رفيق خوري

معجزة الثورة وعجز السلطة

3 دقائق للقراءة

الشارع يؤكد بالملموس ما كان يقوله الكسيس دو توكفيل قبل قرنين من أن "كل جيل هو شعب جديد". والجيل الرائع المبدع الذي لم نكن نعرفه وهو في بيوتنا، أظهر أننا نعيش في "لبنانين": لبنان "المعجزة" التي صنعتها الثورة الشعبية السلمية، ولبنان "العجز" الذي يسربل أهل السلطة وما يدعونه من "سوبر قدرة". وهما معاً في مركب واحد مهدد بالغرق، وإنقاذه ممكن. لكن المسؤولين الذين أوصلونا إلى أعمق مأزق وطني وسياسي واقتصادي ومالي واجتماعي يعيشون في حال إنكار، ويتصرفون كأنهم ليسوا مسؤولين، لا عن السياسات الخاطئة التي راكمت الفشل، ولا عن إيجاد حلول للأزمة، ولا حتى عن سوء إدارة الأزمة.

والواقع ناطق: العالم يتحرك لمساعدتنا على الخروج من المأزق. الثوار يقدمون مخرجاً واسعاً. وأهل السلطة على مواقفهم الجامدة. لا شيء سوى استمرار الدوران في المأزق حتى إقناع الجميع بأن المخرج المطلوب منهم ولهم هو الذي يحافظ على مصالح المشكو منهم في التركيبة السياسية. ولا أحد يجهل أن الخيار كان ولا يزال محدداً: إما حكومة تضمن لـ"حزب الله" وحلفائه استمرار الإمساك بقرار السلطة وإما حكومة إنقاذ تمثل "سلطة الشعب الجديد" يثق بها الداخل والذين نطلب مساعدتهم في الخارج، بحيث تضمن الخروج الآمن من المأزق.

لكن أهل السلطة مرتبكون. فهم يخافون من مضاعفات الخيار الأول الذي في يدهم، لأن حكومة الفريق الواحد تصطدم بالثورة وتأخذ لبنان إلى عزلة عربية ودولية أخطر على أوضاعه الصعبة من الحصار المضروب على إيران وسوريا. وهم خائفون أيضاً من حكومة إنقاذ تصنع الإصلاحات المطلوبة من الثوار والضرورية من زمان، وبالتالي توقف الهدر والمحاصصة في المال والسلطة.

ومن حق الثوار الذين صنعوا المشهد الجميل المعبّر في ساحة الشهداء يوم الإستقلال أن يرددوا قول المتنبي:

"أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صمم".

لكن الذين يوحون أنهم أصحاب بصيرة مستقبلية ورؤية خارقة للطبيعة يرفضون أن يروا ويسمعوا ما جعل حتى اليائسين من اللبنانيين يستعيدون الثقة بالنفس والأمل بقيام دولة مدنية وطنية في لبنان.

كان الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان يقول: "إن الذهاب إلى المنحدر، والرايات ترفرف، يبقى نزولاً في المنحدر". ونحن في طريق انحداري منذ عقود، بحيث كنا نأمل في أن نجد شجرة أو صخرة توقف انحدارنا. وليس الهجوم على المتظاهرين سوى تعبير عن الضيق بالثورة المطالبة بالإصلاح. وهم عملياً في المنحدر الذي يقود إلى الفتنة، ومن فوقهم ترفرف الرايات الحزبية والمذهبية.