بلغ تراجع سيادة الدولة في لبنان حدًّا يستدعي مساءلة جدية للسلطة السياسية عن قدرتها في تنفيذ قراراتها، وفي مقدمها حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. فالمشكلة تتجاوز وجود تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة إلى عجز المؤسسات عن فرض القانون، وحماية استقلال القضاء، ومحاسبة من تثبت مسؤوليتهم عن الجرائم والفساد ونهب المال العام. ولا تستقيم سيادة تُعلن في المواقف الرسمية، فيما يبقى تنفيذها خاضعًا لموازين القوى والحماية السياسية.
وفي قلب هذه الأزمة يقف سلاح حزب الله، وصلاته بإيران، وما يثيره استمرار قراره العسكري المستقل من إشكالات تمس سلطة الدولة وحرية قرارها. وتتحمل القوى السياسية التي توفر غطاءً لبقاء السلاح خارج المؤسسات مسؤولية سياسية عن استمرار هذا الخلل. أما المسؤولية الجنائية عن تمويل أنشطة غير مشروعة أو تسهيلها، فلا تُحسم بالمواقف السياسية، وإنما بالأدلة والتحقيق والمحاكمة.
ويتصل بذلك مطلب العدالة في الاغتيالات السياسية وانفجار مرفأ بيروت، وفي ملفات الفساد وتبييض الأموال والتصرف بأموال المودعين. فاستعادة الدولة لا تكتمل بتسليم السلاح وحده، ما لم يصاحبها قضاء مستقل يستطيع التحقيق والمحاسبة، وإدارة تُخضع المال العام للرقابة. وإعادة إعمار الجنوب، وهي حق لأهله ومسؤولية على الدولة، يجب أن تتم بشفافية تمنع تحويل الأموال إلى شبكات حزبية أو عسكرية؛ وأي اتهام بحدوث ذلك يحتاج إلى إثبات محدد.
من هنا يبرز السؤال: إذا تعذّر على المؤسسات اللبنانية إنهاء ازدواجية السلاح وكسر الحماية السياسية للإفلات من العقاب، فهل يستطيع مجلس الأمن اتخاذ قرار بموجب الفصل السابع يجمع بين نزع سلاح الميليشيات ومواجهة الشبكات التي تعرقل سيادة الدولة؟ الإجابة تقتضي التمييز بين ما يجيزه القانون، وما يسمح به ميزان القوى الدولي، وما يمكن تنفيذه من دون دفع لبنان إلى نزاع أوسع.
أولًا: نزع سلاح الميليشيات من الالتزام الدولي إلى التنفيذ الملزم
لم تعد المطالبة بنزع سلاح الميليشيات في لبنان تحتاج إلى إثبات أصلها القانوني؛ فالقرار 1559، الصادر عام 2004، دعا صراحةً إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع أسلحتها، وإلى بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها. وقد وضع بذلك أساسًا دوليًا واضحًا لإنهاء ازدواجية السلاح والسلطة.
وأكد القرار 1701، الصادر عام 2006، هذا الاتجاه، من خلال التشديد على بسط سلطة الدولة وتنفيذ الأحكام المتعلقة بنزع سلاح الجماعات المسلحة، إلى جانب الترتيبات الأمنية الخاصة بالجنوب واحترام الخط الأزرق وانسحاب القوات الإسرائيلية. ومن ثم، فإن تنفيذ القرار كاملًا يقتضي تمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها، وإنهاء وجود قوة مسلحة مستقلة عن مؤسساتها، وإلزام جميع الأطراف باحترام أحكامه.
أما القرار 2790 لعام 2025، فقد حدد التمديد الأخير لولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب منظم وآمن خلال سنة. ويضع هذا الترتيب مسألة قدرة الدولة على تولي المسؤولية الأمنية أمام استحقاق واضح، ويزيد ضرورة الانتقال من تأكيد حصرية السلاح إلى تحديد وسائل تنفيذها. لكنه لا يتضمن، بذاته، تفويضًا جديدًا لعملية عسكرية عامة لنزع سلاح الميليشيات.
