عشرات الأبنية في الضاحية الجنوبية لبيروت تستقبل موسم الشتاء بشقوق كثيرة وجراح أكثر قد تؤدي إلى سقوطها في أي لحظة. فبعد وقف إطلاق النار وعودة الأهالي لتفقد بيوتهم، لم تشهد الضاحية مسحًا شاملا للأضرار، فيما أصر كثيرون على دخول بيوتهم أو النوم تحت سقوف غير آمنة، لا سيما من لا يملكون بديلا في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
على أبواب الأمطار والعواصف، يواجه سكان الضاحية تهجيرًا جديدًا بسبب عدم أهلية بيوتهم، فالبلديات لا تملك في الجيب إلا بعض الآليات لرفع الأنقاض لتسهيل حركة المرور أو المساعدة في ترميم البنى التحتية الأساسية من مياه وصرف صحي، بحسب مصدر متابع. أما إعادة الإعمار فيبدو أنها ستتأخر في ظل عدم توفّر التمويل والظروف السياسية والأمنية المناسبة.
وبما خص التعويضات التي وعد بها "حزب الله"، فهي بحسب مصدر متابع تركز على موضوع بديل الإيواء وتأمين الأثاث، علمًا أن الكثير من التعويضات المستحقة عن حرب عام 2024، لم تدفع بعد.
وبحسب مصدر بلدي، بعض الأبنية المتضررة يحتاج إلى الهدم، لكنّ البلديات لا تستطيع الحسم بهذه النقطة، والموضوع يحتاج إلى مسح هندسي عميق.
وعلى أبواب الشتاء، لا تقتصر المخاطر على احتمال انهيار مبنى متضرر بصورة مفاجئة، بل تشمل أيضًا تفاقم الأضرار الموجودة بفعل تسرب المياه إلى الشقوق والفواصل، وتضرر أنظمة تصريف مياه الأمطار، والتغيرات الحرارية والرياح. وقد تؤدي هذه العوامل إلى زيادة الأضرار في بعض الأبنية، ولا سيما تلك التي أصيبت عناصرها الإنشائية أو لم تخضع لأعمال تدعيم مناسبة، بحسب الهيئة اللبنانية للعقارات.
في المقابل، يعجز مالكو الأبنية المؤجرة عن تحمّل تكاليف الترميم والتدعيم، خصوصًا عندما تتطلب الأضرار تدخلات إنشائية تتجاوز الإصلاحات البسيطة. وفي المقابل، لا يستطيع المستأجرون دائمًا تحمّل أعباء إيجار جديد، ما يضعهم بين خطر البقاء في مبنى غير محسوم السلامة، وصعوبة الانتقال إلى مسكن آخر.
الكشف الهندسي ضرورة
في هذا السياق، تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري، أن الأبنية المتضررة والمتصدعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ملف من ملفات إعادة الإعمار، بل بوصفها قضية سلامة عامة وحق أساسي في السكن الآمن، ومسؤولية وطنية وإنسانية وقانونية لا تحتمل التأجيل.
وترى الزهيري أن الخطر يكمن في دخول فصل الشتاء من دون استكمال مسح الأبنية المتضررة وتصنيفها بحسب درجات الخطورة، واتخاذ إجراءات وقائية واضحة لحماية السكان والمارة والممتلكات المجاورة، مع مراعاة أن استمرار المخاطر الأمنية قد يعيق عمليات الكشف الميداني.
وتشدد على أن الكشف الهندسي ليس إجراءً إداريًا يمكن تأجيله إلى حين توافر أموال الإعمار، بل ضرورة لحماية الأرواح ومنع تفاقم الأضرار. كما تحذّر من التعامل مع الأضرار الإنشائية باعتبارها عيوبًا تجميلية يمكن إخفاؤها بالدهان أو تغطيتها بالإسمنت، من دون تحديد أسبابها الحقيقية. فالمعالجة السطحية قد تمنح السكان شعورًا زائفًا بالأمان، فيما تبقى المشكلة الأساسية قائمة داخل العناصر الإنشائية للمبنى.
وتلفت الزهيري إلى أن غياب التمويل لا يلغي حاجة الناس إلى مسكن آمن، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولياتها ضمن القوانين والصلاحيات المرعية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أوضاع المالكين والمستأجرين والأسر التي لا تملك القدرة على دفع تكاليف الإصلاح أو الانتقال إلى مسكن بديل.
كما تطالب بإجراء مسح هندسي ميداني موحد على الأراضي اللبنانية، بالتعاون بين البلديات والجهات الرسمية المختصة ونقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس والجهات العلمية، حيثما تقتضي الحاجة، على أن تتضمن النتائج مواقع الأبنية ودرجة الضرر ومستوى الخطورة وعدد السكان المعرضين للخطر والتدابير المطلوبة والجهة المسؤولة عن تنفيذها.
وتشدد الزهيري على ضرورة إطلاق خطة طوارئ هندسية قبل اشتداد الأمطار، تتضمن تحديد الأبنية التي تستدعي الإخلاء أو التدعيم، وتأمين محيط المباني غير الآمنة ومنع الوصول إلى الأجزاء المهددة بالسقوط، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة وقابلة للتحديث تجمع نتائج المسوحات الهندسية والبلديات والجهات العلمية.
أرقام تكشف حجم الأضرار ولا تحسم السلامة
بحسب تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لأضرار المباني في بيروت وجبل لبنان، سُجّل في الضاحية الجنوبية 146 مبنى مدمّرًا بالكامل و264 مبنى متضرّرًا جزئيًا، إضافة إلى 3,168 وحدة سكنية مدمّرة بالكامل و4,437 وحدة سكنية متضرّرة جزئيًا. وتركّزت الأضرار خصوصًا في حارة حريك والحدث والشياح وبرج البراجنة والليلكي والشويفات - العمروسية.
وفي تقييم أحدث نشرته منصّة Beirut Core في أيار 2026، استنادًا إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، رُصد 936 مبنى متضرّرًا حديثًا في الضاحية الجنوبية خلال تصعيد آذار 2026، من بينها 31 مبنى صُنّفت ضمن فئة الضرر الشديد وفق منهجية التقرير. ولا يمثّل هذا الرقم إجمالي الأبنية المتضرّرة في الضاحية منذ بداية الحرب، بل الأضرار الجديدة التي أمكن رصدها خلال الفترة المحدّدة، إضافة إلى الأضرار التي كانت قائمة أصلًا من حرب عام 2024.
في ظل هذا الواقع لا يملك المواطن حلولا كثيرة، إما أن أن يلجأ لحلول ترقيعية لترميم ما يمكن ترميمه، أو البحث عن شقة قد لا يملك بإيجارها، أو النوم في الشارع وانتظار التعويضات ومشاريع الإعمار... لعلّها تأتي.