بول هوكينوس

اليمين المتطرّف في ألمانيا أسوأ ممّا هو عليه في بقيّة أوروبا

31 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

في أنحاء ألمانيا، نزل حوالى مليون شخص إلى الشوارع وساحات المدن في الآونة الأخيرة احتجاجاً على زيادة شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ورسائله التي تزداد عدائية مع مرور الوقت. في مدينة برلين وحدها، تجمّع أكثر من مئة ألف شخص في باحة البوندستاغ، عشية 21 كانون الثاني، وهم يحملون لافتة كُتِب عليها «دافعوا عن الديموقراطية: معاً ضد اليمين»، فتدفقوا إلى الشوارع المجاورة بين بوابة «براندنبورغ» ومحطة القطارات في وسط المدينة. تحمل اللافتات والخطابات الفكرة نفسها في كل مكان، من ميناء بحر البلطيق إلى مدينة «فرايبورغ» بالقرب من الحدود السويسرية: لم يعد التطرف اليميني الذي يلوّح به حزب «البديل من أجل ألمانيا» يناسب ألمانيا الديموقراطية.



ربما بدت هذه الفكرة مبالغاً فيها سابقاً، لكنها لم تعد كذلك اليوم. تأسس حزب «البديل من أجل ألمانيا» في العام 2013، وهو لا يُعتبر حديث العهد، وحتى عنصريته الاستفزازية والمقنّعة ونزعته إلى كره الإسلام ليست جديدة. لكنه زاد تطرفاً بدرجة هائلة في آخر 5 سنوات، وتتزامن هذه التطورات مع انتشار معلومات مخيفة عن اجتماع سرّي حصل في شهر تشرين الثاني. أصبح هذا الحزب اليوم أكثر تطرفاً من عدد كبير من الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أنحاء أوروبا، بما في ذلك «ديموقراطيو السويد»، و»حزب الفنلنديين»، و»الحزب الهولندي من أجل الحرّية».



في هذا السياق، يقول عالِم الاجتماع الألماني فيلهلم هيتماير إن حزب «البديل من أجل ألمانيا» يرمز اليوم إلى «التطرف القومي الاستبدادي»، أي الفكر الذي يدعم مجتمعاً منظماً من الناحية الهرمية ومتجانساً من الناحية العرقية تُشرِف عليه دولة متسلّطة. من وجهة نظره، يتعلّق أبرز جانب متطرف في هذا الحزب بتواصله وتعاونه مع جماعات منغلقة تستعمل العنف ضد أقليات منتقاة. تشمل هذه الأطراف مجموعة واسعة من الجماعات المسؤولة عن أعلى مستويات جرائم الكراهية في ألمانيا منذ ثلاثة عقود، بمن فيهم النازيون الجدد. تتعدد الفئات التي تقع ضحية هذه الجماعات، منها اللاجئون، الرعايا الأجانب، اليهود، المسلمون والمثليون.



يكشف بحث نشرته صحيفة «دير شبيغل» الأسبوعية أن حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي أسّسه خبراء اقتصاد يحملون ميولاً قومية ويؤيدون العودة إلى عملة المارك الألماني، يستعمل اليوم لغة شبه مطابقة للغة «الحزب الوطني الديموقراطي» الألماني الذي أصبح محظوراً الآن: كان هذا الحزب الصغير والكاره للأجانب يجاهر بميوله النازية الجديدة صراحةً، وقد ترشّح في الانتخابات الألمانية طوال عقود، لكنه لم يحصد أي مقاعد في البوندستاغ. تزعم صحيفة «دير شبيغل» أن «حزب «البديل من أجل ألمانيا» و»الحزب الوطني الديموقراطي» متقاربان جداً، لا على مستوى الناخبين أو جزء من الشخصيات فيهما فحسب، بل تتعدد النقاط الإيديولوجية المتداخلة بينهما. يبدو أن «البديل من أجل ألمانيا» يضاهي «الحزب الوطني الديموقراطي» [من العام 2012] في كلّ المجالات تقريباً، حتى لو بدا الحزب الأول أكثر اعتدالاً في برنامجه».



