فاروق غانم خداج

من أسر الحرف إلى معراج الذات

قراءة نقدية في المشروع العرفاني لرائد سامي شهيّب

4 دقائق للقراءة

لا يبدأ مشروع رائد سامي شهيّب من إجابة جاهزة، بل من سؤال يتصل بعلاقة الإنسان بما يعتقد أنه يعرفه. ففي كتابه "تمرّد المعنى على الحرف: تجربة عرفانية مستقاة من نهج السِّدها"، الصادر عن "دار النهار" في طبعته الأولى عام 2026، في 128 صفحة موزّعة على اثني عشر فصلا، يضع الكاتب العلاقة بين الحرف والمعنى أمام اختبار يتجاوز اللغة إلى المعرفة والتجربة. ويأتي كتابه الثاني "معراج تسامي الهمم" (دار النهار للنشر-2026) امتدادًا لهذا المسار، بحيث يبدو الكتابان مشروعًا واحدًا ينتقل من تحرير المعنى من جمود الحرف إلى مساءلة الذات ومركزية الأنا.


تصوّف ولاهوت

تشكّلت تجربة شهيّب المهنية في الاقتصاد وبناء الشركات، قبل انفتاحه على التصوّف الإسلامي واللاهوت المسيحي وحكمة اليونان وعلم النفس والتقاليد الروحية الشرقية. ويعرّف نفسه بأنه "اللامنتمي"، في دلالة على مسار معرفي لا يريد أن يحصر البحث عن الحقيقة داخل منظومة واحدة. وترتبط هذه الرحلة، كما يقدّمها شهيّب، بتجربة شخصية عند حافة الموت، لحظة بدا فيها كثير من المسلّمات أقل ثباتًا مما كانت تبدو عليه. وتكشف إهداءات الكتاب عن البعد الشخصي لهذا المسار، ولا سيما إهداؤه إلى والدته وإلى معلّمه الهندي بال بانديان، المنتمي إلى سلالة السِّدها.

السؤال الذي يقترحه عنوان الكتاب الأول ليس تمرّدًا على اللغة، بل على جمودها عندما تتحوّل من نافذة إلى جدار. فالحرف يستطيع أن يدلّ على المعنى، لكنه لا يستنفده، والعبارة قد تشير إلى التجربة من دون أن تحلّ محلها. وهنا تبرز مفارقة أساسية: كيف يمكن لكتاب أن يحرّر المعنى من أسر الحرف، وهو لا يستطيع الوصول إلى القارئ إلا عبر الحروف؟ لعلّ المقصود ليس إلغاء اللغة، بل الاعتراف بحدودها.


المعرفة بين القول والتجربة

لا يقدّم شهيّب نفسه صاحب حقيقة نهائية، بل سائرًا في طريقها. لذلك يتحرّك النص بين الروحي والفلسفي والنفسي والتجريبي، أكثر مما يبني نسقًا فلسفيًا مكتملا. وهذه سمة تمنحه طابعًا تأمليًا، لكنها تجعل بعض المقارنات بين التقاليد الروحية بحاجة إلى مزيد من التحديد؛ فوجود تشابهات بين التصوّف الإسلامي واللاهوت المسيحي والحكمة اليونانية والتقاليد الشرقية لا يعني بالضرورة تطابق مرجعياتها أو معانيها.

وتظهر إحدى أكثر أفكار الكتاب إثارة في مفهوم التسليم. يقول شهيّب: "التسليم يحدث حين يتوقف كل مجهود" (ص. 116)، ويكتب: "الإيمان لا يولد من ضمان النتائج" (ص. 120). هنا لا يعود التسليم استسلامًا سلبيًا، بل تخلّيًا عن وهم السيطرة المطلقة. غير أنّ هذا التصوّر يفتح سؤالا نقديًا مهمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يتخلّى عن التحكّم في النتائج من دون أن يتخلّى عن مسؤوليته في الاختيار والفعل؟ وهل التسليم نقيض الإرادة، أم تحرير لها من هيمنة الأنا؟

يتقدّم هذا السؤال في "معراج تسامي الهمم". فإذا كان الكتاب الأول يضع الحرف تحت المساءلة، فإنّ الكتاب الثاني يضع الذات تحت المساءلة. فالهمّة لا تُطرح مجرّد قوة لإثبات الإرادة الفردية، بل حركة تتجه من مركزية الأنا إلى الثقة والتلقّي والتسليم. ومن هنا تتصل فكرة المعراج بالارتقاء الداخلي: ليس المهم أن يمتلك الإنسان معنى، بل أن يتغيّر به.

لكن التجربة الشخصية، مهما بلغت من العمق، لا تتحوّل تلقائيًا إلى معرفة عامة. وهنا تبرز مسألة معرفية أساسية في المشروع: ما الذي يجعل الانكشاف الشخصي قابلا للمشاركة؟ وكيف نميّز بين حقيقة التجربة بالنسبة إلى صاحبها وبين تعميم تفسيرها على الآخرين؟ إنّ الاعتراف بحدود العقل أمام التجربة الروحية لا يستدعي إلغاء دوره؛ فالعقل يستطيع أن يسائل التجربة، ويميّز الخبرة الذاتية من الادعاء العام.

ومن هنا تبدو قيمة الكتابين في أنّهما يدفعان إلى التفكير في المسافة بين القول والتجربة. الكلمة تشير إلى الطريق، لكنها ليست الطريق؛ والمعرفة التي لا تترك أثرًا في صاحبها تظلّ معلومات، مهما بدا خطابها عميقًا.

وعلى الرغم من كثافته التأملية، وبعض المواضع التي تحتاج إلى مزيد من التفصيل والمقارنة، يطرح مشروع شهيّب أسئلة تتجاوز الكتابين: كيف نبحث عن المعنى من دون أن نحوّله إلى يقين مغلق؟ وكيف نمارس الإرادة من دون وهم السيطرة؟ وكيف نقبل ما يتجاوز قدرتنا على الفهم من دون أن نتنازل عن مسؤوليتنا في الفعل؟

الحرف ليس عدوّ المعنى، كما أنّ العقل ليس عدوّ العرفان، والإرادة ليست نقيض التسليم. ولعلّ قيمة الرحلة كلّها تكمن في إبقاء هذه التوترات مفتوحة على التفكير، لا في إغلاقها بإجابة نهائية.

فماذا يبقى من الحرف عندما ينفتح على المعنى، وماذا يبقى من المعرفة إذا لم تترك أثرًا في الإنسان؟