آني تشيكفادزه

الأرمن يتساءلون عمّن يستحق ثقتهم بعد حروبهم الخاسرة

18 آذار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

متظاهر أمام قوات حفظ السلام الروسية في ستيباناكيرت، عاصمة "ارتساخ" - 24 كانون الاول 2022

في أيلول 2023، نجحت أذربيجان في الاستيلاء على آخر أجزاء من منطقة «أرتساخ» ناغورني قره باغ المتنازع عليها التي كانت موطن الأرمن بشكل ساحق، ما أدى إلى إطلاق موجة جماعية من هجرة الأرمن.

إستغلت باكو الفرصة في ظل تردد الغرب وحصولها على الدعم من تركيا وانشغال روسيا في أوكرانيا، فأشعلت صراعاً بقي مجمّداً لفترة طويلة. بعد انتصار أرمينيا في نهاية الحرب الأولى هناك في العام 1994، حين كانت تحظى بدعمٍ ضمني من موسكو، يتعامل الأرمن راهناً مع الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبوها في آخر ثلاثة عقود. تزامناً مع تلاحق المواقف العدائية من باكو، تخشى يريفان اليوم خوض حرب وشيكة أخرى بعدما تخلّت عنها حليفتها الأساسية، روسيا.

في العام 2020، استولت أذربيجان على جزء كبير من المنطقة خلال حرب حاسمة استمرت طوال 44 يوماً وحصدت آلاف الأرواح. بقي عدد كبير من الأرمن في المركز الإداري ستيباناكيرت ومحيطه. لعبت موسكو دور الوساطة لوقف إطلاق النار، ثمّ انتشر ألفا عنصر من قوات حفظ السلام الروسية ميدانياً. لكن أكدت المواجهة في السنة الماضية على عدم فاعلية تلك القوات أو عدم استعدادها للتحرك.

يشعر الأرمن بالسخط بعد خسارة أرضٍ تشكل جزءاً أساسياً من هويتهم الوطنية. أطلقت الهزيمة خلال حرب الأربع وعشرين ساعة في أيلول 2023 تظاهرات ضد الحكومة الأرمينية، لكنها بقيت محدودة وغير مؤثرة.

أدرك الكثيرون حقيقة الوضع بعد حرب العام 2020. بدأت الحكومة في يريفان تفكر باحتمال أن يكون اتكالها على موسكو لنيل ضمانات أمنية نهجاً خاطئاً. اتخذت أرمينيا بعض الخطوات لإثبات استعدادها للتقرب من الغرب، لكنها لم تتخلَ عن موسكو رغم كل شيء وامتنعت عن اتخاذ خطوات مؤثرة لأنها تخشى ألا يرحّب الغرب بمقاربتها بالشكل المناسب وتدرك حجم اتكالها على روسيا.

طوال ثلاثين سنة، تلقى البلد دعماً ديبلوماسياً وعسكرياً من روسيا، فأصرّ على رفض أي تسوية مع باكو، ما سمح لأرمينيا بالحفاظ على سيطرتها في «أرتساخ». كان رئيس الوزراء نيكول باشينيان أول زعيم أرميني لا تربطه علاقة مباشرة مع «أرتساخ». لطالما بدت علاقة الحكومات والمعارضة وثيقة مع السلطات هناك في الماضي، وحافظ المسؤولون فيها على روابط مباشرة مع موسكو أيضاً. لم يسبق أن اعترفت يريفان رسمياً بجمهورية «أرتساخ» (الاسم الأرمني الرسمي لناغورني قره باغ) ككيان مستقل أو كجزءٍ من دولتها، فتمسكت بمكانة المنطقة الغريبة كشبه دولة تزامناً مع تأمين ميزانيتها وضمان أمنها.

لكن في العام 2018، بدأت علاقات البلد مع موسكو تتدهور وسئم الكثيرون من النخبة الفاسدة التي تسيء إدارة البلد، فنزل الناس إلى الشوارع. وصل باشينيان، الناشط الشاب في المجتمع المدني، إلى السلطة بعد ثورة سلمية وأعرب عن احترامه لموسكو في البداية. لكن تدهورت العلاقات بين الطرفَين بعد فترة قصيرة.

يقول ريتشارد جيراغوسيان، مدير مركز السياسة الإقليمية في يريفان: «طرح وصول باشينيان إلى السلطة تحدياً على (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، بما يشبه ما حصل في جورجيا وأوكرانيا». أقدمت روسيا على غزو هذين البلدين بعدما حاولا الخروج من محور موسكو.

