د. أيمن عمر

الأسعار... الشغل الشاغل لكل مواطن

6 دقائق للقراءة


لم يعد اللبناني يحتاج إلى قراءة مؤشر اقتصادي كي يشعر بأن الأسعار عادت إلى الارتفاع. يكفي أن يتوجه إلى محطة الوقود، أو يشتري حاجاته الغذائية، أو يدفع فاتورة الكهرباء والنقل، ليدرك أن مرحلة البطء في التضخم التي عرفها لبنان خلال جزء من عامي 2024 و2025 بدأت تتعرض لضغوط جديدة. المشكلة أن لبنان لا يدخل اليوم أزمة تضخمية من نقطة الصفر، بل يواجه ارتفاعاً جديداً فوق مستويات سعرية كانت قد ارتفعت أصلاً إلى أضعاف ما كانت عليه قبل الأزمة.

بعدما بلغ التضخم السنوي في لبنان 221.3% عام 2023، تراجع إلى 45.2% عام 2024 ثم إلى 14.6% عام 2025. لكن هذا التراجع لا يعني أن الأسعار انخفضت؛ بل يعني أن سرعة ارتفاعها أصبحت أقل. وتظهر أرقام إدارة الإحصاء المركزي أن التضخم السنوي شهد مساراً متقلباً خلال 2026: فقد بلغ 20.02% في نيسان، ثم تراجع إلى 19.04% في أيار، و17.25% في حزيران، و15.69% في تموز، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 16.66% في آب، مع ارتفاع شهري بلغ 1.40% مقارنة بتموز. وقد سجل مؤشر الخبز والحبوب وحده ارتفاعاً بنسبة 1.82% خلال شهر آب. وهذا يعني أن التضخم لم يختفِ، بل تذبذب صعوداً وهبوطاً حول مستوى مرتفع، بينما بقي مستوى الأسعار عالياً جداً. وتتوقع مجموعة البنك الدولي أن يبلغ متوسط التضخم في لبنان 17.5% خلال عام 2026 ككل، مع استمرار الضغوط الناجمة عن اضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن وأسعار النفط.


المحروقات المؤشر الأهم

أبرز دليل على عودة الضغوط السعرية يأتي من قطاع المحروقات. وبالمقارنة الاسمية بين نهاية 2019 وجدول 22 أيلول 2026، ارتفع البنزين نحو 116 ضعفاً، والمازوت نحو 162 ضعفاً، وقارورة الغاز نحو 87 ضعفاً. حتى الغاز المنزلي، الذي لم يواصل الصعود بسرعة البنزين والمازوت في الفترة الأخيرة، صار أغلى عشرات المرات بالليرة مما كان قبل الأزمة. البنزين لم يرتفع من 24,500 ليرة إلى 2.834 مليون فقط، بل ارتفع أيضاً من 16.3 إلى 31.7 دولاراً، فالقيمة بالدولار هي المقياس الأهم. والمازوت زادت كلفته بالدولار أكثر من مرتين ونصف. وهذه ليست زيادة هامشية بالنسبة إلى الأسرة اللبنانية. فكل ارتفاع في المحروقات ينتقل تدريجياً إلى كلفة النقل، وتوزيع السلع، والتبريد، والإنتاج، والخدمات، وبالتالي إلى أسعار مجموعة واسعة من السلع. والمشكلة أن سعر النفط العالمي نفسه شهد تقلباً حاداً في أيلول: فقد قفز خام برنت نحو 4% في جلسة واحدة ليسجل 107.32 دولاراً للبرميل في 24 أيلول، وسط مخاوف جيوسياسية متصاعدة واضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قبل أن يتراجع نحو 2% في اليوم التالي مع ترقب الأسواق لاحتمال هدنة بين واشنطن وطهران، ليبقى مع ذلك فوق 105 دولارات، أي أعلى بكثير من مستوياته في مطلع العام.


