشرة أيام على الأكثر من تاريخ الإحالة» (المادة 23 من النظام الداخلي، والمادة 20 المعدَّلة من القانون 250/93). وعند انتهاء المقرِّر من تقريره يحيله إلى الرئيس، الذي يبلّغ الأعضاء نسخاً عنه ويدعوهم خلال خمسة أيام إلى جلسة تداولٍ تبقى مفتوحة إلى أن يصدر القرار، على أن يصدر في غرفة المذاكرة بمهلةٍ أقصاها خمسة عشر يوماً من تاريخ موعد الجلسة؛ وإذا لم يصدر ضمن هذه المهلة اعتُبر النصّ موضوع المراجعة مقبولاً (المادة 21 المعدَّلة من القانون 250/93، والمادة 30 من النظام الداخلي).

ومن قراءةٍ متأنّيةٍ لهذه المنظومة تتبيّن خاصيّةٌ بنيويةٌ خطيرة: المهل اللاحقة كلّها ليست مربوطةً بتاريخ تسجيل الطعن، بل بتاريخ تعيين المقرِّر ووضع تقريره وانعقاد جلسة المذاكرة. أي أنّ الساعة الدستورية لا تبدأ بالدوران من تلقاء نفسها؛ ثمّة يدٌ تُديرها، هي يد الرئيس حين يوقّع قرار التعيين. ومن يملك مفتاح التعيين يملك، عملياً، مفتاح الزمن كلّه. وهذه ثغرةٌ تشريعيةٌ قائمةٌ منذ 1993، لم يلتفت إليها أحد ما دام العرف جارياً على التعيين الفوري؛ فإذا تخلّف العرف انكشف عُوارُ النصّ.

2) في أنّ الامتناع لا يقف عند حدود التأخير، بل ينشئ حالةً لا يعرفها القانون

لو كان الامتناع عن التعيين يؤدّي إلى سقوط الطعن وردِّه شكلاً، لكان الأمر أهون وأقلّ خطراً. لكنّ النتيجة هي النقيض تماماً: فالقانون يبقى موقوف المفعول بمقتضى القرار 10/2026، من دون أفقٍ زمنيٍّ لإنهاء هذا الوقف. أي أنّ الفرضية تجمع بين أثر الإبطال وهو تعطيل القانون، وانتفاء شرط الإبطال وهو صدور قرارٍ معلَّلٍ عن المجلس. وهذا ما يصحّ وصفه بالتعطيل بلا سند: فالنصوص لا تعرف سوى حالتين اثنتين، إعلان مطابقة النصّ للدستور، أو إبطاله كلياً أو جزئياً بقرارٍ معلَّلٍ يرسم حدود البطلان (المادة 22 من القانون 250/93). أمّا الحالة الثالثة ، التعليق المفتوح إلى أجلٍ غير مسمّى، فليست حالةً قانونية بل فراغ.

ولذلك فإنّ القول بأنّ «قانون العفو قد طار» قولٌ غير دقيق، بل هو في اتجاهٍ معاكسٍ للحقيقة القانونية. القانون لم يَطِرْ ولم يُبطَل، وهو ليس ساقطاً بل معلَّق؛ نصٌّ نافذٌ شكلاً، مشلولٌ فعلاً، لا يُطبَّق ولا يُلغى، ولا سبيل إلى مراجعةٍ في شأنه لأنّ قرارات المجلس الدستوري مبرمةٌ لا تقبل أيّ طريقٍ من طرق المراجعة العادية وغير العادية، وتتمتّع بقوّة القضية المحكمة وهي ملزمةٌ لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية (المادتان 43 و44 من النظام الداخلي). وهذه، من زاوية دولة القانون، أسوأ النتائج جميعاً: ففي الإبطال وضوحٌ ومسؤوليةٌ ومراجعةٌ تشريعيةٌ ممكنة، أمّا في التعليق المفتوح فلا شيء سوى الانتظار.