يوضح أرمين غريغوريان، رئيس مجلس الأمن القومي الأرمني: «غيّرت جورجيا وأوكرانيا سياستهما الخارجية بعد ثورتَي الزهور والميدان وواجه البلدان تداعيات تلك الخطوة. نحن لم نُحدِث أي تغيرات، لكننا عوقبنا رغم ذلك».

حين اندلعت الحرب الثانية بين باكو ويريفان في العام 2020، اختارت موسكو تجاهل ما يحصل. اعتبرت السلطات الأرمينية التردّد الروسي موافقة ضمنية على تحركات باكو. يظن غريغوريان أن جمود روسيا كان يهدف جزئياً إلى معاقبة باشينيان.

جاء غزو روسيا الشامل لأوكرانيا وأداؤها الكارثي هناك ليقضي على أي آمال متبقية بأن يحصل أرمن «أرتساخ» على الدعم الروسي.

قبل حرب أيلول وفي الأسابيع التي تلتها، بدأت حكومة باشينيان تبحث بكل يأس عن تحالفات بديلة وتبتعد عن روسيا.

إستدعت الحكومة مُمثّلها من «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» التي تسيطر عليها روسيا، ووافقت على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة توقيف بحق بوتين، وشاركت في تدريبات عسكرية محدودة مع الولايات المتحدة، وشككت صراحةً بقدرة موسكو على ضمان أمنها، حتى أن باشينيان اعتبر علاقة البلدَين «خطأً استراتيجياً».

لكن يبقى اتكال أرمينيا على موسكو قوياً. تحتفظ روسيا بقاعدة عسكرية في كيومري، وتسيطر على اثنتين من حدود أرمينيا الأربعة، وتزوّد البلد بمعظم مصادر الطاقة، وتبقى أهم شريكة تجارية له. كذلك، لا تزال أرمينيا جزءاً من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تديره موسكو.

يقول جيراغوسيان: «تخلّت أرمينيا عن جزء من استقلاليتها مقابل تلقي ضمانات أمنية». لم تطلق يريفان أي موقف حقيقي على مر الحرب في أوكرانيا، فالتزمت الصمت في هذا الملف.

لكن قد تكون مساعي يريفان لإيجاد شركاء جدد مجرّد محاولة لإثارة غيرة موسكو. قررت الحكومة تفويت آخر اجتماع لرابطة الدول المستقلة بقيادة روسيا، لكن حضر رئيس الوزراء قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في كانون الأول في سانت بطرسبرغ.

يتساءل عالِم السياسة ألكسندر إسكندريان من يريفان: «ما الذي تغيّر على أرض الواقع؟ هل انسحبنا من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أو «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»؟ لا، لم نفعل. الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ليس اتحاداً بمعنى الكلمة وليس اقتصادياً بطبيعته. يُعتبر كلاهما أداة لإعلان الولاء لروسيا».

لم تنجح كلّ المبادرات في نهاية المطاف. لم تكن المواقف الديبلوماسية والمناشدات الصادرة من الولايات المتحدة وأوروبا كافية لردع أذربيجان. سئمت باكو من السنوات التي أمضتها في غرف الاجتماعات لحضور مؤتمرات السلام، فاستبدلت الديبلوماسية بالطائرات المسيّرة. كذلك، رفضت موسكو التحرك على اعتبار أن اتفاقها الأمني لا يُغطّي تلك الأرض المتنازع عليها.

نتيجةً لذلك، خسرت يريفان، التي كانت تتّكل بشدّة على الأسلحة الروسية، تفوّقها العسكري على أذربيجان التي حصلت على دعم تركيا واشترت أسلحة من إسرائيل. لا يمكن أن يُعاد بناء أي جيش قادر على مجابهة أذربيجان قبل مرور عقود، وقد لا تملك يريفان هذه المدة كلها.

على غرار الحكومة، يشعر الشعب الأرميني أيضاً بأن القيادة الروسية غدرت به. في استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي في العام 2018، اعتبر 84 في المئة من الأرمينيين روسيا شريكة سياسية، واقتصرت نسبة من يعتبرونها مصدر تهديد على 6 في المئة. لكن بدءاً من آذار 2023، باتت تلك الأرقام 50 في المئة و24 في المئة توالياً.

على غرار الوضع في جورجيا وأوكرانيا، أصبح جزء كبير من الجيل الأرمني الجديد مثقفاً ومُلِمّاً باللغة الإنكليزية، سواء كانوا جزءاً من المجتمع المدني، أو الحكومة، أو حتى الأحزاب السياسية الموالية لروسيا. اليوم، أصبح البلد عالقاً بين الوقائع الجيوسياسية والبحث عن حياة أفضل.

