أورور كرم

الحرب ضد إيران تنتظر صناديق الاقتراع

4 دقائق للقراءة
ترامب يُبقي كلّ الاحتمالات مفتوحة (رويترز)

في مفارقة تختصر المشهد الإقليمي، تؤجّل الحسابات الانتخابية الأميركية والإسرائيلية احتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب ضد إيران إلى ما بعد 3 تشرين الثاني، فيما تدفع أجواء الحرب في لبنان نحو تأجيل الانتخابات النيابية إلى أجل غير مسمّى. وبين المعادلتين، لم تعد صناديق الاقتراع مجرّد استحقاقات سياسية، بل تحوّلت إلى عامل مؤثّر في توقيت الحروب، وربّما في تحديد مساراتها.

فالمنطقة تقف أمام استحقاقين انتخابيين يفصل بينهما أسبوع واحد: الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأوّل، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني. وبين هذين الموعدين، تتداخل الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية، وسط استعدادات أميركية وإسرائيلية لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، وتقديرات تشير إلى بلوغ الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة مستويات متقدّمة مع بداية الشهر المقبل.

لكن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب تمتلكان القدرة على توجيه ضربات جديدة لإيران، بل: متى يصبح القرار العسكري أقلّ كلفة سياسيًّا وأكثر جدوى استراتيجيًّا؟ بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب، لا تنفصل الحرب عن صناديق الاقتراع. فالرئيس الجمهوري يدخل الانتخابات النصفية وهو مطالب بالدفاع عن حصيلة إدارته، ولا سيّما أمام ناخبين يضعون الاقتصاد وكلفة المعيشة في صدارة أولوياتهم. من هنا، تبدو مصلحته السياسية في تقديم المواجهة مع إيران باعتبارها حربًا حقّقت أهدافها، لا نزاعًا مفتوحًا يستنزف الموارد الأميركية.

وعليه، فإنّ أي قرار باستئناف الحرب قبل 3 تشرين الثاني قد يعيد الحرب إلى صدارة النقاش الانتخابي، ويطرح أسئلة محرجة بشأن كلفتها ونتائجها. أما تأجيل التصعيد إلى ما بعد الانتخابات، فقد يمنح الإدارة الأميركية هامشًا سياسيًّا أوسع للتحرّك، بعيدًا من الضغط المباشر لصناديق الاقتراع. وهنا تبرز معادلة ترامب: إقناع الناخب بأن الحرب انتهت، مع الاحتفاظ بالقدرة على استئنافها.

ولا يقتصر الحساب الأميركي على الداخل. فإيران، التي تواجه أزمة اقتصادية حادّة وضغوطًا عسكرية، تبدو في موقع أكثر هشاشة، ما يُغذّي تقديرات بإمكان تحقيق مكاسب استراتيجية خلال فترة قصيرة من التصعيد. غير أن التفوّق العسكري لا يضمن بالضرورة حسم المواجهة سياسيًّا، خصوصًا أن قدرة طهران على الردّ وتوسيع رقعة النزاع تبقى عاملًا أساسيًّا في حسابات واشنطن.

أما في إسرائيل، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فبنيامين نتنياهو يدخل الاستحقاق الانتخابي، فيما تبقى إيران في صلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية. إنّ استمرار التحضيرات والتدريبات يعكس إبقاء الخيار العسكري مطروحًا. لكنّ الذهاب إلى مواجهة واسعة قبل الانتخابات ينطوي على مخاطرة مزدوجة: عسكرية وسياسية.

والأهمّ أن الملف الإيراني لا يرتبط حصرًا بمستقبل نتنياهو السياسي. فقد تتبدّل الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات، لكن التعامل مع القدرات العسكرية والنووية الإيرانية سيبقى أولوية أمنية، وإن اختلفت المقاربات بين حكومة وأخرى. وبالتالي، فإنّ تأجيل المواجهة المحتملة لا يعني بالضرورة سقوط خيارها مع تغيّر السلطة.

هكذا، تتقاطع الحسابات الأميركية والإسرائيلية عند نقطة واحدة: الإبقاء على الجاهزية العسكرية، مع محاولة تجنّب الكلفة الانتخابية لحرب جديدة. لكن هذا التقاطع لا يُلغي احتمال اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، ولا يضمن أن تتمكّن العاصمتان من ضبط توقيت التصعيد، خصوصًا إذا فرضت التطوّرات الميدانية أو القرارات الإيرانية إيقاعًا مختلفًا.

في المقابل، تبدو إيران أمام معادلة معاكسة. فالفترة الفاصلة بين الاستحقاقين الانتخابيين قد تشكّل هامشًا لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، لكنّها قد تتحوّل أيضًا إلى مهلة تسبق مواجهة أشدّ اتساعًا. ومن هنا، فإنّ طهران لا تراقب نتائج الانتخابات فحسب، بل تراقب أيضًا ما قد يتغيّر في حرّية القرار العسكري الأميركي والإسرائيلي بعدها.