كانت المصطلحات التي يستعملها أعضاء حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليوم في عدد هائل من الخطابات جزءاً من كلمات «الحزب الوطني الديموقراطي» طوال سنوات. تستعمل الوثائق المنسوبة إلى هذين الحزبَين مصطلحات رجعية يشتق بعضها مباشرةً من ألمانيا النازية: Umvolkung (استبدال السكان)، Volkstod (موت الأمّة الألمانية)، Stimmvieh (قطيع التصويت) في إشارة إلى ناخبي الأحزاب المعارِضة، Passdeutschen (الأجانب من حاملي الجوازات الألمانية). وعلى غرار «الحزب الوطني الديموقراطي»، تذكر «شبيغل» في دراسة أخرى أن «البديل من أجل ألمانيا» يحافظ على روابط وثيقة مع ميليشيات عنيفة.



هذا التطرف الذي أثار استياء الألمان في الماضي أوصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى مستويات جديدة من الشعبية اليوم: تشير استطلاعات الرأي إلى حصده 22 في المئة من الدعم الوطني، وهو يحتل المركز الثاني بعد «الحزب المسيحي الديموقراطي»، كما أنه يحصد أكثر من 30 في المئة من الأصوات في ولايات عدة، ما يجعله القوة السياسية الأولى هناك قبيل الانتخابات المرتقبة في الخريف المقبل.



يمكن إيجاد معاقل هذا التطرف في منظمة «بديل الشباب» التابعة للحزب وثلاث ولايات فدرالية تقع في شرق ألمانيا: ساكسونيا، وساكسونيا أنهالت، وتورينجيا. تعتبرها أهم وكالة أمنية محلية في ألمانيا «متطرفة جداً»، وهي تخضع راهناً للمراقبة باعتبارها تطرح تهديداً على النظام الديموقراطي. قد يحيل هذا التحقيق القضية إلى المحكمة العليا التي تستطيع حظر الحزب فوراً.



تتماشى مواقف جميع الأحزاب السياسية البارزة الأخرى مع السخط الشعبي الهائل ضد «البديل من أجل ألمانيا» في الوقت الراهن، ويأتي هذا الغضب غداة تحقيق مفاده أن كبار الشخصيات في هذا الحزب عقدوا اجتماعاً سرياً في تشرين الثاني مع نازيين جدد معروفين ومموّلين أثرياء لوضع خطط لترحيل المواطنين الأجانب أو حتى المواطنين الألمان المولودين في الخارج قسراً.



إجتمع هؤلاء المتطرفون في فندق بالقرب من بوتسدام لتصميم ما يسمّونه «الخطة الرئيسية لإعادة توجيه الهجرة»، وهي تهدف إلى ترحيل ملايين الناس بالقوة. قارن المراقبون المصدومون هذه الخطط بـ»مؤتمر وانسيي» الذي عُقِد على مسافة غير بعيدة من بوتسدام، في العام 1942، حيث نسّق النازيون خططهم لترحيل وقتل جميع السكان اليهود في أوروبا.



حاول بعض السياسيين في «البديل من أجل ألمانيا» إبعاد حزبهم عن «اجتماع بوتسدام»، بينما دعم آخرون الهدف منه صراحةً. أعلن هانز كريستوف بيرندت، ممثل الحزب في برلمان ولاية براندنبورغ في 17 كانون الثاني: «إعادة توجيه الهجرة ليست خطة سرّية بل وعد... وما من طريقة أفضل لتنفيذها».



كان وقع ذلك التحقيق مدوّياً، لكن لا تكشف معلوماته أي معطيات جديدة عن حزب «البديل من أجل ألمانيا»، بل إنها تؤكد على تحليلات خبراء يفترضون أن هذا الحزب، بقيادة أكثر الشخصيات تطرفاً، لا سيما عضو مجلس تورينجيا التشريعي بيورن هوكه، تفوّق بتطرفه على أحزاب يمينية متشدّدة أخرى في أوروبا. تعليقاً على الموضوع، تقول آن كاثرين جونغار، عالِمة سياسية من جامعة «سودرتورن» في السويد: «لن يجد حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكله الراهن مكاناً له في صفوف الديموقراطيين السويديين ومعظم الأحزاب اليمينية الأكثر اعتدالاً وسط المحافظين الأوروبّيين والإصلاحيين في البرلمان الأوروبي. على غرار «البديل من أجل ألمانيا»، يعارض «ديموقراطيو السويد» و»حزب الفنلنديين» و»حزب الشعب الدنماركي» الهجرة ويفضلون دولة القانون والنظام». لكن دفعتهم تجارب اليمينيين الشماليين في السلطة إلى التكيّف مع المعايير والخيارات السياسية السائدة. (أصبح حزب «ديموقراطيو السويد» اليوم من الداعمين غير الرسميين للائتلاف الحاكم في السويد، وبات «حزب الفنلنديين» جزءاً من الائتلاف الحاكم في فنلندا، بينما عبّر «حزب الشعب الدنماركي» عن دعمه للحكومة الدنماركية المحافظة بين العامين 2001 و2011، وبين 2015 و2019).