3) في حجّة «عدم الصلاحية»: النصّ يهدم الحجّة من أساسها

تقوم الحجّة المنسوبة على أنّ ولاية أعضاء المجلس الدستوري انتهت في أواخر آب 2025، وأنّ استمرارهم إنّما يقوم على فكرة «استمرارية المرفق العام»، فلا يجوز لمجلسٍ بهذه الصفة أن يبتّ بقانونٍ بهذه الخطورة. والجواب أنّ استمرار الأعضاء في لبنان ليس مجاملةً فقهيةً ولا نظريةً قضائيةً مستعارة، بل هو نصٌّ تشريعيٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل: فالمادة 7 من نظام المجلس، بصيغتها المعدَّلة بالقانون رقم 150 تاريخ 30/10/1999، تنصّ على أنّه «يستمرّ أعضاء المجلس المنتهية ولايتهم في ممارسة أعمالهم إلى حين تعيين البدلاء وحلفهم اليمين». والنصّ مطلقٌ، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد ما يقيّده؛ وهو لم يقل «في ممارسة بعض أعمالهم»، ولم يستثنِ مراقبة دستورية القوانين، ولم يفرّق بين قانونٍ وآخر.

ويترتّب على ذلك نتيجةٌ منطقيةٌ لا مفر منها: من مارس الاختصاص فقد أقرَّ بولايته. فالمجلس الذي انعقد بنصابه، وتداول في الطعن، واتّخذ قراراً بأكثرية أعضائه بوقف مفعول قانونٍ أقرّه مجلس النواب ووقّعه رئيس الجمهورية، أي الذي مارس أخطر ما يملكه من سلطةٍ تجاه السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا يستطيع في الجلسة نفسها أن يتذرّع بانعدام صلاحيته ليمتنع عن استكمال النظر. فإمّا أنّه صالحٌ فيمضي، وإمّا أنّه غير صالحٍ فيمتنع عن الأمرين معاً. والقاعدة الأصولية هنا مزدوجة: من ملك الأكثر ملك الأقل؛ ولا يُسمع من يناقض نفسه (allegans contraria non est audiendus). وهذا التناقض في ذاته يشكّل، في لغة القانون الإداري، عيباً في السبب والغاية معاً.

ثم إنّ الاختصاص القضائي، وبالأخصّ الاختصاص الدستوري، هو من النظام العام (compétence d'ordre public): لا يُكتسب بالتراضي ولا يُتنازَل عنه بالإرادة المنفردة ولا يُعلَّق استنساباً. والقاضي موظَّفٌ بالاختصاص لا مالكٌ له؛ فليس له أن يستعمله متى شاء ويوقفه متى شاء، لأنّ ما يمارسه ليس حقّاً شخصياً بل وظيفةً عامة.

4) في الفقه والاجتهاد المقارَنَين: الشغور سببٌ للاستمرار لا للتوقّف

النظرية التي يُحتجّ بها، استمرارية المرافق العامة، أُنشئت في الاجتهاد الفرنسي لغايةٍ معاكسةٍ تماماً لما يُراد استعمالها فيه هنا. فمنذ قرار مجلس الدولة الفرنسي في قضية Winkell سنة 1909، ثم قراره الشهير في قضية Heyriès سنة 1918، استقرّ المبدأ على أنّ ضرورة سير المرفق العام بانتظامٍ واطّراد تبرّر توسيع سلطات القائمين عليه لا تعطيلها. وتكاملت معها نظرية «الموظّف الفعلي» (fonctionnaire de fait)، التي كرّسها مجلس الدولة في قضية Marion سنة 1948، والتي تقضي بتصحيح أعمال من زالت ولايته أو شابَ تعيينَه عيبٌ، حمايةً للأمن القانوني ولثقة المتعاملين مع الإدارة. فالمبدأ إذن، في القانون المقارن، يصبّ كلّه في اتجاهٍ واحد: الشغور سببٌ يوجب الاستمرار في الأداء، لا عذرٌ يبيح الشلل.

