تناول المجلس الدستوري، في قراره المتعلق بقانون العفو العام، وتحديدًا تحت البند "ثانيًا"، بعنوان في تحصين البند (1) من المادة الثالثة لجهة عقوبة الإعدام الملغاة، إشكالية قانونية نشأت عن تعاقب صدور قانونين، أولهما القانون رقم 2026/68 المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام وثانيهما القانون رقم 2026/70 المتعلق بالعفو العام.
وتتمثل هذه الإشكالية في أن القانون رقم 2026/68، الذي صدر ونشر في الجريدة الرسمية وأصبح نافذًا قبل صدور قانون العفو العام، نص على إلغاء عقوبة الإعدام أينما وردت في التشريعات اللبنانية، كما قضى في مادته الخامسة باستبدال عقوبة الإعدام المحكوم بها بموجب أحكام قضائية سابقة، لم تنفذ بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.
في المقابل، جاء قانون العفو العام رقم 2026/70، الذي صدر لاحقًا، لينص في البند (1) من مادته الثالثة على تخفيض العقوبات وفق معايير محددة، بحيث يقضي المحكوم عليه بالإعدام ثمانيًا وعشرين سنة سجنية، فيما يقضي المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة سبع عشرة سنة سجنية.
وأمام هذا التعاقب التشريعي، برزت إشكالية التوفيق بين القانونين، ولا سيما لجهة مدى جواز تضمين قانون العفو العام، الصادر بعد إلغاء عقوبة الإعدام، أحكامًا خاصة بالمحكومين بهذه العقوبة، وما إذا كان ذلك يشكل إحياء لها بصورة غير مباشرة، أم مجرد اعتماد للعقوبة التي سبق أن قضى بها الحكم القضائي معيارًا لتحديد مدة التخفيض.
وانتهى المجلس الدستوري إلى اعتبار أن المحكوم عليهم بالإعدام، الذين لم تنفذ بحقهم هذه العقوبة واستبدلت بقوة القانون رقم 2026/68 بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، يظلون خاضعين لأحكام قانون العفو المتعلقة بالمحكومين بالإعدام، أي لمدة ثمان وعشرين سنة سجنية، وليس لأحكامه المتعلقة بالمحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة، التي تحدد المدة بسبع عشرة سنة سجنية.
غير أن فهم هذا التفسير وتحديد نطاق تطبيقه يقتضيان التمييز بين استبدال عقوبة الإعدام بقوة القانون، واستبدالها بموجب حكم قضائي.
ففي الحالة الأولى، يكون الحكم القضائي قد قضى أصلا بعقوبة الإعدام، من دون أن يطرأ عليه أي تعديل قضائي لجهة العقوبة، وإنما جرى استبدالها مباشرة بقوة القانون رقم 2026/68 الذي ألغى عقوبة الإعدام. وفي هذه الحالة، تطبق أحكام التخفيض المتعلقة بالمحكومين بالإعدام، لا تلك المتعلقة بالمحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة. وهذه تحديدًا هي الحالة التي تناولها المجلس الدستوري في قراره .
أما في الحالة الثانية، فتكون عقوبة الإعدام قد استبدلت بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بموجب حكم قضائي، إعمالا للأحكام القانونية التي تجيز للمحكمة تخفيض العقوبة بعد منح المتهم الأسباب التخفيفية. وعندئذ، تكون العقوبة المحكوم بها والواجبة التنفيذ، وفقًا لمنطوق الحكم القضائي نفسه، هي الأشغال الشاقة المؤبدة، لا الإعدام. ويكون الاستبدال في هذه الحالة قضائيًا، ومستندًا إلى أحكام قانونية مستقلة تمامًا عن القانون رقم 2026/68 المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام.
ومن هنا تبرز أهمية تحديد النطاق الدقيق للتفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، وعدم التوسع في تطبيقه ليشمل حالات قانونية تختلف في طبيعتها وأساسها عن الحالة التي عالجها.
وفي هذا السياق، ثمة حالتان أساسيتان لا يشملهما التفسير الذي انتهى إليه المجلس الدستوري ولا تخضعان بالتالي لنظام التخفيض المقرر للمحكومين بالإعدام.
أولا: حالة المحكوم عليه الذي استبدلت عقوبة الإعدام بحقه قضائيًا بالأشغال الشاقة المؤبدة
إن الشخص الذي صدر بحقه حكم قضائي استبدلت بموجبه عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، نتيجة منحه الأسباب التخفيفية، لا يدخل ضمن الحالة التي تناولها المجلس الدستوري.
ذلك أن الاستبدال في هذه الحالة لم يحصل نتيجة نفاذ القانون رقم 2026/68 المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، وإنما حصل بموجب حكم قضائي حدد العقوبة النهائية الواجبة التنفيذ بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة كانت قد اعتبرت أن الفعل الجرمي يستوجب، من حيث المبدأ، عقوبة الإعدام، قبل أن تقرر تخفيضها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. فالعبرة هنا ليست بالعقوبة المقررة أصلا للجريمة، وإنما بالعقوبة التي انتهى الحكم القضائي إلى فرضها على المحكوم عليه.
وبالتالي، فإن هذا الشخص يعد محكومًا بالأشغال الشاقة المؤبدة، وليس محكومًا بالإعدام استبدلت عقوبته بقوة القانون الأمر الذي يقتضي إخضاعه لأحكام قانون العفو المتعلقة بالمحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة، أي لمدة سبع عشرة سنة سجنية، وليس ثمانيًا وعشرين سنة سجنية.