لكن على عكس هذه الأحزاب، تقول جونغار إن حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يزداد تطرفاً يستميل المسلحين عمداً، ويستعمل خطابات معادية للسامية، ويلوّح بفكرة انسحاب ألمانيا من حلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي. كذلك، عارض السياسيون في هذا الحزب حقوق التبني للمثليين، وضم الأولاد المصابين بإعاقات إلى المدارس العادية، وتشريع الإجهاض. برأي جونغار، لا يمكن أن يمرّ هذا النوع من المواقف في السويد.



لكن يبدو الوضع أكثر تعقيداً مع «حزب الحرّية» النمسوي المقرّب من «البديل من أجل ألمانيا»، فهو يمرّ بمرحلة جديدة من التطرف في الفترة الأخيرة. مع ذلك، يظن المؤرخ النمسوي أولف برونباور من جامعة «ريغنسبورغ» أن ولايتَين في الحكومة الفدرالية منذ العام 2000 وولايات أخرى في عدد من المجالس التشريعية الإقليمية دفعت «حزب الحرّية» النمسوي إلى تخفيف مواقفه العنصرية.



يوضح برونباور: «يبدو «حزب الحرّية» أقل تطرفاً من «البديل من أجل ألمانيا»، لا سيما عند أخذ النقاء العرقي كمقياس لتقييم الوضع. حاول «حزب الحرّية» مثلاً استمالة الصرب المجنّسين. يشمل هذا الحزب مجموعة متنوعة من الآراء، بينما خسر «البديل من أجل ألمانيا» معظم مناصريه المعتدلين. يُعتبر جزء كبير من أعضاء «حزب الحرّية» أكثر اعتدالاً بكثير، باستثناء بعض الأسماء مثل زعيم الحزب الحالي هيربرت كيكل».



يظن برونباور أن النمسا لا تشمل مظاهر النازية الجديدة بقدر شرق ألمانيا. لكن يحمل بنجامين أوبراتكو، عالِم سياسة من جامعة «لوفانا» الألمانية في «لونبيرغ»، رأياً مختلفاً عن «حزب الحرّية» النمسوي: «اتخذ هذا الحزب في عهد كيكل منحىً يمينياً أكثر تطرفاً، ولا يمكن التمييز بينه وبين اليمينيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليوم. هم يريدون أن يغادر الأشخاص الذين لا ينتمون إلى النمسا بحسب رأيهم. هم لا يريدون ترحيلهم بعد، لكنهم يرغبون في تجريدهم من جنسيتهم، ويريدون تقليص الامتيازات الاجتماعية التي يستفيد منها الناس لدرجة أن تنهار سبل معيشتهم. هذا هو جوهر برنامج الأحزاب التي تشبه «البديل من أجل ألمانيا» و»حزب الحرّية». هم ينشرون أوهاماً تتراوح بين الشعبوية والفاشية. لا يقترب حزب «البديل من أجل ألمانيا» أو أيّ من نظرائه اليمينيين المتطرفين في أوروبا الغربية من استلام السلطة بالكامل مثلما فعل حزب «فيدس» بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان في المجر أو «حزب العدالة والقانون» في بولندا. لكن من خلال التلاعب بالمحاكم وقمع قوى المعارضة، بدأت هذه الأحزاب تُضعِف النظام الديموقراطي تدريجاً. هذا هو نموذج حزب «البديل من أجل ألمانيا» وهذا ما يريد تحقيقه».