في عالم الشعر، لا تقتصر هوية الشاعر على لغته الأم، بل تتشكّل من تجربته، أحلامه وذكرياته. نبيل محمود طي أبو ضرغم أحد هؤلاء الشعراء الذين اختاروا الكتابة بالفرنسية، لا ابتعاداً عن لغته العربية، بل كباحث عن مساحة أوسع للتعبير. في "اليوم العالمي للفرنكوفونيّة" (20 آذار) يحكي أبو ضرغم لـ "نداء الوطن"، بعد صدور ديوانه الجديد "Il Était Une Fois La Guerre Et La Nuit" (كانت هناك الحرب وكان الليل)، كيف يستلهم قصائده من التاريخ المضطرب للبنان، وكيف يعبّر عنها بالفرنسيّة التي أصبحت وسيلته الطبيعية للتعبير، ومن خلال أبياته، ينسج حواراً بين ثقافته الأصليّة والبعد العالمي للفرنكوفونية، بينما يتأمل الهوية والمنفى والذاكرة الجماعية.
الديوان الأخير لنبيل أبو ضرغم، عمل شعري مؤثّر وملتزم، يجمع بين الحساسيّة الجماليّة والغضب الإنساني، وتكمن قوّته في صوره الشعرية وإيقاعه العاطفي العميق. منذ بداياته في الثمانينيات، استطاع الشاعر صوغ عالم شعري يعكس هواجس الإنسان اللبناني والعربي، متأثراً بالواقع الذي عاشه، ومستلهِماً من الحرب، الحبّ، الفقد، والبحث الدائم عن معنى للحياة. بين الشعر والرسم، وبين الفرنسيّة والعربيّة، تتجلّى رحلته الإبداعية كمزيج من الحنين والتجدّد، حيث تتداخل اللغات لتروي قصة واحدة: قصة إنسان يبحث عن الحقيقة في الكلمات واللوحات.
من قلب العاصفة
بدأ أبو ضرغم الكتابة عام 1983، خلال الحرب اللبنانية. يتذكّر أنه كان يشهد بألم خطر تمزُّق النسيج الاجتماعي، وشعر بحاجة ملحّة للكتابة كي يحفظ الذاكرة، ويفهم الواقع، ويقاوم النسيان. لم يكن اختياره للفرنسية كلغة تعبير خياراً فنّياً صرفاً ولا مصادفة بحتة. فقد نشأ في مدارس تعطي أهمية كبيرة للفرنسية، مثل "المدرسة اللبنانية العامة"، و "الإنترناشونال كولدج"، ما جعله أكثر ألفة مع هذه اللغة. كذلك تأثّر بالأدب الفرنسي، فوجد أنّ الفرنسيّة تتماشى بسلاسة مع فكره وخياله وصوره الشعرية.
بالنسبة إليه، اللغة ليست مجرّد أداة، بل هي فضاء لاكتشاف الذات وإعادة تشكيل الأفكار باستمرار. لذلك، فهو، كما يؤكّد، لا يرى ضرورة لمقارنة العربيّة بالفرنسيّة، بل يدع اللغة تتخذ الشكل الذي يخدم إحساسه بالصورة والمعنى.
صدى لبنان بالأجنبية
هل يمكن للمرء أن يكتب بالفرنسية ويبقى لبنانياً في العمق؟ يجيب أبو ضرغم على هذا السؤال من خلال قصائده، التي تتغلغل فيها الذاكرة اللبنانية وألم الفقد والمنفى الداخلي. منذ ديوانه الأول "المرأة والجندي والعصفور"، الذي يضمّ "دفاتر جندي"، يعكس شعره تجربة الحرب والبحث عن الهوية والانتماء.
يشير إلى أنه لا يكتب لجمهور معيّن أو ليكيّف نصه مع القارئ اللبناني الناطق بالفرنسية، بل يكتب أوّلاً ليعبّر عن إحساسه بالوجود، ويترك للقارئ حرية التفاعل مع نصوصه. ومع ذلك، هو يدرك أهمية الترجمة في إيصال كلماته لجمهور أوسع، فكان إصدار ديوانه العربي "لأجل ما تبقّى" في العام 2023 خطوة طبيعية، حيث ضمّ قصائد عرّبها خليل تيّان، وأخرى كتبها بنفسه بالعربيّة.
الفرنسية في الثقافة اللبنانية
يعتبر أبو ضرغم أنّ لبنان كان دائماً ملتقى للحضارات، حيث تنوّعت ثقافاته ولغاته. وأنّ اللّغة الفرنسيّة لا تزال تحتلّ موقعاً مهمّاً في المشهد الثقافي اللبناني، ليس فقط بسبب الإرث السياسي، ولكن أيضاً بفضل تأثيرها العميق في النظام التعليمي وفي حياة الأدباء اللبنانيين الذين حملوا قضاياهم إلى العالم عبر هذه اللغة. ويرى الشاعر أنّ الفرنكوفونية لم تعد مرتبطة بالتاريخ السياسي فحسب، بل أصبحت جزءاً من عالم الفن والأزياء والهندسة والتصميم، حتى أنّ أشخاصاً من دول لا تنتمي إلى الفرنكوفونية يتقنون الفرنسية بدافع شغفهم بهذا التراث الثقافي.