وهنا تظهر أهمية الفصل السابع. فإذا قرر مجلس الأمن، وفق المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، أن استمرار التشكيلات المسلحة خارج سلطة الدولة وما يرتبط بها من أعمال يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، فإنه يستطيع اتخاذ تدابير ملزمة لمعالجة هذا التهديد. وتجيز المادة 41 تدابير غير عسكرية، فيما تتيح المادة 42 اللجوء إلى إجراءات عسكرية إذا رأى المجلس أن التدابير غير العسكرية ستكون غير كافية، أو ثبت عدم كفايتها. ولا يشترط هذا النص استنفاد العقوبات أولًا، متى قرر المجلس أنها لن تفي بالغرض.
وعليه، يستطيع المجلس إصدار قرار يلزم الميليشيات بتسليم أسلحتها ضمن مهلة محددة، ويفوض جهة دولية محددة، بالتعاون مع الجيش اللبناني، باستخدام الوسائل الضرورية، بما فيها القوة عند الاقتضاء، لتنفيذ نزع السلاح ضمن نطاق واضح. وتؤكد ممارسة مجلس الأمن أنه يستطيع تفويض استخدام القوة لبعثة أممية أو قوة متعددة الجنسيات، بحسب المهمة التي يحددها. وبذلك يكون التنفيذ القسري خيارًا قانونيًا متاحًا حين تتوافر شروطه ويصدر التفويض الصريح به.
ولكي يكون القرار قابلًا للتنفيذ، ينبغي أن يحدد التشكيلات المشمولة بنزع السلاح، ومهل التسليم، وإجراءات جمع الأسلحة والتحقق منها، والجهة المخولة بالتنفيذ، وترتيبات القيادة والتنسيق مع الجيش اللبناني. كما ينبغي أن ينص على التزام السلطات اللبنانية والجهات المسلحة بالتعاون، وعلى منع عرقلة المهمة أو إعادة التسليح، وعلى واجبات الدول في وقف الإمدادات المحظورة وتنفيذ التدابير المقررة. ويجب أن يقترن التفويض بضوابط استخدام القوة وحماية المدنيين، وبآلية رقابة وتقارير دورية إلى مجلس الأمن.
وفي هذا الإطار، تكتسب مشاركة الجيش اللبناني أهمية أساسية، لأنه المؤسسة الوطنية المعنية ببسط سلطة الدولة. ويمكن تصميم المهمة الدولية لدعم قدرته على تنفيذ نزع السلاح، مع تحديد مسؤولياته ومسؤوليات القوة الدولية بدقة، وتأمين الموارد اللازمة للمهمة. فلا تكفي عبارة «بالتعاون مع الجيش» ما لم تُترجم إلى ترتيبات تنفيذية واضحة تمنع تضارب القيادة أو تعطيل العمليات.
وتسند المواد 25 و48 و49 من الميثاق هذا البناء: فهي تقر التزام الدول الأعضاء بتنفيذ قرارات المجلس، وتنظم مساهمتها في الإجراءات التي يقررها، وتلزمها بتقديم المساعدة المتبادلة لتنفيذها. أما الالتزامات المباشرة المفروضة على الميليشيات وسائر الجهات المعنية، فينبغي أن ترد صراحةً في منطوق القرار، بما يمنع الالتباس بشأن واجب تسليم السلاح والتعاون وحظر العرقلة.
ولا يشكل رفض الميليشيات، بذاته، مانعًا قانونيًا أمام تنفيذ تفويض قسري صحيح صادر عن مجلس الأمن. فإذا ألزمها القرار بتسليم السلاح وأجاز استخدام القوة لتنفيذ هذا الالتزام، فلا يكون التنفيذ متوقفًا على موافقتها. وتبقى الجهة المنفذة ملزمة بحدود التفويض وبالقانون الدولي الواجب التطبيق؛ فالحزم في إنفاذ القرار يقتضي وضوح المهمة وضبط وسائلها.
لذلك، فإن المطالبة بقرار جديد تحت الفصل السابع يجب أن تتجه إلى سد الفجوة بين الالتزام والتنفيذ: قرار يحدد واجب نزع السلاح، ويلزم الجهات المعنية بالتعاون، ويعين الجهة القادرة على إنفاذه بالتعاون مع الجيش اللبناني، ويفوضها باستخدام القوة عند الاقتضاء. فمجلس الأمن يملك الأدوات القانونية اللازمة لهذا المسار؛ أما اعتماد القرار وتنفيذه فعليًا، فيتطلبان توافقًا دوليًا وقوة مجهزة وإرادة تنفيذية. وبقاء هذه المتطلبات سياسية وعملية لا يلغي الصلاحية القانونية، ولا يمنح التشكيلات المسلحة حق تعطيلها.
