لم تكن حركة 17 تشرين مجرد انتفاضة فاشلة في تاريخ لبنان الحديث، بل كانت اختباراً قاسياً للفارق بين الغضب والقدرة على التغيير. لحظة اعتقد فيها كثيرون أن خروج الآلاف إلى الشوارع يكفي لإسقاط سلطة بنت نفوذها على مدى عقود، وتغلغلت في الدولة والمجتمع والاقتصاد.
بدا المشهد يومها وكأن لبنان يقف على عتبة مرحلة جديدة، وأن الساحات قادرة على تحقيق ما عجزت عنه سنوات من الاعتراض السياسي. لكن ما بدا ممكناً في لحظة الحماسة، اصطدم بواقع أكثر تعقيداً من الشعارات التي رُفعت في وجهه.
لم تكن المشكلة في أن شباناً وشابات آمنوا بالتغيير، بل في أن قسماً كبيراً منهم تصرّف وكأن حسن النوايا يكفي لصناعته. رومانسيون في أحلامهم، لم يأخذوا في الاعتبار طبيعة التركيبة اللبنانية، ولا حجم المصالح والشبكات التي أرادوا مواجهتها. تصوّروا أن منظومة متجذّرة في السياسة والاقتصاد والمجتمع يمكن أن تتراجع أمام الحشود، من دون قيادة منظّمة، أو برنامج واضح، أو بديل قادر على تحويل الغضب إلى قوّة سياسية مستدامة.
وكان في صلب هذا الوهم الاعتقاد أن الطائفية السياسية مجرّد عائق ذهني يمكن تجاوزه بشعار في ساحة. لكن الطائفية في لبنان ليست مجرد انتماء ديني، بل هوية ثقافية واجتماعية، وشبكة مصالح ومخاوف وذاكرة جماعية. وهذا ما يجعلها قدراً لا يتغيّر، فيما تجاوزها يحتاج إلى فهمها وبناء بدائل عنها، لا إلى إنكارها.
كذلك، لم يفهم كثيرون أن الزعيم ليس مجرد شخص يمكن إسقاطه، بل رأس شبكة متكاملة من العلاقات والنفوذ والزبائنية، قادرة على حماية نفسها وإعادة إنتاج سلطتها. فالسلطة لا تسقط لأن الناس غاضبون، بل عندما يتوافر من يمتلك التنظيم والقيادة والأدوات والقدرة على انتزاعها منها.
ثم جاءت السياسة لتكشف ما أخفته وحدة الساحات. جمعت 17 تشرين شعارات كثيرة، لكنها لم تنتج إجابات مشتركة عن الأسئلة الأساسية: أي دولة نريد؟ أي نظام اقتصادي؟ ماذا عن السيادة والسلاح والعلاقة بالخارج؟ وكيف يمكن إدارة الانقسامات اللبنانية بدل التصرّف وكأنها ستختفي تلقائياً؟
اتّفق المشاركون على رفض الطبقة الحاكمة، لكنهم اختلفوا على ما يأتي بعدها. وتعامل بعضهم مع السياسة كأنها مواجهة أخلاقية بين صالحين وفاسدين، فيما حوّل آخرون الانتفاضة إلى منصّة للصراعات الحزبية والأيديولوجية. وهكذا، تحوّلت الاختلافات من فرصة لبناء مشروع مشترك إلى سبب إضافي للتشتّت.
لم تكن المشكلة في النزول إلى الشارع، بل في الاعتقاد أن الشارع بديل من التنظيم، وأن الغضب بديل من البرنامج، وأن سقوط شرعية السلطة في عيون الناس يعني سقوط سلطتها الفعلية. لم تنجح الانتفاضة في إنتاج قيادة تحظى بتمثيل واسع، أو إطار سياسي متماسك، أو خطة قادرة على خوض المواجهة الطويلة. وحين جاءت الانتخابات النيابية، حقّقت قوى التغيير اختراقاً مهماً متواضعاً، لكنها لم تستطع تحويله إلى بديل سياسي منظّم قادر على تغيير موازين القوى.
في المقابل، أثبتت المنظومة أنّها أكثر تماسكاً ومرونة مما ظنّ خصومها، وأنّها قادرة على حماية قواعدها وإعادة ترتيب تحالفاتها وانتظار خصومها حتى يتنازعوا ويتفكّكوا.
المفارقة أن 17 تشرين كشفت عجز النظام، لكنها كشفت أيضاً عجز الذين ادّعوا امتلاك البديل. فضحت الطبقة السياسية، من دون أن تنتج طبقة سياسية جديدة قادرة على الحلول مكانها. رفعت سقف التوقعات، ثم تركت كثيرين أمام خيبة كبيرة، فيما استعادت القوى التقليدية زمام المبادرة، كلٌّ داخل بيئته وشبكته.
لم يفشل أصحاب 17 تشرين لأنهم طالبوا بدولة أفضل، بل لأن قسماً كبيراً منهم اعتقد أن إسقاط رموز المنظومة يكفي لإسقاطها، وأن الشعارات قادرة على هزم المصالح، وأن تجاهل التركيبة اللبنانية كفيل بإلغائها.
في السياسة، لا يكفي أن تعرف ما الذي ترفضه؛ عليك أن تعرف ما الذي تريد بناءه، وكيف ستبنيه، ومع من، وبأي أدوات، وعلى أي ميزان قوى. فالتغيير ليس مجرّد لحظة غضب، بل مشروع يحتاج إلى قيادة ورؤية وتنظيم وقدرة على تحويل الاعتراض إلى سلطة بديلة.
17 تشرين كانت لحظة غضب مشروعة، لكنها لم تتحوّل إلى مشروع تغيير. أسقطت أقنعة، ولم تُسقط منظومة. رفعت الصوت، ولم تبنِ القوة. والأهم أنها كشفت أن امتلاك الموقف لا يعني امتلاك السياسة، وأنّ كراهية المنظومة لا تكفي لهزيمتها.