وفي النموذج الفرنسي الذي استُلهم منه نظامنا، تُلزم المادة 61 من دستور 1958 المجلسَ الدستوري بالبتّ خلال مهلة شهرٍ واحد، تُخفَّض إلى ثمانية أيام إذا طلبت الحكومة ذلك للاستعجال؛ ويوجب الأمر التنظيمي رقم 58-1067 تاريخ 7/11/1958 على رئيس المجلس أن يعيّن مقرِّراً من بين الأعضاء فور وروده الإحالة. والفارق الجوهري أنّ المهلة الفرنسية تسري من تاريخ الإحالة نفسها، لا من تاريخ التقرير، فلا يستطيع أيّ امتناعٍ داخليٍّ أن يوقف الساعة. وليس في الاجتهاد الفرنسي، لا في نصوصه ولا في فقهه، ما يجيز لرئيس المجلس أن يحتجز الطعن لأسبابٍ تتّصل بتشكيل المجلس؛ وإن رأى أعضاؤه أنّ تشكيلهم معيبٌ فسبيلهم الاستقالة لا التعطيل.

وعلى الصعيد اللبناني، استقرّ الفقه الدستوري، ولا سيما في كتابات من تولّوا رئاسة المجلس وعضويته، على أنّ المجلس الدستوري ليس سلطةً سياسيةً تفاوضية، بل هيئةٌ قضائيةٌ ذات اختصاصٍ محدَّدٍ حصراً، وأنّ قراراته تستمدّ شرعيتها من التعليل ومن الالتزام بالأصول لا من موازين القوى. وكذلك ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى أنّ الحقّ في الالتجاء إلى القضاء والحصول على حمايةٍ قضائيةٍ فعّالةٍ في وقتٍ مناسبٍ هو حقٌّ دستوريٌّ بذاته، لا مجرّد إجراءٍ تنظيمي.

5) في إنكار العدالة وفي الأمن القانوني

تنصّ المادة 4 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني على أنّ القاضي الذي يمتنع عن الحكم بحجّة غموض النصّ أو انتفائه يُعدّ مستنكفاً عن إحقاق الحقّ. وهذه قاعدةٌ عامةٌ في الوظيفة القضائية كلّها، ولا يخرج عنها القاضي الدستوري؛ بل هو أولى بالتقيّد بها لأنّ امتناعه لا يمسّ خصماً واحداً بل ينسحب على الجماعة الوطنية بأسرها. والامتناع عن تحريك الإجراء، وهو ما يسمّيه الفقه الفرنسي le refus d'instruire، لا يقلّ خطورةً عن الامتناع عن الحكم، لأنّه يحول دون بلوغ القضية مرحلة الحكم أصلاً.

ويضاف إلى ذلك مبدأ الأمن القانوني الذي كرّسه مجلس الدولة الفرنسي بوصفه مبدأً عاماً للقانون في قراره الشهير في قضية Société KPMG سنة 2006، وما قرّره المجلس الدستوري الفرنسي من أنّ وضوح القاعدة القانونية وإمكان الوصول إليها وفهمها هدفٌ ذو قيمةٍ دستورية. فأيّ أمنٍ قانونيٍّ يبقى في بلدٍ يصدر فيه قانونٌ وينشر في الجريدة الرسمية ثم يدخل في حالةٍ من الجمود لا يعرف المواطن، ولا القاضي الجزائي المكلَّف تطبيقه، متى تنتهي؟

والأخطر من ذلك كلّه أنّ الفئة المتضرّرة هنا ليست شركةً تجاريةً ولا إدارةً عامة، بل بشرٌ محرومون من حرّيتهم. وقد التزم لبنان، بموجب الفقرة (ب) من مقدّمة الدستور، بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن ضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تكفل مادته التاسعة الحقّ في الحرّية والأمان الشخصي وتوجب البتّ في مشروعية الاحتجاز من دون إبطاء. وتعليقُ قانون عفوٍ من دون مهلةٍ معناه، بلغةٍ صريحة، استمرارُ حرمان أشخاصٍ من حرّيتهم قد يقرّر المجلس بعد أشهرٍ أنّهم كانوا مستحقّين للإفراج منذ اليوم الأول. الزمن هنا ليس تفصيلاً إجرائياً؛ الزمن هنا عقوبة.