ثانيًا: محاسبة المسؤولين عن تغطية الميليشيات وحمايتها وتعطيل سيادة الدولة
لا تكتمل معالجة السلاح خارج الدولة بمطالبة الميليشيات بتسليم أسلحتها، فيما تبقى شبكات التمويل والحماية السياسية والإدارية قادرة على تعطيل التنفيذ وإعادة إنتاج المشكلة. لذلك، يمكن أن يتضمن قرار صادر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، إلى جانب نزع السلاح، تدابير لمساءلة المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين والأشخاص والجهات الذين ساهموا ويساهمون في استمرار القوة المسلحة غير الخاضعة للدولة أو يعرقلون تنفيذ القرار، متى ثبت ارتباط أفعالهم بالتهديد للسلم والأمن الدوليين الذي يعالجه المجلس.
ويمكن أن تشمل معايير هذه المساءلة تقديم الأموال أو الأسلحة أو الدعم اللوجستي، وتسهيل الإمدادات غير المشروعة، وتسخير أجهزة الدولة أو مواردها لخدمة الميليشيا، وحماية أنشطتها المخالفة للقانون، وعرقلة التحقيقات أو تنفيذ تدابير نزع السلاح. كما يمكن أن تشمل التحالفات والصفقات التي يثبت أنها استُخدمت لتمكين الميليشيا من الاحتفاظ بقرارها العسكري المستقل، أو لتعطيل المؤسسات، أو لمقايضة مصالح الدولة وأمن البلاد بمنافع سياسية أو مالية.
ولهذا التصور سند في ممارسة مجلس الأمن. ففي نظام العقوبات الخاص بجمهورية الكونغو الديمقراطية، تشمل معايير الإدراج دعم أعمال تقوض السلام والاستقرار والأمن، وعرقلة نزع السلاح، وتقديم دعم مالي أو مادي لجهات مشمولة بالعقوبات. وتبين هذه الممارسة أن التدابير الدولية يمكن أن تطال الجهات الداعمة والمسهّلة، إلى جانب الفاعلين المسلحين أنفسهم. أما تطبيق هذا النهج على لبنان، فيحتاج إلى قرار جديد يحدد معاييره ونطاقه صراحةً.
وعليه، يمكن أن ينص القرار المقترح على إخضاع أي مسؤول حكومي أو سياسي أو إداري أو أمني، وأي شخص أو جهة أخرى، لتدابير موجهة إذا توافرت أدلة موثوقة تستوفي معايير الإدراج المحددة فيه. وقد تشمل هذه التدابير تجميد الأصول وحظر السفر ومنع إتاحة الأموال والموارد للجهات المدرجة، مع إنشاء لجنة عقوبات وفريق خبراء للتحقيق في شبكات الدعم، وتحديد إجراءات واضحة للإدراج والمراجعة ورفع الأسماء.
وفي الحالة اللبنانية نفسها، سبق للقرار 1636 لعام 2005 أن أنشأ إطارًا لحظر السفر وتجميد أصول أشخاص يُشتبه في ضلوعهم في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفق آلية تسجيل محددة. وهذه سابقة على إمكان اتخاذ تدابير دولية بحق أفراد في ملف لبناني، من دون أن تكون تلك التدابير حكمًا جنائيًا بالإدانة.
