فيليب حنين

نبيه بري... من خليفة الصدر إلى قاتل الأمل

3 دقائق للقراءة

منذ اختطاف الإمام موسى الصدر، بقيت الطائفة الشيعية تنتظر من يحمل الأمانة. لكنها لم تكن تعلم أن من سيجلس مكانه سيحوّلها من طائفة مقاومة للحرمان إلى طائفة محكومة بالخذلان.


نبيه بري لم يكن يوماً امتداداً لنهج الإمام، بل كان الانحراف عنه.


منذ أن اعتلى كرسي "الزعامة"، أغلق أبواب البيوت السياسية الشيعية العريقة، وقمع كل محاولة استقلالية وأخمد كل صوت خارج عن طاعته، حزبي أو مدني، واحتكر القرار باسم "الحركة" التي لم تتحرك إلا لتثبيت مصالحه.


ومن رحم تلك الحركة خرج حزب الله، ليس عفوياً، بل كامتداد صلب للنظام الداخلي لحركة أمل، التنظيم العسكري، الهيكل الأمني، وحتى الذهنية الميليشياوية. فباتت الطائفة رهينة ثنائي لا يُحاسب ولا يُراجع.


أوقف مؤسسات الدولة عند أعتابه، وعلّق مفاصلها بربطة عنق طائفية، لا تتحرك إلا بإذنه، ولا تتنفس إلا بولائه.


شنّ حرباً عبثية ضد الفلسطينيين، ليزرع الشقاق بدل الوحدة، وأسقط اتفاق ١٧ أيار، لا حرصاً على السيادة بل حفاظاً على النفوذ.


أسقط رؤساء جمهورية، وحكومات، واتفاقات، لا بالحجة، بل بضربة قاضية ناعمة تُطبخ في ليل السياسة اللبنانية وتُختم بتوقيعه.


ولأن السيطرة لا تكتمل إلا بخنق ما تبقّى من أصوات حرة، عمد نبيه بري إلى تأسيس نقابات جديدة من العدم، وزوّدها برخص "مدفوعة الولاء"، فقط ليضمّها لاحقاً إلى اتحاد النقابات العمالية، ويمنح نفسه أغلبية مصطنعة تتحكم بالقرار النقابي كما يتحكم بالبرلمان. هكذا، لم يعد الاتحاد صوت العمّال، بل صدى الزعيم.


سيطر على النقابات العمالية لتصبح أدوات تعطيل لا تطوير، وكبّل الجنوب باسم الإنماء، فيما لا يزال أهله يدفعون ثمن طريق منسية أو مستشفى مغلق.


هو الحاكم والوالي، هو القاضي والجلاد، هو السمسار الخفي في صفقات لا تُرى، لكنه لا يغيب عنها.


هو الثعلب المراوغ، الذي تربّى على أيدي حافظ الأسد، فهل يُعقل أن يسقط الأسد ويبقى التلميذ؟


يا أبناء الجنوب، يا من صمدتم في وجه الاحتلال والحرمان،


أليس من حقكم اليوم أن تتحرّروا ممن صادر صوتكم، واحتكر تمثيلكم، وخنق أحلامكم باسم الزعامة؟


نبيه بري، منذ غياب الإمام الصدر، لم يكن أميناً على الأمانة.


تحوّل إلى عقبة أمام أي تغيير، وسقف لأي طموح، وحارس لمعادلة لا تسمح بولادة وجه جديد للطائفة.


فهل يريد أن يختتم مسيرته بخطوة تعيد له بعض احترام التاريخ، وتفتح الباب لتيار ثالث لا يشبه الثنائي الحاكم اليوم؟ أم سيختار أن يرحل كما رحل كثر قبله،، متأخراً، معزولاً، ومثقلاً بالإرث الذي رفض أن يتجاوزه؟


القرار في يده، لكن اللحظة تفوّت ولا تعود.


فإما نهاية تحفظ له شيئاً من الاحترام، أو نهاية تُخلّده كواحد من أكبر معطّلي مستقبل الطائفة والوطن.


التاريخ لا يرحم من أوهم الناس أنه يمثلهم، ثم صادر قرارهم وتاجر بدموعهم لعقود.


وإن كان لنا من عزاء، فهو أن السلطة لا تدوم لأحد، والعمر لا يُمدّد بالرغبة.


لقد آن أوان التغيير، بوعيٍ، وبصوتٍ واضح، من دون شتائم، ولا صمتٍ مريب.


سقطت أصنام كثيرة… وسيأتي دوره.