جاد حداد

Night on Earth... الحياة البرية الليلية تحت المجهر

5 دقائق للقراءة

يستكشف المسلسل الوثائقي الجديد، Night on Earth (الليل على كوكب الأرض)، على شبكة "نتفلكس" ما يحصل في الطبيعة بعد غروب الشمس على مر ست حلقات.

على عكس الأعمال الأخرى التي تحمل التصنيف نفسه، يتّسم هذا العمل بتعديلات بصرية كبرى، وهي تختلف عما اعتاد عليه المشاهدون في هذه المشاريع. لمراقبة بعض الحيوانات الليلية الناشطة في ظل غياب الأضواء الطبيعية، اضطر القيّمون على العمل لاستعمال تقنية مختلفة، بما في ذلك كاميرات حساسة جداً تجاه ضوء القمر وتقنيات أخرى لتعقب الحرارة عند رصد أي حركة في الأفق على شكل حيوانات يمكن التعرّف عليها.

لن يكون هذا العمل أول مسلسل يتمحور حول الطبيعة ويكتشف أماكن وكائنات تبدو وكأنها بقايا مدهشة من مجرّة أخرى. لكن يتميز هذا المسلسل لأن الصور تحمل أحياناً درجات ألوان غير مألوفة أو تسلّط الضوء على أشكال حيوانية مختلفة. باستثناء بعض اللقطات التوجيهية التي تظهر من وقتٍ لآخر، تلتزم الحلقات في معظمها بهذه المقاربة الغريبة لدرجة أن يشعر المشاهدون بأن العودة إلى الواقع تجربة مفاجئة بعد إلقاء نظرة تقليدية على كائنات متنوعة.

تتراجع الضوابط والتوقعات في هذا العمل مقارنةً بالأعمال التي تدخل في الخانة نفسها، ويتلاعب هذا المسلسل بأفكار لافتة ويتناول حياة الحيوانات في البرية. تختلف أنواع الإضاءة المستعملة وتبدو التضاريس الطبيعية غير مألوفة بأي شكل بفضل تقنية التصوير المعتمدة. نتيجةً لذلك، يعطي المسلسل كل كائن الفرصة نفسها لملء الشاشة وجذب المشاهدين. قد تقترب الكاميرا مثلاً من أسد يعبر أرضاً مستوية أو خلد صغير يتنقل بين حبات رمال ضخمة. إنها مقاربة منصفة كي لا تطغى الحيوانات البرية الأكبر حجماً على الكائنات الأصغر منها.



لكن من الناحية السلبية، قد تبدو العناصر التي تحمل طابعاً تقليدياً أقل أهمية من المعتاد بسبب هذه الحرية في استعمال المؤثرات البصرية. تؤدي سميرة وايلي دور الراوية بذكاء وحيوية وتضفي جانباً عاطفياً خفيفاً على التفسيرات المرتبطة بهذه التصرفات الليلية غير المألوفة. لكنّ التركيز المتقطّع على محاولة إجراء تحليل نفسي لتلك الكائنات يبدو في غير محلّه، لا سيما حين يرتبط الموضوع الأساسي بغريزة البقاء على قيد الحياة. في هذه الحالة، سيكون فهم ما يحصل أفضل من توقّع الأسباب.

ما من تقلبات كثيرة في إيقاع السرد. تتمحور معظم مشاهد الحركة المظلمة حول تجنب المخاطر (أو استدراج الفرائس إلى الأفخاخ من دون علمها)، لكن يوقف المسلسل مساره في مراحل معينة للتركيز على نقاط مرتبطة بالتواصل القائم بين مختلف الأجناس. يسلّط مشهد معيّن الضوء على تقنيات التزاوج لدى ضفادع تنجارا لكنه يبدو أشبه بمسلسل كوميدي متعدد الكاميرات، فيتخذ العمل منحىً سخيفاً على نحو مفرط قبل أن تتضح مجدداً المخاطر الوشيكة بإيقاع بطيء.

على صعيد آخر، تتخذ الحلقة ما قبل الأخيرة من الموسم خطوة غير مألوفة، فتدور الأحداث كلها داخل مدن كبرى حول العالم. يتنقل Night on Earth في هذه الحلقة بين مناطق من سنغافورة وتايلاند وشمال غرب المحيط الهادئ حيث يعيش البشر. لكن يتابع المسلسل عرض المعلومات من وجهة نظر الحيوانات فيعتبر الناس الذين يقودون سياراتهم أو يمرون أمام الكاميرا مجرّد عابري سبيل، لا كيانات مترابطة. ثمة تلميحات سلسة حول أهمية الحفاظ على البيئة في بقية أجزاء المسلسل. قد تبدو هذه الرسالة، المتعلقة بضرورة أن يكون تخطيط المدن مسؤولاً، متأخرة بعقود عدة، لكنها قد تعطي أثراً غير مباشر حين يطّلع الناس على طريقة عيش بعض الأجناس بدل الإغفال عن هذه المعلومات.

بالنسبة إلى مسلسل تدور معظم أحداثه بعد غروب الشمس، تكثر الألوان المستعملة في المشاهد. كان العمل يستطيع الاتكال بسهولة على مفهوم التلألؤ البيولوجي، فيتعقب جميع الكائنات الحية التي تسطع في الأدغال عبر جميع أشكال النيون. في محاولة لملء الشاشة بأكبر عدد ممكن من التفاصيل، تظهر الشرائط الصغيرة التي كانت لتضيع لو استُعمِل تصوير جوي أوسع على شكل ظواهر ضئيلة. هذه التقنية ليست حكراً على Night on Earth طبعاً، لكنّ طريقة تطبيق المعايير المطلوبة عند تصوير الطبيعة تعطي المسلسل طابعاً غريباً فنشعر بأننا نشاهد عالماً آخر. يكون المسار المشتق من الخيط الذي يتركه عنكبوت الغابة وراءه كافياً مثلاً لجعل المصابين بأعلى درجات رهاب العناكب يعيدون النظر بحالتهم.

في النهاية، يتطرق هذا المسلسل الوثائقي إلى السبب الأساسي وراء إنتاج هذا العمل المطوّل حول الطبيعة. هو يستكشف حاجة البشر إلى تذكّر كمّ الظواهر التي لم يكتشفوها بعد وضرورة أن يقتنعوا بوجود عناصر شبه روحانية في الطبيعة لم تحصل الأوساط العلمية بعد على فرصة مراقبتها أو تفسيرها. كذلك، يغوص Night on Earth في جوانب كامنة من الحياة النباتية وأحداث فلكية أخرى قابلة للمراقبة كي يثبت أن فهم هذا النظام البيئي لا يقتصر على تأمّل الكائنات السريعة والضخمة والقوية. يقال إن الضوء لا وجود له من دون ظلام، ويحاول هذا المسلسل التعمق في عالم من الظواهر غير المتوقعة انطلاقاً من هذه المقولة!