مجيد مطر

مصير أوكرانيا بين ميثاقين: الناتو والأمم المتحدة

5 دقائق للقراءة
من آثار القصف الروسي على خاركوف أمس (أ ف ب)

صدقت التوقعات الغربية، وشنت روسيا هجوماً كاسحاً ضد أوكرانيا، ما شكل نقطة تحول في علاقاتها مع الغرب، من خلال الدخول في الحرب المباشرة، التي يضع لها الجانب الروسي تعريفاً يتوافق مع وجهة نظره، على انها حرب دفاعية، أجبرت عليها روسيا، كما جاء في كلمة الرئيس فلاديمير بوتين.

فكما تدل التجربة، كلما شعرت دولة ما بامتلاكها قوة عسكرية، وتفوقاً سياسياً واقتصادياً، وتريد ترجمة ذلك على ارض الواقع، تلجأ الى خلق الحجج والذرائع، وتسوقها على أنها حقائق، في داخل الدولة نفسها، لتخلق رأياً عاماً متفاعلاً مع الرواية الرسمية، وبعدها تتحول الى سياسات وأهداف، يضعها صانع القرار ليظهر نفسه على أنه يعمل وفق رغبات شعبه. هذا ما يحدث راهناً مع أوكرانيا، حيث قامت روسيا بشيطنة القيادة الأوكرانية، متهمة إياها بالنازية، كتعبير مرادف لكلمة الإرهاب لتبرير هجومها.

والحرب وسيلة ليست بالمستجدة، فقد رافقت تاريخ البشرية. فالجميع يقر بأن العلاقات الدولية دائماً تأخذ طابع الصراع، وفي مرات قليلة، قد اخذت طابع التعاون، حيث يؤكد خبراء السياسة العالمية، أن هناك نظاماً اتسم بالسلمية والتعاون بين الاتحاد السوفياتي وأميركا بدأ في سنة 1988 وانتهى في سنة 1991 بتفكك الاتحاد السوفياتي، وبعد ذلك نشأ نظام جديد، عُرِفَ بنظام «القطب الواحد «ما أتاح للبعض الحديث عن «نهاية التاريخ»، وسقوط «صراع الأيديولوجيات» من اعتبارات التنافس الدولي.

وبعد الاستماع الى خطاب الرئيس الروسي عشية الهجوم على أوكرانيا، تبين أن ليس للتاريخ نهاية، وأن الأيديولوجيا محرك دائم من محركات السياسة الدولية، وان الحرب ما انفكت تعتبر الوسيلة الأكثر حضوراً لدى الدول الكبرى.

وكون تعارض المصالح يؤدي الى نشوب الحروب والتوترات، فقد تلجأ الأطراف المتنازعة الى طرق سلمية وودية لحل الخلاف، كما وتلجأ الى طرق الإكراه المعروفة التي تبدأ من قطع العلاقات الدبلوماسية، لتصل الى استعمال القوة والعنف. وعليه فقد لجأت الأمم والشعوب الى وضع تعريف لمعنى الحرب عموماً، مميزة بين الحرب المشروعة والحرب غير المشروعة.

فالحرب المشروعة بحسب الأعراف الدولية، تلك التي تكون الملاذ الأخير، وأنها وسيلة للدفاع عن النفس، او تلك التي تشنها حركات التحرر الوطني، مستندة الى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو تلك التي تُشن بناء على تفويض في استخدام القوة من مجلس الامن، بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

وقد جاء في ديباجة الميثاق: «نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف».

كما جاء في الفقرة الرابعة من المادة الثانية: «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد «الأمم المتحدة». كما نصت المادة 51 من الميثاق نفسه على أنه «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي».

هذا ما نص عليه ميثاق الامم المتحدة لجهة منع الحروب وتفاديها، واللجوء الى لغة الحوار والتعاون بين الشعوب. بيد انه ما فات الدول المنتصرة التي صاغت الميثاق، بعد الحرب العالمية الثانية، التي انتصر فيها الحلفاء على المانيا، أن الصورة الوردية التي رُسمت بعد هزيمة النازية والفاشية لن تكون بتلك البساطة في ما لو كان الخلاف بين المنتصرين أنفسهم، خصوصاً الذين يتمتعون بموجب الميثاق بحق «الفيتو»، الذي كان دائماً السبب المباشر في عجز مجلس الامن عن الوصول الى حل الامور، واتخاذ القرار المناسب. فمجلس الامن قد نجح مرة في فرض سلام بموجب الفصل السابع، وذلك في حرب الكوريتين عندما انسحب الاتحاد السوفياتي من اعمال المجلس احتجاجاً على اعطاء الصين الوطنية مقعداً في المجلس بدلاً من الصين الشعبية. وعليه يتبين أن قرار حماية الدول امر متعذر في ما لم تتفق حوله الدول الدائمة العضوية، وعملت على تسهيله. وهذا ما حدث لاوكرانيا، حيث عطلت روسيا صدور القرار من مجلس الامن بإدانة العدوان عليها، كما حدث سابقاً في اكثر من مناسبة.

وفي نظرة مدققة، نجد أن المصالح هي التي تحرك الدول، فالدول الغربية وفي مقدمها اميركا، سارت جميعها في اتجاه معاكس، ولم تتخذ قراراً حازماً يجعل من روسيا تفكر في عدوانها قبل ان تقوم به، بل جميعها ركنت الى حجة أن اوكرانيا ليست عضواً في «حلف الناتو»، وأنها غير ملزمة بصد العدوان عسكرياً واستعمال القوة ضد روسيا، فلجأت الى فرض العقوبات عليها، ومد اوكرانيا بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية للدفاع عن نفسها.

إن الحروب التي تشن بغية تحقيق مصالح خاصة، او تغيير نظام سياسي لدولة ما او احتلال اراض وضمها، هي حروب غير مشروعة بحسب الاعراف الدولية، ويزيد من عدم مشروعيتها كونها استباقية وعدوانية. ومن المؤسف أن من يقوم بتلك الحروب هم دول اعضاء دائمون في مجلس الامن، يصرّون دائماً على تجاوز ميثاق الامم المتحدة واستيفاء الحق بالذات، الذي هو كناية عن بلطجة دولية، ليست حكراً على روسيا، فقد ارتكبها سابقاً الكثيرون.