كارين عبد النور

في طرابلس... هدْمٌ "أثريّ" يتجاهل المعايير والصلاحيات

ما خلْف "واجهة" مبنى الزاهرية المُنهار

12 تشرين الأول 2023

02 : 00

مبنى «المير» الذي تم هدمه ويشبه إلى حد كبير مبنى فندق «رويال» بتركيبته المعمارية والتراثية

غبار انهيار مبنى الزاهرية الأثري في طرابلس الشهر الماضي لم ينجلِ من سماء وزارة الثقافة ولجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس. فبعد إصرار المديرية العامة للآثار، طيلة أكثر من ثلاث سنوات، على رفض طلب صاحب المبنى الإستحصال على رخصة هدم - باعتبار الأخير جزءاً لا يتجزأ من النسيج التراثي العمراني المتكامل للمنطقة - جاء قرار وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال، القاضي محمد المرتضى، بالسماح بهدم المبنى مفاجئاً. القرار ضرب بعرض الحائط معايير الترميم وشكّل تعدّياً واضحاً على صلاحيات المديرية وتخطّياً فاضحاً لمبدأ «حفظ التراث الثقافي في لبنان».



التعدّي على المباني التراثية من قِبَل الدائرين في فلك السلطة ليس جديداً في طرابلس. ففي العام 2010، قام النائب السابق محمد كبارة بهدم مبنى «مسرح الإنجا» - المعروف بمسرح «زهرة الشام»، والذي شهد الكثير من الفعاليات الفنية والأحداث التاريخية كأوّل دار أوبرا ومسرح في طرابلس ولبنان. وها هو طارق المير - صاحب مبنى الزاهرية، متعهّد البناء وصاحب أفران المير «يلّي إيدو طايلة»، كما يصفه الطرابلسيون - يستغلّ علاقته «المميّزة» بوزير الثقافة للاستحصال على قرار هدم المبنى بعد أن تعذّر عليه ذلك قانوناً. المرتضى الذي تفرّد بإذن الهدم هو نفسه من أطلق مبادرة «طرابلس عاصمة للثقافة العربية 2024»، وهو الذي حضر (قبل عشرة أيام من انهيار المبنى) حفل افتتاح قصر نوفل/المركز الثقافي البلدي/مركز رشيد كرامي، بعد ترميمه. علماً بأن الأخير يتشابه إلى حدّ كبير مع مبنى «المير»، إن لناحية القيمة التراثية أو العناصر المعمارية. فكيف للثقافة وسياسة هدم التراث أن يلتئما؟




مبنى فندق رويال قبل ترميمه



...وبعد الترميم



تخريجة الهدم



لمزيد من التفاصيل، تواصلنا مع رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس، الدكتور خالد تدمري، الذي أوضح لـ»نداء الوطن» أن مبنى «المير» يحتل واجهة الأبنية التراثية المعرّضة للخطر وأن صاحبه تقدّم مراراً وتكراراً، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، بطلب الحصول على رخصة هدم. غير أن المديرية العامة للآثار/ وزارة الثقافة كانت تتمسّك برفض الطلب، مشدّدة على ضرورة إعادة ترميم وتدعيم المبنى مع إدخال بعض التعديلات بهدف الحفاظ على الهوية المعمارية للمدينة واستحالة تحويله إلى مبنى باطوني. لكن لِمَ إصرار صاحب المبنى على هدمه؟ «لأن ذلك يعود عليه بأرباح مادية من خلال بيع الرمل والحجارة المتأتّية من عملية الهدم، حيث يتراوح سعر الحجر الواحد بين 4 و8 دولارات، كما القناطر والأعمدة الرخامية المستورَدة من إيطاليا والكونسولات الحجرية المحفورة يدوياً وغيرها. ناهيك بإنشاء مبنى حديث يعطيه حق الاستفادة من طوابق تحت الأرض وسبعة أخرى فوق الأرض، بينما المبنى التراثي يتألف من طابق أرضي زائد طبقتين فقط»، كما يجيب تدمري.