يقول إسكندريان: «ثمة اختلاف واضح بين أفكار الناس وموقع البلد الجغرافي. إذا سألنا الناس في الشارع عن هويتهم، سيقولون إنهم أوروبّيون. هم يحلمون جميعاً بالذهاب إلى بلدان غربية للتعلّم هناك أو تمضية فترة الأعياد... لكنّ الوضع مختلف عند النظر إلى خارطة البلد».

أنتجت هجرة الأرمن من قره باغ أزمة إنسانية ناشئة في أرمينيا. يشمل هذا البلد 2.8 مليون نسمة، وهو لا يزال من أفقر دول المنطقة. تستفحل مظاهر الفقر واليأس في كل مكان. باتت يريفان مضطرة لإعالة أكثر من مئة ألف شخص هربوا من قره باغ، علماً أن الحكومة تتعامل أصلاً مع مئة ألف روسي هربوا من الحرب الروسية في أوكرانيا.

يقول الباحث جوني مليكيان من مركز «أوربيلي» في يريفان: «تشهد المنطقة تحولات هائلة وتنتشر فيها الشكوك والاضطرابات. يراقب الكثيرون الأحداث لمعرفة مسار تطور الوضع تزامناً مع استمرار حرب أوكرانيا».

قد لا يستمر الوضع الراهن لفترة طويلة بما يكفي بالنسبة إلى باشينيان. فاز هذا الأخير بآخر انتخابات برلمانية في العام 2021 بلا مشكلة، رغم الهزيمة العسكرية في حرب العام 2020. لكن قد تتغير النتيجة هذه المرة.

يقول هايك ماميجانيان من «الحزب الجمهوري» المعارِض: «بالنسبة إلينا، لم تُقلَب صفحة ناغورني قره باغ الأرمنية. باشينيان جلب الدم والمعاناة إلى بلدنا... أصبحت أرمينيا معزولة بالكامل بسببه».

لكن سيضطر أسلاف باشينيان لبذل جهود هائلة لاستعادة ثقة الرأي العام. يقول السفير الأرميني المتجوّل إدموند مانوكيان: «في النهاية، لا يلوم الناس باشينيان وحده. هم يفهمون أن هزيمتنا العسكرية تنجم عن ثلاثين سنة من الفساد واستمرار النظام الشائب».

لم تتخلَ أرمينيا عن مطالبها رغم كل شيء. تعليقاً على نزعة السلطات الأرمينية إلى الاستسلام للواقع الراهن، يقول مليكيان إن الحكومة لا تريد أن تفتعل الحرب، لكنها تدرك أن الوضع قد يتغيّر في أي لحظة. انتظرت أذربيجان ثلاثين سنة قبل التحرك.

مع استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا من دون أن تلوح أي نهاية وشيكة في الأفق، وفي ظل انشغال روسيا والغرب بتلك الحرب، يواجه المسؤولون الأرمينيون خياراً صعباً: هل يجب أن يتخلوا عن روسيا التي خانتهم رغم غياب أي مؤشر إلى قوة التزام الحلفاء الغربيين بقضيتهم؟

في غضون ذلك، تطرح تركيا نوعاً آخر من التحديات. يتحاور المسؤولون الأرمينيون مع نظرائهم الأتراك لتطبيع العلاقات بين الطرفَين. لكن تريد أنقرة أن تتوصل يريفان إلى اتفاق مع باكو قبل أن توافق على تجديد التقارب بينهما.

يضيف جيراغوسيان: «بالنسبة إلى أرمينيا، لا تتعلّق مساعي تطبيع العلاقات بتركيا بحد ذاتها، بل ترتبط بالانتقال إلى محور الغرب. تدرك يريفان أن توثيق علاقاتها مع الغرب يتوقف على تجديد علاقاتها الديبلوماسية مع أنقرة».

لكن هل يبدي الغرب استعداده لتقبّل هذا التحوّل؟

تراجع تدخّل الولايات المتحدة في جنوب القوقاز بكل وضوح في السنوات التي سبقت الحرب في أوكرانيا بسبب تغيّر الأولويات الدولية وانحسار نطاق الالتزامات الأميركية الخارجية خلال عهد باراك أوباما ودونالد ترامب، وقد استمرت هذه النزعة في عهد الرئيس جو بايدن. أدى العجز عن منع الغزو الروسي الشامل ضد أوكرانيا في شباط 2022 إلى تلاشي ثقة الشعب بالوعود الغربية وزيادة المخاوف الأمنية. قد لا يثق الأرمن بروسيا إذاً، لكن تبقى ثقتهم بالغرب محدودة أيضاً.

3