إيلي قزح

حين تكلّمت السماء… وترك الصمت أثرًا

4 دقائق للقراءة
لم يكن الصمت غيابًا للكلام بل حضورًا كثيفًا له

لعلّ المطر الذي نزل علينا لم يكن صدفة، فبعض التكريم يأتي أحيانًا من السماء.

بهذه الجملة بدأ مؤلف كتاب «حين يترك الصمت أثرًا» أنطوان مظلوم، كلمته في ختام القداس الذي احتضنته بكركي، احتفالًا بمسيرة المطران سمير مظلوم الكهنوتية، بعد اثنتين وستين سنة من الكهنوت وثلاثين سنة من الخدمة الأسقفية.

ولم تكن الجملة مجرّد افتتاحية جميلة.

ففي ذلك المساء، بدا المطر وكأنه جزء من المشهد، وكأن السماء نفسها أرادت أن تضيف إلى المناسبة طقسًا آخر من طقوسها: أن تغسل وجه الأرض قبل أن تدخل الكنيسة في صمت الصلاة، وأن تقول، بطريقتها، إن بعض اللحظات لا تكفيها الكلمات.

كان القداس أكثر من احتفال ديني.

كان حالة روحية كاملة.

منذ اللحظة الأولى، كان الخشوع يملأ المكان. لم يكن الصمت غيابًا للكلام، بل حضورًا كثيفًا له. صمتٌ يجعل الإنسان يصغي إلى ما وراء الكلمات، إلى ذلك المكان الداخلي الذي لا تصل إليه الضوضاء.

كان هناك إصغاء.

وكانت هناك صلاة.

وكان هناك فرح أيضًا لكنّه الفرح الذي لا يحتاج إلى صخب، ولا إلى مظاهر، ولا إلى أصوات مرتفعة. فرح يشبه ابتسامة الإنسان حين يستعيد في لحظة واحدة معنى سنوات طويلة.

في حضرة المذبح، لم تكن السنوات الست والستون مجرد أرقام تُذكر في مناسبة تكريمية. كانت عمرًا كاملًا من الخدمة، تختصره رتبة القداس أكثر مما تختصره الكلمات.

ثم جاءت عظة المطران سمير مظلوم وكان فيها ما يليق بالرجل الذي تتحدث عنه.

لم تكن عظة تبحث عن صاحبها، بل عن المعنى.لم يكن فيها استعراض سنوات، ولا تعداد إنجازات، بل ذلك التواضع العميق الذي يجعل الإنسان ينظر إلى كل ما مضى ويقول في النهاية إن ما وصل إليه لم يكن ثمرة قوته وحدها بل نعمة سبقت خطواته ورافقته طوال الطريق.

وحين قال المطران، بروحه التي عرفها الناس، إن الإنسان «بنعمة الله هو ما هو عليه»، بدت العبارة كأنها تلخّص فلسفة حياة كاملة.

فالكهنوت، في جوهره، ليس ما يملكه الكاهن من سلطة، بل ما يقدمه من ذاته وليس عدد السنوات هو الذي يمنح الخدمة قيمتها، بل عدد الأرواح التي لامستها تلك الخدمة، وعدد القلوب التي خرجت من حضرة صاحبها وهي تحمل شيئًا من الرجاء.

وفي نهاية القداس، جاءت كلمة مؤلف الكتاب وكان فيها من العاطفة ما جعلها تتجاوز حدود المناسبة.

لم يتحدث عن كتاب فحسب، بل عن علاقة بالذاكرة، وعن وفاء لرجل ترك أثرًا من دون أن يبحث عنه. وكان واضحًا أن الكتاب لم يولد من رغبة في كتابة سيرة أخرى، بل من حاجة داخلية إلى أن يُقال شيء لرجلٍ اختار طوال حياته أن يقول الكثير بصمته.

وهنا تحديدًا يصبح عنوان الكتاب أكثر من عنوان: «حين يترك الصمت أثرًا».

ربما لا يوجد عنوان أكثر التصاقًا بتلك الأمسية.

فالصمت ليس دائمًا غيابًا للكلام. أحيانًا يكون الكلام وقد بلغ أعمق أشكاله.

هناك أشخاص يتركون أثرهم بالصوت، وهناك من يتركونه بالحضور، وهناك قلة يتركونونه بالصمت.

المطران سمير مظلوم ينتمي، كما بدا في تلك الأمسية، إلى هؤلاء الذين لا يحتاجون إلى أن يكونوا في مركز الصورة كي يكونوا في قلب المشهد.

يمرّون بهدوء، لكنهم لا يمرّون عابرين.

يصمتون، لكن صمتهم لا يذهب سدى.

ويغادرون المكان، بينما يبقى شيء منهم فيه.

ولعل أجمل ما في الأمسية أن الكتاب لم يكن وحده الذي يحمل عنوانه؛ كانت الأمسية نفسها تجسيدًا له.

القداس ترك أثرًا.

الصمت ترك أثرًا.

العظة تركت أثرًا.

الكلمة الختامية تركت أثرًا.

وحتى المطر الذي هطل على بكركي ترك أثره، كأنه فاصلة من السماء بين فصلين من الحكاية.

أما الغلاف الذي صممه وأخرجه نيكولا مظلوم، فكان بدوره قراءة بصرية ذكية لفكرة الكتاب.

لم يحاول أن يصرخ كي يجذب العين، بل اختار أن يترك مساحة للصمت. وفي زمن أصبحت فيه الصورة أحيانًا أكثر ضجيجًا من مضمونها، جاء الغلاف هادئًا، مقتصدًا، يعرف أن الجمال لا يحتاج دائمًا إلى كثرة التفاصيل.

وكأن المصمم فهم الفكرة الأساسية للكتاب: أن ما لا يُقال قد يكون أبلغ مما يُقال.

وهكذا، خرجنا من كنيسة القيامة ونحن نشعر أننا لم نحضر حفل توقيع كتاب بالمعنى التقليدي.

لقد حضرنا لحظة امتنان.

لحظة صلاة.

لحظة ذاكرة.

ولحظة إنسانية نادرة اجتمعت فيها الكنيسة والكتاب والكلمة والصمت والمطر في مشهد واحد.

وربما كان أجمل ما يمكن أن يُقال في نهاية تلك الأمسية هو أن السماء لم تكن وحدها التي أمطرت.

ففي الداخل أيضًا، كان شيء ما ينزل بهدوء على القلوب:

نعمةٌ تشبه المطر،

وصمتٌ يشبه الصلاة،

وذكرى… تركت أثرًا.

وهكذا، حين انتهى القداس وانطفأت الأضواء وغادر الناس، بقي العنوان معلّقًا في فضاء الكنيسة، لا على غلاف الكتاب فقط:

حين يترك الصمت أثرًا.