وأكثر من ذلك. إذ يبدو أن صاحب المبنى تمكّن من الاتفاق مع وزير الثقافة على إيجاد تخريجة معيّنة للحصول على إذن الهدم. فما كان من الوزير إلّا أن شكّل لجنة تضمّ ثمانية من مستشاريه من خارج المديرية العامة للآثار، وجرى عقد اجتماع في 28 نيسان الماضي حضره أربعة من أصل ثمانية أعضاء صدر عنه قرار بانتفاء القيمة المعمارية للمبنى وما يمنع هدمه. «يظهر أن القرار متّفق عليه مسبقاً والمضحك أن اللجنة تضم عضواً واحداً فقط من طرابلس وأن القرار صدر بحضور نصف الأعضاء فقط. وهنا نسأل: من هي هذه اللجنة التي أعطت القرار المناقِض لقرار كل من المديرية العامة للآثار وبلدية طرابلس ولجنة الآثار والتراث، وكيف لها أن تنكر الطابع المعماري المميّز للمبنى والذي لا يختلف عليه اثنان؟»، يتساءل تدمري. بيد أن البلدية، كونها غير ملزَمة بتطبيق أي قرار صادر عن وزارة الثقافة، تمسّكت بقرار رفضها إعطاء إذن الهدم.



فندق "رويال" و"مسرح الإنجا" الذي هدمه النائب السابق محمد كبارة



و"المير" حالياً بعد انهياره



... والبلدية تتحدّى


أكانت المسألة صدفة أم عن سابق تصوّر وتصميم، المبنى»سقط» في 18 أيلول الماضي، أي بعد قرابة أربعة أشهر على صدور قرار الوزير. بعض من تواصلنا معهم من سكان المنطقة أكّدوا أن طارق المير «مدعوم» وهدفه هدم المبنى لتوسيع أفرانه الواقعة في الجهة الخلفية. كما وصف المحيطون بالمبنى مشاهداتهم (على مدار السنوات الثلاث الماضية) لتحرّكات غريبة كانت تتمّ ليلاً داخل المبنى من عمليات تفريغ وفكفكة حجارة وزعزعة ركائز. ويخبرنا آخرون أن المبنى كان متكاملاً في الأساس وغير آيل للسقوط لولا «الخلخلة» التي تعرّض لها ونزْع حجارته على مراحل. ويستغرب أحدهم قرار الهدم بدلاً من الترميم على غرار مبنى فندق «رويال» الذي كانت حاله أسوأ، بالمقارنة، ليتحوّل بعدها إلى تحفة معمارية. ولم ينسَ أن يذكّرنا بحيّ الجمّيزة والمنطقة المواجِهة لمرفأ بيروت التي سقطت واجهات أبنيتها بالكامل وأعيد ترميمها بقرار صارم من المديرية العامة للآثار.



هناك فيديو مسرَّب يُظهر بوضوح صاحب المبنى وهو يقوم بتكسير وبيع الحجارة ومحاولة هدم الأساسات مستقوياً بقرار الوزير. أما تاجر الحجارة، فيُدعى «أبو محمد» ويُلقَّب بـ»السوري». وبحسب أحد أبناء المنطقة، الأخير يعمل لدى المالك ويشتري الحجارة منه ليبيعها لاحقاً في البترون وجبيل. فهل تكون الأعمال التخريبية المتعمَّدة السبب وراء إسقاط المبنى لتحقيق غاية مالكه المرجوّة؟ جمعيّتا «الإنماء والتراث» و»طرابلس السياحية» المعنيّتان بشؤون الآثار والسياحة استنكرتا قرار الوزير. أما المجلس البلدي، فقد دُعي إلى جلسة لاتّخاذ قرار واضح حيال ما حصل. وفي هذا السياق يعلّق تدمري: «ما زالت الواجهة الرئيسية للمبنى المنهار صامدة، ونحن مصمّمون على تحدّي قرار الوزير وإرغام المالك على تدعيمها وتثبيتها بأسرع وقت ممكن، إلى حين إعادة تشييد المبنى ضمن الشروط التي وضعتها المديرية العامة للآثار. فليكن هذا عبرةً قبل أن تكرّ السبحة ونرى عمليات الهدم تتوالى. فقرار الوزير سيفتح شهيّة المتعهّدين على استهداف المباني التراثية في طرابلس، ما يتعارض مع كونها عاصمة الثقافة العربية».



قرار وزير الثقافة





من يُحاسِب؟

بالانتقال إلى وزارة الثقافة، فقد أعلنت الأسبوع الماضي أنها اضطُرت لاتخاذ قرار الهدم حفاظاً على السلامة العامة بعد ورود العديد من الطلبات والتنبيهات التي تحذّر من إمكانية سقوط المبنى في أي لحظة. أما مصادرها، فأشارت لـ»نداء الوطن» الى أن اللجنة الاستشارية التي شكّلها الوزير هي المرجعية الوحيدة المخوَّلة اتّخاذ قرار الهدم من عدمه. وبما أن خلافاً نشب بين أعضاء اللجنة - وهُم يمثّلون كافة المناطق اللبنانية - حيث وافق أربعة منهم على القرار مقابل اعتراض الأربعة الآخرين، قام الوزير شخصياً بحسم القرار نظراً للخطر الداهم. ويضيف المصدر: «على ضوء الخلاف الحاصل داخل اللجنة، نحن بصدد تشكيل لجنة جديدة تتضمّن أسماء مهندسين عالميّي المستوى، خرّيجي جامعات عريقة ومن كافة الطوائف، وسيكون لهم حتماً رأي في قضية المبنى المنهار».

