منذ نهاية الأعمال الحربية عام 1990، لم يكن "السلم الأهلي" في لبنان سوى شعارٍ يُستدعى عند كلّ أزمة لتبرير تعليق الدولة، لا لحمايتها. تحوّل المفهوم من نتيجةٍ طبيعية لقيام دولة القانون إلى أداة سياسية تُستخدم لتكريس توازنات هشة بين قوى الأمر الواقع. هكذا، لم يعد السلم الأهلي إطارًا للاستقرار، بل غطاءً دائمًا لغياب السلطة.
المشكلة ليست في المفهوم بحدّ ذاته، بل في استخدامه اللبناني. في التجارب الدستورية، السلم الأهلي يقوم على سيادة القانون واحتكار الدولة العنف المشروع. أمّا في لبنان، فقد جرى تفريغه من هذا المضمون، وتحويله إلى خطاب إنشائي يوازي بين الضحية والمعتدي، ويبرّر بقاء السلاح خارج الشرعية. الشعارات حول "العيش المشترك" بقيت حبرًا على ورق لأنها لم تُترجم إلى مؤسسات أو سياسات فعلية.
التاريخ اللبناني يقدّم الدليل القاطع. ما سبق الحرب التي سمّيت أهلية لم يكن انهيارًا في "السلم الأهلي"، بل انهيارًا في الدولة. حين تراجعت سلطتها، وتقدّمت الهويات الطائفية، وظهرت قوى مسلّحة خارجها، أصبح الانفجار مسألة وقت. الحرب لم تكن انحرافًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لنظام فقد مركزه السيادي. أكثر من 120 ألف قتيل ومليون نازح لم يكونوا نتيجة نقص في الخطابات، بل نتيجة غياب القرار الواحد.
بعد 1990، لم يُعالج هذا الخلل. جرى تثبيته. قانون العفو العام ألغى المحاسبة، والتسويات السياسية كرّست الأمر الواقع. لم تُستعد الدولة، بل أُعيد إنتاجها كإطار ضعيف محكوم بتوازنات قسرية. كلّ أزمة لاحقة كانت تُدار بالشعار نفسه: "الحفاظ على السلم الأهلي"، أي عمليًا تجنب أي مواجهة مع مصادر الخلل. النتيجة كانت واضحة: استقرار هش، قابل للاهتزاز عند كلّ اختبار.
هذا ما يجعل "السلم الأهلي" في صيغته اللبنانية توازُن خوف، لا توازن حقوق. حين يصبح السلاح أداة ضغط سياسيّ، يفقد السلم معناه ويتحوّل إلى هدنة. وحين تُعلّق القوانين بحجّة منع الفتنة، تُفتح الطريق أمام الفتنة نفسها. لا يمكن لدولة أن تقوم بنصف سيادة، ولا لمجتمع أن يستقرّ تحت تهديد دائم.
التجارب الإقليمية تعزز هذا الاستنتاج. في العراق، أدّى توزيع السلطة طائفيًا إلى إضعاف الدولة بدل تثبيتها، وفي سوريا كشفت الحرب أن الشعارات لا تصمد أمام الانقسامات إذا لم تسندها مؤسّسات قوية. القاسم المشترك واحد: غياب الدولة ينتج العنف، مهما ارتفع منسوب الخطاب التصالحيّ.
بناءً على ذلك، النقاش حول "الحفاظ على السلم الأهلي" يصبح مضلّلا. السلم لا يُحمى بالشعارات، بل يُفرض بالقانون. والتجربة اللبنانية، قبل الحرب وبعدها، تؤكد أن أي مساومة على سيادة الدولة هي استثمار مباشر في عدم الاستقرار.
البديل واضح، حتى لو كان مكلفًا سياسيًا: فرض سلطة الدولة كاملة، بلا استثناءات. احتكار السلاح، تفعيل القضاء، وإنهاء أي ازدواجية في القرار الأمني. هذه ليست خيارات نظرية، بل شروط وجود. فالدولة لا تتقاسم السيادة، ولا تفاوض على سلطتها.
الخلاصة أن "السلم الأهلي" كما يُطرح في لبنان ليس سوى وهمٍ مُريح. يُؤجّل الانفجار ولا يمنعه، ويمنح شرعية موقتة لاختلال دائم. الطريق الوحيد إلى استقرار فعليّ يمرّ عبر قرار حاسم: إعادة بناء الدولة كمرجعية وحيدة. ما دون ذلك ليس سلمًا أهليًا، بل إدارة موقتة لحرب مؤجلة.