أما المحاسبة الجنائية، فيمكن أن يتضمن القرار التزامًا بالتعاون مع التحقيقات، وتسليم المستندات، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود، وإحالة الملفات إلى القضاء المختص. وإذا اقتضى الأمر إنشاء آلية قضائية خاصة، وجب تحديد اختصاصها والقانون الذي تطبقه وعلاقتها بالقضاء اللبناني. ويقدم القرار 1757 لعام 2007، المتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان، سابقة لإنشاء ترتيب قضائي استثنائي بموجب الفصل السابع، ضمن اختصاص محدد.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تخضع الأفعال المنسوبة إلى المسؤولين للتحقيق مهما علت مواقعهم، مع معالجة الحصانات وفق القانون والنظام القضائي المعتمد. فالمساءلة تشمل من موّل النشاط غير المشروع، ومن أصدر التعليمات لتسهيله، ومن استعمل منصبه لمنع ملاحقته، ومن عقد صفقات مكّنت الميليشيا من تقويض سلطة الدولة. لكن الإدانة الجنائية تستلزم إثبات عناصر جريمة مقررة في القانون الواجب التطبيق، واحترام مبدأ عدم رجعية التجريم وحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويجب، لهذا السبب، تعريف «التغطية» و«التحالف» و«الصفقات» بأفعال محددة. فالتحالف السياسي أو المشاركة في حكومة أو الحوار مع جهة مسلحة لا يكفي، بذاته، لإثبات مسؤولية جنائية. أما استخدام هذه العلاقة لتسهيل تمويل محظور، أو تعطيل نزع السلاح، أو حماية مرتكبي الجرائم، أو تحويل موارد الدولة إلى نشاط مسلح غير مشروع، فيوفر أساسًا ملموسًا للتحقيق والمساءلة. وبذلك يصبح الضرر الواقع على أمن الدولة وسيادتها قابلًا للإثبات، بدل أن يبقى وصفًا سياسيًا عامًا.
وينطبق الأمر نفسه على المال العام وأموال إعادة الإعمار. فإذا كشفت التحقيقات تحويلها إلى تمويل عسكري أو شبكات غير مشروعة، أو استخدامها لشراء حماية سياسية تعطل تنفيذ القرار، وجب أن تشمل المساءلة من أمر بالصرف ومن سهّله ومن استفاد منه، وفق مسؤولية كل منهم. ويمكن اتخاذ إجراءات تحفظية بشأن الأموال، فيما تتطلب المصادرة واسترداد العائدات أساسًا قانونيًا وإجراءات مختصة تحمي أيضًا حقوق المتضررين والأطراف حسنة النية.
إن إدراج هذه الأحكام في القرار يجعل نزع السلاح مقترنًا بتفكيك شبكات استمراره وحمايته. فلا يجوز أن يُطلب من الجيش تنفيذ المهمة، بينما يستخدم مسؤولون سلطاتهم أو المال العام لإفشالها. وحين تحدد الأفعال المحظورة وآليات إثباتها وعواقب ارتكابها بوضوح، تصبح محاسبة الداعمين والمعرقلين جزءًا من استعادة سيادة الدولة، وتفقد الصفقات السياسية قدرتها على توفير الحماية من المساءلة.
ثالثًا: شروط التنفيذ والمرحلة الانتقالية وحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم
قد يكون التدبير ممكنًا قانونيًا، لكنه يبقى متعذرًا سياسيًا. فاعتماد قرار موضوعي في مجلس الأمن يتطلب تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، وألا تصوت أي دولة دائمة العضوية ضده. ولذلك، تحتاج المطالبة إلى عمل دبلوماسي يشرح طبيعة التهديد، ويقدم الأدلة، ويقترح وسائل تنفيذ قابلة للتطبيق.
وتزداد صعوبة التوافق كلما اتسع المشروع ليشمل نزع السلاح بالقوة، والمساءلة، وإعادة بناء المؤسسات. ولا يكفي جمع هذه الأهداف في قرار واحد لضمان تحقيقها. فالمشروع الجدي يجب أن يحدد من ينفذ، وبأي إمكانات، وكيف يُحمى المدنيون، وما موقع الجيش اللبناني، وكيف تُمنع الترتيبات المؤقتة من التحول إلى وصاية مفتوحة.
ويقتضي المسار القابل للدفاع جعل المؤسسات اللبنانية محور استعادة السيادة، مع دعم دولي محدد المهام والمدة. ويمكن أن يجمع بين برنامج لنزع السلاح والتحقق منه، وتعزيز الجيش والقوى الأمنية، ومراقبة الحدود ومنع الإمدادات غير المشروعة، وعقوبات على المعرقلين، ودعم استقلال القضاء. وإذا اقتُرحت صلاحيات تنفيذية دولية أوسع، وجب بيان أساسها وضرورتها وآلية إنهائها.