والقول بخلاف ذلك، يؤدي إلى الخلط بين العقوبة التي كانت مستوجبة قبل منح الأسباب التخفيفية، والعقوبة التي قضى بها الحكم القضائي فعلا، كما يؤدي إلى توسيع نطاق التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري ليشمل حالة لم تكن موضوعا لبحثه.
ثانيًا: حالة المحكوم عليه بالإعدام الذي نقض الحكم الصادر بحقه ولا تزال محاكمته جارية أمام محكمة التمييز
وهذه الحالة هي الأهم، نظرًا إلى اختلافها الجوهري عن الحالة التي تناولها المجلس الدستوري، سواء من حيث الوضع القانوني للشخص المعني، أم من حيث الآثار المترتبة على نقض الحكم السابق الصادر بحقه.
فالشخص الذي سبق أن صدر بحقه حكم بالإعدام، ثم طعن فيه تمييزًا، وقضت محكمة التمييز بنقضه، ولا تزال محاكمته جارية أمامها، لا يجوز اعتباره من فئة المحكومين بالإعدام الذين تناولهم قرار المجلس الدستوري.
والسبب في ذلك أن الحكم الذي قضى بإعدامه قد نقض، وبالتالي زالت مفاعيله القانونية في حدود النقض، ولم يعد جائزًا الاستناد إليه لتحديد العقوبة المحكوم بها أو ترتيب أي أثر قانوني عليه في هذا الخصوص.
فالعبرة ليست بالعقوبة التي وردت في حكم قضائي سابق جرى نقضه، وإنما بالعقوبة التي سيقضي بها الحكم الجديد الصادر عن محكمة التمييز بعد إعادة المحاكمة.
وبما أن عقوبة الإعدام قد ألغيت بموجب القانون رقم 2026/68، فإنه لم يعد جائزًا لمحكمة التمييز أن تقضي بهذه العقوبة عند إصدار حكمها الجديد.
وعليه، فإذا انتهت محكمة التمييز إلى إدانة المتهم والحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، فإن هذا الحكم يكون قد قضى بهذه العقوبة مباشرة، وليس بعقوبة الإعدام.
وبالتالي، فإن المحكوم عليه في هذه الحالة يخضع لأحكام قانون العفو المتعلقة بالمحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة، أي لمدة سبع عشرة سنة سجنية، وليس ثمانيًا وعشرين سنة سجنية.
ولا يصح الاحتجاج بقرار المجلس الدستوري للوصول إلى نتيجة مغايرة، لأن المجلس إنما عالج حالة وجود حكم قضائي بالإعدام بقي قائمًا ومنتجًا لمفاعيله، ثم استبدلت العقوبة الواردة فيه بقوة القانون رقم 2026/68.
أما الحالة المطروحة، فتتعلق بحكم بالإعدام زال أثره نتيجة نقضه، ولم يعد ثمة حكم قائم بهذه العقوبة يمكن إخضاعه للتفسير الذي اعتمده المجلس.
بل إن تطبيق نظام الثماني والعشرين سنة سجنية على هذه الحالة من شأنه أن يرتب أثرًا قانونيًا على حكم قضائي منقوض، وأن يعامل المتهم كما لو أن الحكم السابق لا يزال قائمًا، رغم زوال مفاعيله القانونية.
وهذا ما يتعارض مع الأثر القانوني للنقض، ومع مبدأ وجوب تحديد العقوبة على أساس الحكم القضائي القائم والمنتج لمفاعيله، لا على أساس حكم سابق فقد أثره القانوني.
الخلاصة
إن التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري بشأن إخضاع المحكومين بالإعدام لمدة ثمان وعشرين سنة سجنية يقتصر على حالة محددة، هي حالة الشخص الذي صدر بحقه حكم قضائي بالإعدام قبل نفاذ القانون رقم 2026/68، من دون أن تستبدل هذه العقوبة قضائيًا بعقوبة أخف نتيجة منحه الأسباب التخفيفية، ومن دون أن تكون عقوبة الإعدام قد نفذت بحقه.
فهذا الشخص يبقى خاضعًا لنظام التخفيض المتعلق بالمحكومين بالإعدام، المعتمد في قانون العفو العام رقم 2026/70، أي لمدة ثمان وعشرين سنة سجنية، ولو أن العقوبة الواجبة التنفيذ بحقه أصبحت، بقوة القانون رقم 2026/68، الأشغال الشاقة المؤبدة.
أما الشخص الذي استبدلت عقوبة الإعدام بحقه بعقوبة أخف بموجب حكم قضائي، أو الذي نقض الحكم السابق القاضي بإعدامه ثم صدر بحقه حكم جديد بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة فلا يخضع لهذا النظام، ولا يشمله التفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري في هذا الخصوص.
ومن ثم، فإن تطبيق قانون العفو العام يقتضي التمييز بين هذه الحالات، وعدم تحميل قرار المجلس الدستوري ما يتجاوز نطاق المسألة التي فصل فيها، أو التوسع في تفسيره على نحو يؤدي إلى إخضاع أشخاص محكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة لنظام تخفيض أشد، لمجرد أن أحكامًا قضائية سابقة، عدلت أو نقضت كانت قد قضت بحقهم بعقوبة الإعدام.