الشاعر الحزين
اشتهر أبو ضرغم بلقب "الشاعر الحزين"، لكنّه يرى أنّ الحزن ليس سوى وجه من وجوه تجربته. فعلى الرغم أنّ كتاباته تحمل طابعاً مأسوياً، إلا أنها لا تخلو من لحظات طرافة وخفّة ظل. بالنسبة إليه، الشعر استجابة طبيعية لمعاناة الإنسان، بخاصة في بلد شهد حروباً وأزمات متواصلة. ولكونه من جيل الحرب، مع أنه وُلِد في فترة سبقت الحرب الأهلية اللبنانية، إلا أنه عاش خمسة عقود من الصراعات، ما جعل الحزن والإحساس بالغربة والعدالة والحقوق الإنسانية، محاور دائمة في أعماله.
الرسم كملاذ آخر
لا يقتصر إبداع أبو ضرغم على الكتابة، بل يمتدّ إلى الرسم، حيث يمارس هوايته باستخدام الفحم أو الألوان المائيّة أو تقنيات متنوّعة. يرسم وجوه أحبّته، وأحياناً مناظر طبيعية، ويتمنّى أن يتمكن يوماً ما من عرض أعماله الفنية. فبالنسبة إليه، الفن وسيلة أخرى لالتقاط ما تعجز الكلمات عن وصفه.
الشعر للشفاء
يعتبر "الشاعر الحزين" أنّ الكتابة ليست مجرّد هواية، بل عمليّة معقّدة مليئة بالألغاز، تهدف إلى الوعي بوجود الإنسان ودوره في العالم. قد لا تكون الكلمات كافية لمداواة الجراح، لكنها تمنح مساحة للتأمل وللهروب من قسوة الواقع. ويذهب أبعد من ذلك، حين يعتبر أنّ أبلغ أشكال الكتابة قد يكون أحياناً الصمت العميق.
حلم شاعر ومواطن
لا يطمح الشاعر نبيل أبو ضرغم فقط إلى الكتابة أو الإبداع، بل يسعى إلى تحقيق حلم إنساني أعمق: أن يعيش في عالم يحترم الحقوق الأساسية التي نصّ عليها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". يؤمن أنّ الأدب والفن يمكن أن يكونا أدوات تغيير، ولو بعد حين. وفي انتظار ذلك، يواصل رحلته بين الكلمات والألوان، شاهداً على عصره، مستمراً في البحث عن المعنى والحقيقة.
كانت هناك الحرب وكان الليل (قصيدة معرّبة) كانت هناك الحرب وكان الليل حين اكتشفت جسَدكِ وراء سَتائر القمر وحين أتى نسيمُ الصيف القاتم ليمحو الجريمة والخطيئة... صديقتي زهرة الفوانيا التي تفقد حمرة وجنتيها مع النسيم الذي يعلنُ عودة الشتاء والتي تنسى الكلام أمام صوت الوروار، منذ زمن الحرير تختبئ وراء صمتها وبين عبارات الصلاة المبللة التي تتمتمها في سواد الشرق... ... أيتها الأرض، التي تتكلم دائماً عن الأزل، في أي صورة سوف تعطينني بعد اليوم الحق بالحياة وبالموت، أنا الذي أضعت وجهي الذي كان يحيا بحبّك من أجل البقاء؟ وأنت الذي تقتل الأطفال وملاكهم الحارس قبل مواسم الشجر المزيّن بالأنوار، على أي ورقٍ عفنٍ ستغيّر وجه كلمة "عدالة" ووجه قريتي التي تكبرُ وتتعملق من كثرة الموت؟... شجر الزيتون في البستان جامد كما الصمت الذي يسيطر بُعيد مجازر الليل كما انتظارُ الذين يأتون لرفع الأنقاض وبقايا الذين رحلوا أو كما البرد القارس الملتصق بوجهك الشتوي الذي يشبه حباً عائداً... ... ستذهبين بعيداً مع دموعك لملاقاة بيتك الذي يسكن في البال والذي يسكن في المسام العتيق تحت بشرتك حيث تصبحين وحدةً مع الأرض كما يصبح جسدك جثةً من فجر. لجهة الشرق، لم يعد المطر قصيدة. إنه يَنتصر مع زمجرة البنادق ويغسل أجساد أطفالنا على درب الملائكة. لجهة الشرق، لم يعد المطر قصيدة إنه يُدمر أخوّة البشر برائحة الدم اللزجة. |