المحامي إميل عون

هل ما زال اتفاق وقف اطلاق النار (27 تشرين الثاني 2024) قائمًا قانونًا رغم الانفجار العسكري الحالي؟

4 دقائق للقراءة

بدايةً، تجدر الإشارة الى أن الكاتب قد سبق وعالج موضوع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 والميكانيزم والقرار 1701 في قراءات مختلفة منشورة سابقًا في جريدة "نداء الوطن" تجدونها على الروابط التالية :

قراءة قانونية لاتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024

رأي قانوني بشأن لجنة "الميكانيزم"

قراءة قانونية للقرار 1701: هل بات إطارًا قانونيًا غير قابل للتطبيق؟



أما هنا في هذه القراءة المحددة والمختصرة جدًا، فيجيب على التساؤل المطروح أعلاه وهو حاليًا في صلب النقاش القانوني والسياسي. وفي العودة الى توصيف الواقع الميداني 2026، تشير المعطيات الحالية على الأرض بين لبنان وإسرائيل إلى وقائع عديدة وخطيرة أهمها توغل بري داخل جنوب لبنان وضربات جوية واسعة النطاق بما فيها للعمق اللبناني من الجيش الاسرائيلي، إطلاق مكثف للصواريخ من قبل "حزب الله" على اسرائيل، أوامر إخلاء جماعي للسكان، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح مليوني واسع، وبالتالي تندرج هذه الوقائع قانونًا ضمن ما يسمى بنزاع مسلح واسع النطاق (1) High intensity armed conflict ، أي أنها تتجاوز بكثير مفهوم الخروقات المحدودة لوقف إطلاق النار. فالبرغم من التصعيد، لا يوجد إعلان رسمي من لبنان أو إسرائيل بإنهاء اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، كما لا تزال الأمم المتحدة والدول المعنية (كفرنسا) تدعو إلى العودة إلى وقف إطلاق النار وذلك يعني قانونياً أن الاتفاق لم يُنهَ رسمياً (2) No formal termination. ولكن في المقابل، تشير الوقائع إلى خروقات واسعة النطاق ومتكررة وعمليات عسكرية يومية وسيطرة أو تواجد عسكري داخل أراضٍ متنازع عليها، وبكل الاحوال، الى تصعيد شامل منذ آذار 2026. وهذا يؤدي إلى توصيف فقهي واضح بما يسمى بانهيار فعلي للاتفاق (3) De facto collapse، ووفقًا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969، تنص المادة 60 (الفقرة 3) منها على أن الخرق الجوهري هو مخالفة نص أساسي لبلوغ موضوع المعاهدة أو غايتها (4)، وهذا ما يعرف بمفهوم الخرق الجوهري Material Breach، وفي حالتنا الحاضرة، يتبين أن موضوع الاتفاق تحديدًا هو وقف الأعمال العدائية، أما الواقع فحرب واسعة النطاق، وبالتالي يتحقق هنا بوضوح شرط الإخلال الجوهري. أما بالنسبة للآثار المترتبة عنه، فتنص المادة 60 (الفقرة 1) على أنه يجيز الإخلال الجوهري للطرف الآخر أن يحتج به سبباً لإنهاء المعاهدة أو تعليق العمل بها (5)، ولكن وباختصار، يبقى هذا حقًا وليس نتيجةً تلقائية. كما وفقًا المادة 65 من اتفاقية فيينا، يجب على الطرف الذي يتمسك بإنهاء المعاهدة أن يُخطر الأطراف الأخرى رسمياً (6)، وفي حالتنا لا يوجد أي إخطار رسمي كما لا يوجد أي إعلان إنهاء من قبل الاطراف، إذن وبشكل مباشر لم يُنهَ الاتفاق قانونياً. من هنا، وبين الواقع والقانون، يتبين من الناحية القانونية De jure، أن الاتفاق لا يزال قائماً ولم يُلغَ أو يُستبدل كما لم تُستوفَ إجراءات إنهائه. أما من الناحية الواقعية والعملية De facto، عادت العمليات العسكرية بشكل واسع ولم تعد الالتزامات محترمة ولم يعد الاتفاق ينتج آثاراً فعلية. وفي فقه القانون الدولي للنزاعات المسلحة، توصف هذه الحالة بـ Ceasefire in name only (7) أي ما معناه وقف لإطلاق النار موجود شكلياً لكنه فاقد الفاعلية، وقد تم تسجيل حالات مماثلة قبلًا في الحرب السورية والنزاعات بين إسرائيل و"حركة حماس" وحتى في لبنان في المراحل المتأخرة من تفاهم نيسان 1996.

ويبقى الجواب على السؤال المطروح أن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لا يزال قائماً من الناحية القانونية لعدم صدور إعلان رسمي بإنهائه وفقاً للمادتين 60 و65 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، إلا أنه فقد كامل فاعليته العملية نتيجة الإخلال الجوهري بموضوعه واندلاع نزاع مسلح واسع النطاق، مما يجعله في حكم الاتفاق المنهار فعلياً دون أن يكون منتهياً قانوناً.


المراجع


1- Yoram Dinstein, War, Aggression and Self-Defence

2- United Nations, بيانات مجلس الامن حول لبنان

3- Christine Gray, International Law and the Use of Force

4- اتفاقية فيينا للمعاهدات 1969، المادة 60(3)

5- المرجع نفسه، المادة 60(1)

6- المرجع نفسه، المادة 65

7- Malcom Shaw, International Law



محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي

https://emileaoun.com/