بعد عامين على اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله، يبدو "الحزب" أمام مفارقة سياسية وتنظيمية لافتة: فهو يتراجع، لكنه لا يراجع. يخسر مواقع نفوذ، لكنه لا يعترف بالأسباب التي قادته إلى هذه الخسائر. يتبدل المشهد من حوله بسرعة، فيما لا يزال خطابه يدور حول المسلّمات نفسها التي حكمت أداءه طوال العقود الماضية.
في عالم السياسة، ليست الهزائم هي التي تقضي على الأحزاب والحركات، بل العجز عن فهم أسبابها. فالتاريخ مليء بقوى تعرضت لانتكاسات قاسية، لكنها استطاعت استعادة حضورها لأنها امتلكت الجرأة على نقد الذات ومراجعة الخيارات السابقة. أما القوى التي ترفض الاعتراف بأخطائها، فإنها تتحول تدريجيًا إلى أسيرة الماضي، وتصبح عاجزة عن التأقلم مع الوقائع الجديدة.
منذ عامين، كان يفترض أن يشهد "حزب الله" نقاشًا داخليًا واسعًا حول الخيارات التي أوصلته إلى هذا الواقع. كان يفترض أن تُطرح أسئلة جوهرية: ماذا كانت حصيلة الاستراتيجية التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية؟ ما هي الأكلاف التي ترتبت على لبنان وعلى البيئة الحاضنة لـ"الحزب"؟ وهل ما زالت الأدوات نفسها صالحة لتحقيق الأهداف نفسها؟ لكن شيئًا من ذلك لم يظهر إلى العلن، ولا تبدو هناك مؤشرات إلى مراجعة فكرية أو سياسية أو تنظيمية حقيقية.
بدلا من ذلك، استمر الخطاب نفسه، وكأن شيئًا لم يتغيّر. تُلقى المسؤولية على الخارج، وتُفسَّر الانتكاسات بالمؤامرات والضغوط الدولية والإقليمية، فيما يغيب أي نقاش جدّي حول مسؤولية الخيارات الذاتية. وهذا تحديدًا ما يجعل التراجع أكثر خطورة، لأنه يتحوّل من ظرف موقت إلى مسار دائم.
لقد كان حسن نصرالله، بالنسبة إلى "الحزب"، أكثر من أمين عام. كان رمزًا وقائدًا وصاحب كاريزما استثنائية استطاعت لسنوات طويلة أن تجمع بين القيادة العسكرية والسياسية والإعلامية. ومع غيابه، ظهرت فجوات لم يكن من السهل ملؤها. لكن المشكلة لا تكمن فقط في غياب القائد، بل في غياب الرؤية الجديدة التي تواكب مرحلة ما بعده.
اليوم، يبدو "الحزب" كمن يخوض معارك الأمس بأدوات الأمس، فيما المنطقة كلها تدخل مرحلة مختلفة. النفوذ الإيراني يواجه تحديات متزايدة في أكثر من ساحة، ولبنان يشهد تحولات سياسية وأمنية عميقة، والمجتمع اللبناني بات أكثر حساسية تجاه كلفة الصراعات المفتوحة. ومع ذلك، لا يزال "الحزب" يتعامل مع هذه المتغيرات باعتبارها أحداثًا عابرة، لا مؤشرات إلى ضرورة إعادة النظر في المسار بأكمله.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة سياسية هو أن تعتبر نفسها فوق النقد. فعندما تغيب المراجعة، تتحوّل الأخطاء إلى عقيدة، وتصبح الوقائع المزعجة مجرد تفاصيل يُراد تجاهلها. وعندما يصبح الدفاع عن الماضي أهم من التفكير في المستقبل، يبدأ الانحدار الفعلي.
لهذا، فإن المشكلة التي يواجهها "حزب الله" اليوم ليست فقط في التراجع الذي أصابه خلال العامين الماضيين، بل في غياب الاستعداد للاعتراف بأسباب هذا التراجع. فالمراجعة هي المدخل الطبيعي لأي نهوض جديد، أما الإصرار على إنكار الأخطاء فيعني أن كل أزمة ستولد أزمة أخرى، وأن كل خسارة ستفتح الباب أمام خسارة جديدة. وفي السياسة كما في التاريخ، لا تتكرر الهزائم بسبب قوة الخصوم فقط، بل أيضًا بسبب عجز المهزوم عن التعلم من تجربته.