ارتفاعات متزامنة

لماذا يشعر المواطن بأن الأسعار تفلتت من جديد؟ لأن الأسرة اللبنانية لا تواجه ارتفاعاً واحداً، بل مجموعة من الارتفاعات المتزامنة. فارتفاع البنزين يعني كلفة أكبر للذهاب إلى العمل والجامعة والمدرسة. وارتفاع المازوت يرفع كلفة النقل والمولدات وبعض الأنشطة الإنتاجية. أما ارتفاع الطاقة فينعكس على المؤسسات التجارية والصناعية وعلى أسعار الخدمات. وهكذا يتحول ارتفاع سعر سلعة واحدة إلى موجة من الزيادات غير المباشرة. وتظهر بيانات إدارة الإحصاء المركزي أن آذار 2026 شهد وحده ارتفاعاً شهرياً في مؤشر الأسعار بنسبة 4.91%، بينما ارتفع مؤشر أسعار المحروقات بنسبة 36.48% خلال شهر واحد، في ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً والتوترات الإقليمية. وما زال الاتجاه نفسه قائماً بعد أشهر: ففي آب 2026 سجل المؤشر العام ارتفاعاً شهرياً بلغ 1.40%، توزع على المحافظات بتفاوت لافت، إذ سجلت النبطية أعلى نسبة بين جميع المحافظات بلغت 2.12%، تلتها جبل لبنان بـ1.75%، ثم الشمال بـ1.09%، بينما جاءت بيروت الأقل ارتفاعاً بـ0.50%. وأشارت الإدارة إلى أن جمع الأسعار في محافظة النبطية واجه صعوبات بسبب الأوضاع الراهنة، ما يزيد من احتمال أن يكون الرقم الفعلي فيها أعلى مما تعكسه العينة. وهذا التفاوت الجغرافي مهم جداً، لأنه يبيّن أن ارتفاع كلفة الطاقة لا يبقى محصوراً في محطات الوقود ولا في منطقة واحدة، بل يتحول إلى تكلفة إضافية تتفاوت حدتها بين المناطق الأشد اعتماداً على النقل والمولدات.


مشكلة القدرة الشرائية

الأخطر من ارتفاع الأسعار هو أن المواطن لا يقيس التضخم كنسبة مئوية؛ بل يقيسه بعدد الأوراق النقدية التي يحتاج إليها لشراء حاجاته. ففي نهاية 2019 كانت صفيحة البنزين 95 أوكتان في حدود 24.5 ألف ليرة، بينما أصبحت وفق جدول 22 أيلول 2026 نحو 2.834 مليون ليرة. أي أن السعر الاسمي ارتفع نحو 116 ضعفاً. لكن الانهيار النقدي يفسر جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع، ولذلك فإن المقياس الأكثر أهمية هو: ماذا حدث للسعر الحقيقي وللدخل الحقيقي؟ بالدولار، ارتفعت الصفيحة من 16.3 إلى 31.7 دولاراً، أي بنحو 95%، وهو رقم أقرب إلى الارتفاع الحقيقي في كلفة المعيشة من رقم المئة والست عشرة مرة بالليرة. هنا تكمن المعضلة. 


تضخم متراكم

الخطأ في قراءة الوضع الحالي هو التعامل مع انخفاض التضخم وكأنه انخفاض في الأسعار. فعندما يرتفع السعر من 100 إلى 200، ثم يرتفع من 200 إلى 230، يكون التضخم قد تباطأ، لكن السعر لم ينخفض؛ بل أصبح أعلى بـ 130% من مستواه الأول. وهذا تحديداً ما حدث في لبنان. لقد انتقل الاقتصاد من مرحلة الانفجار السعري إلى مرحلة تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة، مع موجات ارتفاع جديدة كلما تعرضت أسعار النفط أو سعر الصرف أو كلفة الاستيراد لصدمات إضافية. 

المواطن يدفع الفاتورة مرة أخرى، فالمشكلة الاجتماعية والاقتصادية الأهم هي أن ارتفاع الأسعار يأتي فوق سنوات من تآكل القدرة الشرائية. فالموظف الذي فقد جزءاً كبيراً من دخله الحقيقي خلال الأزمة لا يستطيع ببساطة تحمل ارتفاع جديد في كلفة النقل والغذاء والطاقة. وهنا تتحول المسألة من مجرد مشكلة تضخم إلى مشكلة إرهاق معيشي. كل زيادة في البنزين تعني اقتطاع جزء إضافي من الراتب. وكل زيادة في المازوت تعني ارتفاعاً محتملاً في كلفة الخدمات والسلع. وكل ارتفاع في الغذاء يعني تقليص كمية الاستهلاك أو الانتقال إلى سلع أقل جودة.

في الوقت الذي تواصل فيه كلفة المعيشة التهام ما تبقى من مداخيل الأسر اللبنانية، تغيب عن المشهد أي استراتيجية جدية أو حلول هيكلية. فبدلاً من الشروع في إصلاحات جذرية تعيد بناء الاقتصاد على أسس منتجة، تكتفي الجهات المعنية بسياسة "التعايش" مع الأزمة وتثبيت سعر الصرف النقدي ظاهرياً، متجاهلة أن تآكل القدرة الشرائية يحول المجتمع تدريجياً نحو الفقر المدقع. 

لهذا فإن المؤشر الحقيقي للتعافي الاقتصادي لا يجب أن يكون فقط انخفاض التضخم أو استقرار سعر الصرف، بل ارتفاع القدرة الشرائية الحقيقية للأسرة اللبنانية. 


 أكاديمي وباحث اقتصادي