مايا الخوري

المعالِجة النفسية مارتين الزغبي: في عيدك إحيي الفتاة الصغيرة بداخلك

20 آذار 2021

02 : 00

"شو بعمل حتّى ما جنّ" عبارة تردّدها الأمّهات حاليا في عيادات المعالجين النفسيين. ففي عام إستثنائي صحيّاً وإقتصادياً وتعليمياً، تجد الأم نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة. ضغوط نفسية وجسدية سحبت منها طاقتها، فكيف تصمد "كأم" و"ماما" من دون ذنب وإنهيار.



بداية تميّز المعالجة النفسية مارتين الزغبي أبو زيد ما بين دور "الماما" و"الأم" فتقول:" عندما نكون صغاراً تتحوّل لعبتنا المفضّلة إلى طفلة مدللّة، نُلبسها أجمل الملابس، ترافقنا في المشاوير، نغدق عليها أطيب القبلات والكلمات، فتنشأ لدينا صورة نمطية عن "ماما" التي تحبّ أطفالها وتدللهم وتؤّمن رغباتهم فلا تحرمهم شيئًا. ولكن، رغم أهمّية دور "ماما" في الحبّ والدلال، إلا أن دور "الأم" ضروري وأساسي أيضا. لأن أطفالنا بحاجة إلى سلطة وقانون".

من هنا أهمية التمييز ما بين الدورين، فلا تسيطر احدهما على الآخر، لأن الأم هي التي تعرف أصول التربية على الصح والخطأ، وزرع المبادئ والقيم، وهي التي تحدد متى تقول "كلا" و"نعم"، لتعاقب أحياناً وتعطف أحياناً أخرى. تربي على قيم ومبادئ وأخلاقيات الحياة، فيما "ماما" هي التي تحب فتحب وتحبّ".







منذ عام، بدأت جائحة كورونا في ظلّ ظروف معيشية صعبة، ما أدّى إلى إنقلاب في أسلوب حياتنا، فتعبت "الماما" و"الأم" على حد سواء، لتتوّحد صرختهما لدى عيادات المعالجين النفسيين "ماذا أفعل كي لا أجنّ". لأن الأم برأي أبو زيد، ترى نفسها في موقع تلبية مسؤوليات تتخطى إمكاناتها، وعندما لا تتمكن من أداء الأدوار المطلوبة منها بنجاح متساوٍ، تتعب. فهي بسبب توزيع أدوارها ما بين الأم والماما والزوجة والمرأة العاملة، ومدّبرة المنزل، والإهتمام بالجميع، لا تجد وقتاً لذاتها. فيؤدي هذا الإهمال إلى مرحلة مُنهكة، كأن طاقتها إنسحبت منها، ما قد يسبب حالات قلقٍ وإكتئاب".

وما هي أكبر مشكلة تواجهها الأم حاليًا؟ تجيب: "تحوّلها إلى أم ومعلّمةٍ في آن. في حين لا تتمتع كل أمٍ بمهارة التعليم أو في كيفية مرافقة أولادها أثناء الدراسة، أصبحت فجأة معلّمة مجبرة على فهم الأمور التربوية وإيجاد الطرق المناسبة لهم والمحفّزة على الجلوس أمام شاشة التعليم عن بعد. لذا فإن المطلوب منها حالياً صعب جداً، كونها تقوم بهذه الواجبات كلها من دون إيقاف مسؤولياتها الأخرى".

وردًا على سؤال حول كيفية مواجهتها لكل هذه المشكلات، تجيب: "الشاطر يللي بخلّص نفسو"، يجب أن تتقن كيفية توزيع واجباتها ومهامها. فتخصص وقتًا لمنزلها، وآخر للتدريس، ووقتاً للتفكير بأولادها، وآخر لنفسها، ووقتاً للتفكير بزوجها. علماً أن ذلك ليس بالمهمة السهلة طالما أن الأولاد 24/24 في المنزل، ما يضاعف حجم المسؤوليات على عاتقها، ومنها إعداد الطعام مرّات عدّة، والتعليم، والإهتمام بالأولاد، ولملمة الفوضى في المنزل والتربية".

ولتخلّص الأمّ نفسها من هذه الضغوطات، تدعوها أبو زيد إلى وضع سلّم أولويات في حياتها، تُحدد فيه الواجبات الأساسية التي لا تستطيع النوم قبل إتمامها. ومن جهة أخرى، المسؤوليات التي، إذا لم تُنجز في حينها، لن تؤثر في صحة أحد. بمعنى آخر إذا لم تستطع تنظيم وقتها وغض النظر عن بعض الأمور، ستصل إلى مرحلة إستهلاك كل طاقتها ربما في المكان الخطأ.

