المناورات الأميركية المشتركة مع دول الحلفاء في المحيطين الهندي والهادئ ليست الأولى وليست من المناورات المضادة التي أتت متزامنة مع المناورات الصينية - الروسية التي جرت في بحر اليابان وحملت اسم «التفاعل 2023»، فهي عديدة في سجل المناورات التدريبية المشتركة في هذه المنطقة. لكن ما هو أهمّ من المناورات التي تكون أهدافها إعلامية أكثر من تدريبية، هو أنّ الوجود العسكري الأميركي في المحيطين الهندي والهادئ يتعاظم بشكل واضح في الفترة الأخيرة حتى وصل إلى ثلاثة أضعاف الوجود العسكري الأميركي في كامل أوروبا.
من الواضح أنّ الولايات المتحدّة تريد فرض التوازن الاستراتيجي في المنطقة والحفاظ على عرشها في النظام العالمي، خصوصاً مع تنامي فكرة الصين بالهيمنة على بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي وتغيير النظام العالمي، والتنافس الاقتصادي والتجاري بين الولايات المتحدة والصين. وهذه المناورات هي للتأكيد أنّ هذا الوجود سيتمّ استخدامه عسكريّاً إن كان هناك خطر على أمن أي من دول الحلفاء في المنطقة.
فعلى الرغم من انشغال الولايات المتحدة والعالم بالحرب الأوكرانية في القارة الأوروبية، إلّا أنّ عديد الجيش الأميركي في أوروبا بالكاد يصل إلى 100 ألف عسكري، في حين يصل عددهم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى 330 ألف عسكري، إضافة إلى 3 حاملات طائرات وأكثر من 300 قطعة بحرية مقاتلة و22 طائرة شبحية استراتيجية وأكثر من 60 طائرة قاذفة قنابل «ب 52» منتشرة على رقعة واسعة من دول الحلفاء في جوار الصين، آخرها الفيليبين، ونشر قاذفات «بي 1 بي» التابعة لسلاح الجو الأميركي في غوام، وصفقة الغواصات النووية (على الأقل 3 غواصات) بين أستراليا والولايات المتحدة، وإرساء غواصة نووية على شواطئ كوريا الجنوبية.
المناورة المشتركة في أستراليا تعتبر الكبرى منذ 2005 وتهدف إلى تعزيز العلاقات العسكرية ردّاً على توسّع الصين في المنطقة، فقد تمّ تدشين أوّل سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية على شواطئ دولة أجنبية، حيث دشّنت الولايات المتحدة في ميناء سيدني السفينة الحربية «أتش أم إي أس كانبيرا» خلال حفل أُقيم في قاعدة بحرية أسترالية، وانضمّت رسمياً إلى الأسطول الناشط للبحرية الأميركية، لتدخل ضمن المناورات التدريبية «تاليسمان سابر» المشتركة بين الولايات المتحدة وأستراليا، حيث تمّ إشراك 30 ألف عسكري من 13 دولة (أستراليا، الولايات المتحدة، كندا، نيوزيلندا، كوريا الجنوبية، اليابان، إندونيسيا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، فيجي، غينيا الجديدة، تونغا).
هذا التصاعد في هذه المنطقة له أسباب عديدة، منها اقتصادية وتجارية، فهي غنية بالموارد الطبيعية وتعدّ وجهة سياحية للسيّاح من مختلف بلدان العالم، فضلاً عن موقعها الجغرافي المطلّ على المحيط الهادئ، الذي يوفر النقل البحري المنخفض الكلفة بين الشرق والغرب، ومناطق الصيد الواسعة، وحقول النفط والغاز البحرية المقدّرة بحوالى 23 تريليون متر مكعب من الغاز و7 مليارات برميل من النفط، والمعادن. كذلك، فإنّ قرب جزر المحيط الهادئ من مضيق ملقا، وأهمية مضيق تايوان، يزيد الدول رغبةً في السيطرة عليها، لما للمضيق من أهمية في المرور الآمن لبضائع الدول الإقليمية والدولية والنفط.
المحافظة على المصالح الأميركية في المنطقة هو من أهم أسباب الاهتمام العسكري في المحيطين الهندي والهادئ. وما تسبّب في تخوّف الولايات المتحدة هو التصعيد الصيني بعسكرة بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، وبناء الجزر الإصطناعية التي أصبحت تستخدم كخط دفاعي متقدّم للصين ومحيط تايوان، والتجارب الباليستية البعيدة المدى لكوريا الشمالية، فباتت نية الصين وحلفائها الهيمنة على الدول المجاورة، ولعلّ دعم الصين لروسيا في حربها ضدّ أوكرانيا قد زاد الخوف الأميركي بأن يدعم بوتين بكين في حروبها المستقبلية، فالمناورات المشتركة الصينية - الروسية في سيبيريا وشرق روسيا كانت الأضخم في التاريخ، وهناك تخطيط للقيام بمناورات عدّة هذا العام.
لتحقيق مصالح الدول العظمى في هذه المنطقة، لا بدّ من ترجمتها عسكرياً، فاليابان بدأت تعديل مبادئها الدفاعية الموجودة في الدستور الذي وضعته الولايات المتحدة، وهذه التعديلات تهدف إلى زيادة القدرات الدفاعية وتغيير العقيدة الدفاعية لقوات الدفاع الذاتية اليابانية، وتشريع قوانين للدفاع عن أمن الدول المجاورة، وهذا بدعم من الولايات المتحدة الموجودة عسكرياً بشكل ضخم في جزيرة أوكيناوا، وكل الدول المجاورة تزيد قدرتها الدفاعية والهجومية، والمناورات المشتركة تؤكّد نيّة الطرفين بالتصعيد اللامحدود. فهل التوازن الاستراتيجي قابل للتحقّق دون مواجهة عسكرية ستتحوّل حرباً عالمية ثالثة؟