تشير التقديرات إلى إصابة أكثر من 55 مليون شخص بالخرف عالمياً، وتتراوح نسبة الإصابات بمرض الزهايمر في هذه الحالات بين 60 و70%.
ما من علاج نهائي لألزهايمر، ولا تزال الخصائص المجهولة عن هذا المرض كثيرة، لكن يشتبه عدد متزايد من العلماء بأن التهاب الأعصاب عامل مؤثر في هذه الحالة.
نشر باحثون من معهد "كارولينسكا" في السويد ومن "مركز العلوم الصحية" في جامعة ولاية لويزيانا، نيو أورلينز، دراسة جديدة حول طريقة بسيطة نسبياً لاستكشاف أثر الالتهاب على الزهايمر واحتمال معالجته.
نجح الباحثون في وقف تدهور الذاكرة لدى فئران مصابة بمرض الزهايمر من خلال ضخ عنصر معروف بتخفيف الالتهاب العصبي بطريقة غير غازية عبر الأنف. نُشرت نتائج الدراسة في مجلة "بيولوجيا الاتصالات".
يقول الدكتور ثاريك باسكوال، أستاذ مساعد في الطب النفسي وعلم الأعصاب في كلية الطب التابعة لجامعة "بيتسبرغ" (لم يشارك في الدراسة الأخيرة): "هذه النتائج مهمة لأنها تدعم الفكرة القائلة إن استعمال طريقة غير غازية لضخ العلاج عبر الأنف ممكن وقد يعطي أثراً علاجياً فاعلاً في دماغ المصابين بالزهايمر، على عكس مفعول تقنيات ضخ العلاجات عبر الوريد كونها تكون أكثر تعقيداً. كذلك، تشير نتائج الدراسة إلى احتمال أن يعطي الأثر المضاد للالتهاب في دماغ مرضى الزهايمر مفعولاً واقياً، لا مؤذياً. كانت دراسات سابقة قد كشفت إمكانية وقف تطور الزهايمر لدى نماذج من الحيوانات، لكن لم يتأكد العلماء من هذه النتائج على الإنسان الحي".
كان باسكوال المشرف الرئيسي على دراسة طرحت أدلة حول تأثير التهاب الأعصاب على مرض الزهايمر في العام 2021.
دور التهاب الأعصاب
أدرك الباحثون أن الزهايمر يعيق التواصل بين أعصاب الدماغ لفترة معينة. عند الإصابة بالمرض، تتراكم صفائح الأميلويد بين الخلايا العصبية، ما يمنع أي تواصل بينها. لكن اكتشف الباحثون أيضاً أن وجود صفائح الأميلويد وتشابكات "تاو" في الدماغ لا يعني بالضرورة إصابة الفرد بحالة ناشطة من الزهايمر. كذلك، تكشف أبحاث جديدة أن التهاب الأعصاب قد يكون العامل الذي يطلق الزهايمر ويغفل عنه الجميع.
تقول المشرفة الرئيسة على الدراسة الجديدة، جيرين إيمري، من معهد "كارولينسكا": "لم يتّضح بعد ما يحصل في البداية: هل تنشأ صفائح الأميلويد أولاً أم يظهر الالتهاب؟ لكن ثمة حلقة مفرغة واضحة حيث تُنشّط صفائح الأميلويد والتشابكات الليفية العصبية الخلايا المناعية في الجهاز العصبي المركزي، ما يؤدي إلى إطلاق جزيئات السيتوكينات لتشغيل عدد إضافي من الخلايا المناعية في موقع الالتهاب بهدف إزالة الصفائح والتشابكات". برأي باسكوال، قد تصبح الخلايا التي ترتبط بالالتهاب وتهدف إلى تنظيف الدماغ شائبة ثم تُلوّث الدماغ إذا زاد الالتهاب بدرجة غير طبيعية.
علاج عبر الأنف
توضح إيمري: "كان إعطاء الدواء عبر الأنف خياراً "جاذباً" للمرضى والأطباء في آن. إنها طريقة غير غازية وغير مؤلمة. هذا النوع من التقنيات يمنع تدهور الجهاز الهضمي والمرحلة الأولى من الأيض حيث يتفكك الدواء في موقع أو عضو معيّن، ما يؤدي إلى تراجع كميته. الأنف عضو معقد وفيه ثلاث مناطق وظيفية مختلفة: إنها المناطق الدهليزية والشمّية والتنفسية. ونظراً إلى قرب المنطقة الشمّية من السائل النخاعي وارتباطها المباشر بالدماغ عبر مسار العصب ثلاثي التوائم، يُعتبر هذا الممر جاذباً لضخ الدواء بين الأنف والدماغ. خلال التجربة الجديدة، رصدت الخلايا العصبية الشمّية الجزيئات داخل تجويف الأنف وتحركت إلى أن وصلت إلى الأطراف العصبية. ثم نُقِلت الجزيئات من هناك إلى خارج الخلايا (تُسمّى هذه العملية "الإخراج الخلوي") وتوجّهت نحو البصلة الشمّية. في هذه المرحلة، تستطيع الجزيئات أن تدخل إلى السائل النخاعي الدماغي قبل توزيعها على بقية مناطق الدماغ".

مــــســــتــــقــــبــــل واعــــد
يُعتبر التهاب الأعصاب من آليات الدفاع في الجسم. لذا لم يفترض العلماء سابقاً أن استعمال مقاربة مضادة للالتهاب قد يساعد المصابين بمرض الزهايمر.
لكن يقول باسكوال إن نتائج الدراسة الجديدة تدعم الفكرة القائلة إن الأثر المضاد للالتهاب في دماغ المريض قد لا يؤذيه بل يعطيه مفعولاً واقياً: "لم ترصد التجارب العيادية البشرية أي أثر مباشر للأدوية المضادة للالتهاب التي تُستعمَل لكبح تطور الزهايمر. كانت التجارب العيادية السابقة التي استهدفت مسارات الالتهاب العصبي لدى مرضى الزهايمر قد أعطت نتائج محدودة بسبب تعدد المشاكل في المنهجية المعتمدة. لكن يبدو أن ضخ الدواء عبر الأنف في الدراسة الجديدة يتجنب هذه المشاكل المنهجية. إنها دراسة واعدة حتماً، لكن يجب أن نتوخى الحذر لأننا لم نتأكد من النتائج بعد لدى مرضى الزهايمر الأحياء. تكون هذه الفئة من الناس مصابة بمرض أكثر تعقيداً من الحالة التي نرصدها راهناً لدى الحيوانات".