وما التبعات النفسية جرّاء ذلك؟ تجيب: "للأسف ستشعر بالذنب الذي أشبّهه بسوسة تنخر داخلنا، حتى تسحب كل طاقة إيجابية في حياتنا. كلما شعرنا بالذنب، خفّ منسوب الفرح، وكلما زاد خفّت ثقتنا بأنفسنا كأم أو كماما أو كزوجة أو كمربية أو كعاملة منزلية. كما أشبّه هذا الشعور بمكابح السيارة التي توقف الإندفاع والحياة وبالتالي سيغيّر دخولنا في دوّامته نوعية الحياة في المنزل".

وتضيف: "تطمح أي أم لتصبح أفضل "أم" وأحلى "ماما"، هكذا نشأنا. إنما من المهم الإعتراف بأن ما من أمٍ مثالية وما من أبٍ مثالي أيضاً، وبالتالي من حقنا كبشر أن نُخطئ. لذلك أدعو الأمهات إلى إعطاء أنفسهنّ الحق بالخطأ وذلك لا يعني الصراخ على الأولاد أو ضربهم أو إفتعال المشاكل في المنزل، إنما الإفساح أمام هامش من اللامثالية في الأمومة".

وعمّا إذا كانت الأم العاملة تمارس أمومتها أفضل من سواها كونها تخرج من المنزل وترفّه عن نفسها، تقول: "لا يمكن تحديد ذلك، إنما الأكيد أن الأم التي تعرف كيفية التنقل بين مختلف المهام، ستكون سليمة نفسيا أكثر من غيرها. إن التوازن ما بين العمل خارج المنزل والأمومة داخل المنزل، هو ما سيدفع المرأة إلى إدراك الأفضل. كلّ منّا يعرف الموقع الذي يكون فيه أفضل، فإذا إحتاجت الأم أن تكون إمرأة عاملة لتشعر بأهميتها وقيمتها، وإضطرت أن تبقى في المنزل طوال الوقت لن تكون مرتاحة. وفي المقابل، إذا كانت تفضّل أن تكون أمّاً وماما طوال الوقت وأجبرتها الحياة على العمل ستشعر بالذنب أيضا".

وتتوّجه الزغبي إلى الأم التي تفقد أعصابها وتصرخ أو تضرب أولادها، بالقول:" لا بأس نحن بشر، نُخطئ ولسنا كاملين. لدينا نواقص أيضًا، وربما صرختك هذه مناسبة لتدركي أنّك متعبة. وبالتالي عليك أن ترتاحي، وأن تتعلّمي كيفية الإتكال على الآخرين ربما زوجك، أو مدّبرة منزلية أو والدتك أو مرّبية للأولاد. صراخك دليل على أن الكأس امتلأت، ولم تعد تتسع لأمور أخرى في حياتك. ودليل على ضرورة دقّ ناقوس الخطر، فانتبهي على نفسك. ربما أنت ضائعة بين هذه المهمات ولا تدركين من أنت. إنها مناسبة لأخذ إستراحة، فإن لم تتمتع الأم بالطاقة لن يمكنها منح الحبّ والحنان وحتّى وضع قوانين للأولاد".

وتضيف:" النقّ ليس خطأ، وكذلك الإعتراف بالضعف والتعب. إنما إنتبهي لا تكرري عبارة "أنا تعبة" لأن ذلك سينعكس سلباً ولن يريحك. من المهم أن تكتشفي ما الذي يُتعبك".

وما نصيحتك لكل أُمٍ متعبة من الظروف الإستثنائية هذا العام: " ضعي علامة على كل مكوّنٍ من حياتك، كأم، وكماما، وكزوجة، وكإمرأة عاملة، وكصديقة أيضاً. يجب أن تبلغي مرحلة تكونين فيها متساوية تقريبًا في المواقع كلّها لتكوني مرتاحة. أدعوك إلى الإفساح في المجال أمام نفسك، لإحياء الفتاة الصغيرة التي بداخلك. أي الفتاة التي يحق لها أن تفرح وتضحك من صميم قلبها. يحق لها أن تبكي وتشهق وتحزن. يحق لك أن تلعبي مع أطفالك وتتسلّي كفتاة صغيرة. يحق لك الخروج مع زوجك في موعد رومانسي. يحق لك ساعة راحة أسبوعياً لتتمددي على السرير دون التفكير بأي مسؤولية. يحق لك أن تكوني "أنت"، وإلا ستظلين متعبة".

وختمت: "يبدأ شحن طاقتك عندما تكونين "أنت"، وذلك من خلال ممارسة نشاطاتك المفضّلة، كالرياضة، وكالإهتمام بجمالك وأناقتك، كصبغ شعرك مثلاً وتقليم أظفارك، كإعداد طعامك المفضّل. تواصلي مع أصدقائك عبر "زوم"، شاهدي أفلامك المفضّلة بدلاً من الرسوم المتحركة المفروضة عليك طوال الوقت. دللي نفسك على الأقل في يوم عيدك".



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.