نستفسر عن الأسباب التي حالت دون تدعيم المبنى بدلاً من هدمه، خصوصاً وأنه يقع في شارع تاريخي - أثري إلى جانب المخفر العثماني وعددٍ من المدارس الإرسالية، كشاهد على مرور أوّل ترامواي. ويقول المصدر: «لقد عالجنا الموضوع من خلفية قانونية، غير أن الأمور الفنية من تدعيم وترميم هي من مسؤولية اللجنة الاستشارية. أما بالنسبة لمبنى الزاهرية تحديداً، فكان من شأن تدعيمه أن يكون أكثر ضرراً من الهدم وإعادة البناء. فما المانع طالما أن الجهة المالكة تعهّدت بإعادة البناء وفق المعايير السابقة نفسها».

تجدر الإشارة إلى أن الوزارة وجّهت كتاباً إلى النيابة العامة المالية تطلب فيه اتّخاذ الإجراءات اللازمة بحقّ بائعي الحجارة. وهنا ثمة من يسأل وزير الداخلية عمّا آلت إليه التحقيقات وعن أسباب التقاعس في توقيف «تجّار» الحجارة الذين كشفتهم التسجيلات بالصوت والصورة وباتت أسماؤهم وجنسياتهم معروفة. ثم ماذا عن التغافل عن محاسبة طارق المير رغم المعطيات الحسّية من مقاطع فيديو وتسريبات صوتية وشهود عيان؟ وماذا لو انهار المبنى فوق رؤوس سكان المنطقة أثناء عمليات التخريب معرّضاً السلامة العامة للخطر؟ هذه أسئلة يتناقلها المتابعون مستحضرين ما حصل مع النائب كبارة حين قضى ثلاثة عمّال من الجنسية السورية أثناء محاولة إسقاط مبنى «مسرح الإنجا».



بارقة أمل

الأسئلة تبقى برسم وزير الداخلية حتى إشعار آخر. فالإجابات، كالعادة، مفقودة، تماماً كالمبالغ التي يجب أن ترصدها الدولة كتعويضات لأصحاب المباني الأثرية تحفيزاً على عدم هدمها، واستبدالها بأخرى حديثة ذات مردود مالي، حفاظاً على التراث الأثري المعماري اللبناني. على أي حال، أصدر الوزير المرتضى، الأسبوع الماضي، قراراً بتشكيل اللجان التي ستتولّى تنظيم ووضْع برامج «طرابلس عاصمة للثقافة العربية 2024» - كلجنة الفنون، والمسرح، وإدارة الفعاليات، والآثار وتسويق السياحة الثقافية. لكن الملفت أن لجنة الآثار والتراث في طرابلس لم تمثَّل برئيسها أو بأيّ من أعضائها ضمن تلك اللجان. فالخوف من أن تكون قرارات الأخيرة شبيهة بقرار اللجنة الاستشارية التي لم تعترض على إجراء هدم المبنى. وما يزيد المخاوف هو أنها – أي اللجان المشكّلة - تضمّ بعضاً من أعضاء الاستشارية. فهل أن القاعدة السائدة في التشكيل: «من معنا يُرحَّب به، ومن ضدّنا يُستبعَد»؟

عشيّة إعلان طرابلس عاصمة للثقافة العربية، يأمل المتابعون أن يتراجع وزير الثقافة عمّا يوصّفونه بـ»الخطأ»، ويُجبر المالك على تثبيت ما تبقّى من واجهة المبنى وإلزامه بإعادته إلى ما كان عليه. على أن يترافق ذلك مع تقديم خطة هندسية متكاملة من قِبَل مهندس متخصّص توافِق عليها المديرية العامة للآثار. أفلا يكفي، كما يتساءل هؤلاء، أن تُتوَّج طرابلس على عرش الثقافة وآثار احتراق مبنى بلديّتها الأثري شاخصة، وسط تجهيل الفاعل و»ضبضبة» الملف؟