وتقدم تجربة تيمور الشرقية سابقة مهمة. فقد أنشأ مجلس الأمن، بموجب القرار 1272 الصادر في 25 تشرين الأول 1999، واستنادًا إلى الفصل السابع، إدارة الأمم المتحدة الانتقالية في تيمور الشرقية، ومنحها مسؤولية إدارة الإقليم وصلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، بما فيها إدارة شؤون العدالة. وشملت مهمتها توفير الأمن وحفظ النظام وبناء المؤسسات والقدرات اللازمة للحكم الذاتي. وتبين هذه السابقة أن التدابير الدولية يمكن، في ظروف استثنائية، أن تجمع بين التنفيذ الأمني وإعادة بناء مؤسسات الحكم.
ولذلك، تدعم هذه التجربة إمكان تصميم ترتيبات دولية انتقالية، لكنها لا تشكل سندًا تلقائيًا لنقل صلاحيات السلطات اللبنانية إلى إدارة دولية. وفي لبنان، يمكن أن تتجه المطالبة إلى آلية مؤقتة لدعم تنفيذ نزع السلاح وحماية العدالة وتعزيز المؤسسات، على أن يستند كل اختصاص إلى أساس قانوني واضح، وأن تحدد مدة المهمة وشروط إنهائها. وتبقى الغاية تمكين الدولة من ممارسة سيادتها وضمان حرية اللبنانيين في اختيار مستقبلهم.
كما تقتضي استعادة السيادة معالجة السلاح خارج الدولة والانتهاكات الخارجية معًا. فلبنان يحتاج إلى احتكار مؤسساته قرار الحرب والسلم، وإلى حماية أراضيه وحدوده وسكانه. وهذا الترابط يمنح المطالبة الدولية مصداقيتها، ويحول دون استخدامها لخدمة حسابات إقليمية على حساب اللبنانيين.
ويتصل بذلك حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره. فالمادة الأولى المشتركة من العهدين الدوليين لحقوق الإنسان تقر هذا الحق، وتؤكد المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق المواطنين في المشاركة في الشؤون العامة وفي انتخابات تعبر بحرية عن إرادتهم. وفي الحالة اللبنانية، تتصل الحجة بحرية المواطنين في إدارة شؤون دولتهم واختيار ممثليهم من دون إكراه مسلح.
ان وجود سلاح خارج الدولة وفساد مؤسسي يهددان الأمن والسلم الدوليين ينشئان حقًا في إدارة دولية تساعد اللبنانيين على اختيار نظام دستوري جديد. ويمكن الاستناد إلى حرية المشاركة السياسية لتدعيم المطالبة بحماية الانتخابات والمؤسسات والحقوق، فيما يبقى اختيار الإصلاحات السياسية والدستورية للبنانيين، وفق أساس قانوني واضح ومشاركة حرة.
وعليه، فإن المطالبة بقرار جديد تحت الفصل السابع تستحق أن تُطرح باعتبارها مشروعًا لاستعادة سلطة الدولة، يجمع بين نزع السلاح ومساءلة شبكات دعمه وحمايته، ويحدد وسائل التنفيذ والرقابة. وإذا اقتضى الأمر تفويض استخدام القوة أو إنشاء اختصاص قضائي خاص، وجب النص عليهما صراحةً وتحديد شروطهما، بدل ترك التنفيذ رهينة التأويل والمساومات.
إن جوهر القضية هو تمكين الدولة من تنفيذ القانون، وتمكين اللبنانيين من محاسبة حكامهم واختيار مستقبلهم بحرية. فلا السلاح يمنح صاحبه حق تعطيل المؤسسات، ولا الموقع الرسمي يحصّن شاغله من المساءلة، ولا الصفقات السياسية تبرر التضحية بأمن البلاد وسيادتها. وحين يقترن الموقف السياسي الحازم بأساس قانوني دقيق وآلية تنفيذ فعلية، تصبح المطالبة الدولية مشروعًا يمكن مناقشته والعمل على تحقيقه.
المطلوب إذن أن تقترن المطالبة السياسية بأساس قانوني وآلية تنفيذ، حتى تخرج استعادة الدولة من دائرة الوعود والقرارات التي بقيت ولا تزال حبرًا على ورق.
أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ ومستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومحام عام أسبق في فرنسا ومحام بالنقض والاستئناف