لا ضوء في نهاية النفق اللبناني لولا الثورة الشعبية السلمية. ولا من المفاجآت أن يبدو أهل السلطة قلقين حيال الخروج من النفق المظلم بـ"سلطة الشعب". فالثورة هي أمل لبنان، لا مصدر الخوف عليه. وما يهدد مستقبل لبنان ويدعو إلى الخوف عليه هو الوضع الحالي بأزماته وسياساته وحساباته المحلية الضيقة من جهة والإقليمية الواسعة من جهة أخرى. والخائفون من الثورة خائفون عملياً على السلطة التي كان ولا يزال التعامل معها يتم كأنها من "غنائم الحرب". وهم يعملون على طريقة لينين، وإن كانوا من اليمين.
في كتاب "لينين غير المعروف: من الأرشيف السري" الذي أصدرته جامعة ييل، يقول لينين لرفاقه البلاشفة: "لماذا نزعج أنفسنا في الرد على كاوتسكي: فسوف يرد علينا ثم نرد عليه إلى ما لا نهاية. يكفي أن نعلن أنه خائن للطبقة العاملة، وكل شخص سيفهم كل شيء". وفي مواجهة الثورة يمارس أهل السلطة مزيجاً من سياسات "الإحتواء والإزدراء والإستغباء". الإحتواء عبر تبني مطالب "العفويين في الحراك". والإزدراء عبر تقليل أعداد الحشود والإستخفاف بتأثيرها على موازين الإنتخابات. والإستغباء عبر إتهام الثوار بأنهم أدوات في خدمة "أجندات" أقليمية ودولية، وبالتالي فإن ضرب أهدافهم هو "واجب وطني وسياسي وأمني واقتصادي".
وعنوان اللعبة هو الإمساك بالأوراق لضمان نتائج اللعبة قبل بدئها: الإستشارات ورقة في يد رئيس الجمهورية. التكليف ورقة في يد الرئيس المكلف. ونوع الحكومة والتمثيل فيها ورقة في يد "حزب الله" الذي يريد ما هو أبعد من مظلة شرعية في مواجهة العقوبات الأميركية عليه: ترجمة قوته العسكرية إلى قوة سياسية في السلطة. وتوظيف دوره السوري والإقليمي وما يسميه "انتصار محور المقاومة" في أخذ لبنان نهائياً إلى هذا المحور. ولبنان كله ورقة في صراع المحاور.
لكن هذه أوراق في عاصفة قوية. عاصفة الثورة الشعبية في الداخل، وعاصفة التحولات الإقليمية والدولية في الصراع الجيوسياسي الدائر في المنطقة وعليها. وهي، إذا لم تأخذها العواصف، محكومة بمعادلة اسمها قوة الضعف، وضعف القوة. فلا طرف يستطيع الإمساك بالورقة إلى ما لا نهاية. ولا طرف يستطيع لعب الورقة إلى النهاية من دون حساب لما بعد اللعب. والكل يعرف ثمن استمرار الأزمات وكلفة الحلول الأحادية. ولا حاجة إلى أي جهة أو "مؤامرة" لتفشيل سلطة فاشلة سياسياً ومالياً واقتصادياً.
وقديماً قال راسين: "ما من شيء سهل، لكننا نجعله أصعب بالممانعة".