ضجّت مدن "بلاد الشام" أمس بآلاف السوريين الذين نزلوا إلى الشوارع للاحتفال بانتصار ثورتهم التي انطلقت في 15 آذار 2011 وانتصرت فجر 8 كانون الأوّل 2024 بهروب "طاغية الشام" بشار الأسد وانهيار نظامه البائد.
وفي أوّل يوم جمعة "بلا الأسد"، عمّت الفرحة قلوب غالبية السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة لكي يزيلوا هذه الديكتاتورية الدموية التي كانت جاثمة فوق صدورهم، فاحتشدوا من كبارهم إلى صغارهم في مراكز المدن الكبرى، بينها دمشق وحمص وحلب واللاذقية والسويداء.
و"احتلّت" أعلام الاستقلال الساحات وسط أجواء احتفالية تسدل الستار على مرحلة قاتمة من تاريخ سوريا الحديث، فيما يترقب السوريون بحذر ما ستؤول إليه أحوالهم في المستقبل.
ووسط هذه البهجة التي يتوجّس كثيرون من أن تكون موَقتة، لم يتفاجأ السوريون إطلاقاً باكتشاف كميات ضخمة من أقراص الكبتاغون مخزنة داخل قواعد عسكرية تابعة للنظام السابق، والتي تعهدت السلطات الجديدة باتلافها.
وفيما لا يزال كثيرون من السوريين واللبنانيين وغيرهم يتأملون في معرفة أي شيء عن مصير أبنائهم الذين ابتلعتهم "أقبية الأسد"، تتكشف تفاصيل إضافية متعلّقة بطريقة هروب الأسد إلى روسيا، لتؤكد أن الرجل لا يهتمّ لأحد سوى نفسه، الأمر الذي يُفسّر طريقة حكمه.
لم يطلع الأسد أحداً تقريباً على خططه للفرار من سوريا عندما كان نظامه يتداعى، بل خدع مساعديه ومسؤولي حكومته وحتى أقاربه أو لم يتمّ إعلامهم بالأمر على الإطلاق، بحسب ما أفاد أكثر من 10 أشخاص على دراية بالأحداث لوكالة "رويترز".
فقد أكد الأسد، قبل ساعات من هروبه إلى موسكو، لنحو 30 من قادة الجيش والأمن في وزارة الدفاع في اجتماع يوم السبت، أن الدعم العسكري الروسي قادم في الطريق وحض القوات البرّية على الصمود. كما أبلغ الأسد مدير مكتبه السبت عندما انتهى من عمله بأنه سيعود إلى المنزل، ولكنه توجّه بدلاً من ذلك إلى المطار وهرب.
ولم يبلغ الأسد حتى شقيقه الأصغر ماهر، قائد "الفرقة الرابعة"، بخطّة خروجه. وغادر ماهر بطائرة هليكوبتر إلى العراق ثمّ إلى روسيا. وعلى نحو مماثل، ترك الأسد وراءه ابني خاله إيهاب وإياد مخلوف عندما سقطت دمشق. الاثنان حاولا الفرار بسيارة إلى لبنان، لكنهما وقعا في كمين على الطريق نصبه مقاتلون أطلقوا النار على إيهاب وقتلوه وأصابوا إياد.
وفي سياق الحراك الدبلوماسي المتعلّق بسوريا، التقى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره التركي هاكان فيدان، ثمّ انتقل من أنقرة إلى بغداد، حيث أجرى لقاء مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.
وناقش بلينكن وأردوغان أحدث التطوّرات في سوريا، حيث أكد بلينكن لأردوغان أهمية أن تحترم جميع الجهات الفاعلة في سوريا حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وتتخذ كلّ الإجراءات المُمكنة لحماية المدنيين. وشدّد بلينكن على ضرورة ضمان استمرار التحالف الدولي ضدّ "داعش" في أداء مهمّته الحاسمة، فيما أكد أردوغان أن بلاده لن تسمح بأي تهاون في مكافحة "داعش".
وأوضح بلينكن عقب محادثاته مع فيدان أن هناك "اتفاقاً عاماً" مع تركيا حول سوريا، "بدءاً بالحكومة الموَقتة التي يجب أن تضمّ عدداً أكبر من الأشخاص وتحمي حقوق الأقليات والمرأة، وتستمرّ في تقديم الخدمات للشعب وتزيل الأسلحة الكيماوية وترفض العلاقات مع الجماعات المتطرّفة ولا تشكّل تهديداً لمحيطها".
ولاحقاً، أكد فيدان أن أنقرة تريد رؤية سوريا خالية من الإرهاب ولا تلقى الأقليات فيها معاملة سيّئة، كاشفاً أن بلاده ستفتح سفارتها في دمشق اليوم، في حين أفاد مسؤول قطري لـ "رويترز" بأن الدوحة سترسل أوّل وفد رسمي إلى دمشق الأحد للاجتماع مع الحكومة الانتقالية السورية وبحث إعادة فتح السفارة القطرية وتحسين توصيل المساعدات الإنسانية.
وبعد انتقاله إلى بغداد ولقائه السوداني، أكد بلينكن التزام واشنطن بأمن العراق والشراكة الاستراتيجية معه واستقراره وسيادته وبمنع عودة "داعش"، في وقت اعتبر فيه أعضاء في "الشيوخ" الأميركي من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي أنه من السابق لأوانه التفكير في رفع العقوبات عن سوريا حتى تتضح طريقة سلوك القيادة الجديدة.
في السياق، وجَّه العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، رئيس الدورة الحالية للقمة العربية، رسالة إلى القائد العام للإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع، المعروف بـ "أبو محمد الجولاني"، أشاد فيها بتعاون رئاسة إدارة الشؤون السياسية مع السفراء المُقيمين في دمشق، مشدّداً على "استعداد البحرين لمواصلة التشاور والتنسيق" مع سوريا.
وكان لافتاً إصدار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمراً للقوات الإسرائيلية بالاستعداد للبقاء خلال فصل الشتاء على جبل الشيخ، وهو موقع استراتيجي يطلّ على دمشق، في إشارة جديدة إلى أن الوجود الإسرائيلي في سوريا سيستمرّ لفترة طويلة.
واعتبر أنّه "نظراً لما يحدث في سوريا، فإن هناك أهمية أمنية بالغة لبقائنا" على قمة جبل الشيخ، لافتاً إلى أن الطقس الشتوي القاسي على جبل الشيخ، وهي قمّة يبلغ ارتفاعها 2800 متر على الحدود بين سوريا ولبنان، يجعل من الضروري المباشرة باستعدادات خاصة لإقامة طويلة للقوات الإسرائيلية، في وقت ما زالت تقصف فيه إسرائيل مواقع داخل سوريا.