6) إنصافاً للرأي المقابل: وجاهةٌ لا يجوز إغفالها

على أنّ للموقف المنسوب إلى الرئيس مشلب وجاهةً لا تصحّ مصادرتها بسهولة الخطاب. فمجلسٌ انتهت ولاية أعضائه منذ أكثر من سنة، فقَدَ في دورته الأخيرة ثلاثةً من أعضائه بالوفاة قبل أن تُسدّ الشواغر، ولا يكتمل نصابه إلا بحضور ثمانيةٍ من أصل عشرة فيما يغيب أحدهم لداعٍ صحّي، يُطلب إليه أن يبتّ بمصير آلاف المحكومين وبأخطر قانونٍ يمسّ الذاكرة الجنائية للبلد. ولو أنّه قضى بالإبطال أو بالردّ، لوجد من يطعن في شرعية تشكيله ذاته ليفرغ قراره من قيمته. وثمّة مفارقةٌ لا تخفى: هذا المجلس نفسه سبق أن أبطل قانون تمديد ولاية أعضاء مجلس القضاء الأعلى (القانون 327/2024) استناداً إلى مبدأ فصل السلطات ووضوح المناقشات البرلمانية، فكيف يبتّ مجلسٌ ممدَّدٌ له بحكم الواقع بقانونٍ صادرٍ عن مجلسٍ نيابيٍّ مدَّد لنفسه؟ إنّها معادلة «القاضي في قضيّته» بصيغتها المؤسسية.

غير أنّ هذه الوجاهة تصلح سبباً لرسالةٍ خطّيةٍ إلى الرؤساء الثلاثة، أو لبيانٍ علنيٍّ يضع السلطتين أمام مسؤوليتهما، أو حتى لاستقالةٍ جماعيةٍ وهي أشرف الطرق حين يفقد القاضي قناعته بشرعية تشكيله؛ ولا تصلح سنداً لتعطيلٍ صامت. ذلك أنّ الضغط على السلطة السياسية بحرّية الناس ليس اجتهاداً بل مساومة، والقاضي الذي يجعل من المتقاضين ورقةً تفاوضيةً في وجه المشرّع يفقد بالضبط ما يزعم الدفاع عنه: الشرعية. ثم إنّ في الأمر خللاً منطقياً إضافياً: إذا كان المجلس غير صالحٍ للبتّ، فهو غير صالحٍ لوقف مفعول القانون؛ وإذا كان صالحاً لوقف المفعول فهو صالحٌ للبتّ. لا يستقيم أن تكون الصلاحية قائمةً حين تُعطِّل، زائلةً حين تُقرِّر.

في الخلفيات السياسية وقراءتها بموضوعية

لم يكن العفو العام في لبنان يوماً مسألةً جزائيةً صرفاً. منذ قانون العفو العام رقم 84/1991 الذي طوى صفحة الحرب من دون أن يطوي أسبابها، ظلّ العفو أداةً من أدوات التسوية بين الطوائف والقوى، يُفتح ملفّه كلّما احتاج النظام إلى صمّام أمان، ويُغلق كلّما اختلّت المقايضة. ومن يقرأ قانون 70/2026 بعين المحامي يجد فيه نصّاً؛ ومن يقرأه بعين السياسة يجد فيه جدول توزيعٍ للأرباح والخسائر بين المكوّنات.

في جانبٍ من المعادلة: الموقوفون الإسلاميون في رومية وملفّهم المفتوح منذ أكثر من عقد، والموقوفون في قضايا المخدّرات في البقاع، واللبنانيون الذين تطرح عودتهم من إسرائيل مسألةً قانونيةً وسياسيةً شائكة، وآلاف الموقوفين احتياطياً من دون محاكمةٍ في سجونٍ تجاوزت طاقتها. وفي الجانب الآخر: أهالي شهداء الجيش وقوى الأمن، والتيار الوطني الحرّ الذي رفع شعار رفض المقايضة على دم العسكريين وترجمه طعناً، ومنظماتٌ حقوقيةٌ تخشى أن يتحوّل العفو إلى ترسيخٍ للإفلات من العقاب. والحقيقة الموضوعية أنّ كلا الفريقين يملك حجّةً معتبرة، وأنّ الخلل ليس في أنّ لهما حجّتين، بل في أنّ المشرّع أراد أن يُرضي الاثنين في نصٍّ واحدٍ فأنتج نصّاً ملتبساً هو نفسه مصدر المآخذ الدستورية عليه.

والطعن، بدوره، جزءٌ من اللعبة كما أنّ العفو جزءٌ منها. فمن دفع بالقانون أراده كاملاً بلا استثناءاتٍ موجعة، ومن طعن به أراد إمّا إسقاطه وإمّا تفكيك توازناته. ووجد المجلس الدستوري نفسه، كعادته في كلّ محطّةٍ كبرى، في موقع من يُطلب إليه أن يوقّع باسم القانون على تسويةٍ لم يشارك في صنعها ولا يملك أدوات إصلاحها.

أمّا الشغور في المجلس نفسه فهو صناعةٌ سياسيةٌ بامتياز. فمنذ انتهاء ولاية الأعضاء لم تُنجز التعيينات، لا لعجزٍ دستوريٍّ ولا لنقصٍ في المرشّحين، بل لأنّ التوزيع الطائفي للمقاعد العشرة وحسابات الأحجام بين الكتل عطّلت كلّ محاولة، تماماً كما عطّلت قبلها التعيينات القضائية والإدارية. وهكذا تُصنَع الأزمة بالإهمال، ثمّ يُحتجّ بها بوصفها قدراً. وحين تصبح نتيجةُ التقصير عذراً لمزيدٍ من التقصير، نكون قد بلغنا الطور الأخير من تحلّل المؤسسات.

وثمّة قراءةٌ ثالثةٌ لا يجوز إسقاطها من الحساب، وإن وجب التعامل معها بحذر: أنّ التعليق المفتوح يخدم عملياً من لا يريد لهذا القانون أن يُنفَّذ، ولا يريد في الوقت نفسه أن يتحمّل الكلفة السياسية لإبطاله علناً أمام آلاف العائلات. وهذه هي الصيغة اللبنانية المفضَّلة على الدوام: ألّا يُتَّخذ قرار، فيتحمّل الزمنُ مسؤوليةَ ما لا يجرؤ الأشخاص على تحمّله. وسواء صحّت هذه القراءة أم لم تصحّ، فإنّ مجرّد إمكان قيامها هو بذاته إدانةٌ للوضع القائم: لأنّ القضاء الدستوري يُقاس، قبل كلّ شيء، بقدرته على ألّا يكون محلّ ظنّ.

في الخلاصة والنتيجة

بناء على ما تقدم، فان قرار وقف المفعول رقم 10/2026 سليمٌ في مبدئه. فهو تدبيرٌ احتياطيٌّ مؤقّتٌ تجيزه النصوص صراحةً، ولا يجوز حمله على أنّه حكمٌ مسبقٌ بعدم الدستورية، ولا استخلاص موقف المجلس من الأساس منه. غايته صون المراكز القانونية ومنع ترتيب نتائج يتعذّر تداركها.

لكنّ الامتناع عن تعيين مقرِّر، إن ثبت، يشكّل مخالفةً صريحةً للمادة 20 المعدَّلة من القانون 250/93 وللمادة 23 من النظام الداخلي. فالتعيين اختصاصٌ مقيَّدٌ (compétence liée) لا سلطةٌ استنسابية: صيغة النصّ إخباريةٌ آمرة، «يعيّن الرئيس» ، لا تخييرية.

أما حجّة عدم الصلاحية تنقضها المادة 7 من نظام المجلس، التي تشكّل بذاتها السند التشريعي لاستمرار الأعضاء. ومن استمدّ منها سلطة وقف مفعول قانون، لا يسعه أن يتنكّر لها عند استكمال النظر.

لذا، فالنتيجة العملية ليست سقوط قانون العفو، بل تجميده المفتوح. وهو أسوأ من السقوط، لأنّه يحرم البرلمان من فرصة التصحيح التشريعي التي كان سيتيحها قرارُ إبطالٍ معلَّل، ويحرم المستفيدين من أيّ يقين، ويضع القضاء الجزائي أمام نصٍّ لا يعرف أنافذٌ هو أم لا.

وعليه، المطلوب فوراً وعلى ثلاثة مستويات: أن يبادر مجلسا النواب والوزراء إلى إتمام تعيين أعضاء المجلس الدستوري العشرة من دون مماطلةٍ ولا مقايضة، فالمسؤولية الأولى عن هذا المأزق مسؤوليتهما لا مسؤولية القضاء؛ وأن يُعيَّن المقرِّر ويُصدر المجلس قراراً معلَّلاً ضمن المهل، سواء بالردّ أو بالإبطال الكلّي أو الجزئي؛ وأن يتحمّل مجلس النواب، في حال الإبطال الجزئي، مسؤولية إعادة صياغة النصّ بما يعالج العيوب بدل إعادة إنتاجها.

وعلى المدى الأبعد، لا بدّ من تعديل القانون 250/1993 في ثلاث نقاط: جعل مهلة البتّ تسري من تاريخ تسجيل المراجعة لا من تاريخ التقرير، أسوةً بالمادة 61 من الدستور الفرنسي؛ وإقرار آليةٍ تلقائيةٍ لتعيين المقرِّر، سواء بالأقدمية أو بالقرعة، وذلك عند تخلّف الرئيس عن التعيين خلال مهلةٍ محدَّدة؛ وربط التعيينات في المجلس بمهلٍ ملزمةٍ تحت طائلة اعتبار الترشيحات المستوفية حاصلةً حكماً. فالثغرة التي كشفها هذا الملفّ ستتكرّر حتماً ما دام النصّ على حاله.

ختاما، تُقاس متانة المؤسسة الدستورية لا بقدرتها على القول فحسب، بل بعجزها عن الصمت. فالصمت في القضاء الدستوري ليس تحفّظاً ولا حكمةً ولا حياداً؛ إنّه نوعٌ من الأحكام: حكمٌ لا يُعلَّل، ولا يُنشر، ولا يُراجَع، ولا يتحمّل أحدٌ مسؤوليته. ومن هنا خطورته: لأنّه يجمع سلطة القرار إلى انعدام المساءلة، وهي المعادلة التي وُجد القضاء الدستوري أصلاً لمنع قيامها في أيّ موقعٍ من مواقع الدولة.

وإذا كان لا بدّ من كلمةٍ أخيرة، فهي أنّ اللبنانيين لم يعودوا يسألون عن عدالةٍ ناجزة؛ صاروا يسألون عن عدالةٍ تُنطَق. وبين قانونٍ لا يُطبَّق وقرارٍ لا يصدر، يقيم اليوم آلافُ السجناء وعائلاتهم في برزخٍ لم ينصّ عليه دستورٌ ولا قانون. وحين يصير الفراغ مصدراً من مصادر القاعدة القانونية، تكون الدولة قد استبدلت، من دون أن تعلن ذلك، مبدأَ سيادة القانون بمبدأ سيادة التأجيل. والله من وراء القصد.