نجم الهاشم

بالفيديو - المحامي نعوم فرح يروي (2من5): قصة اللقاء العاصف بين بشير والسفير غونتردين... قال لي بشير: بدنا نغيّر حزب "الكتائب" من جوّا

7 دقائق للقراءة
الشيخ بيار الجميل والشيخ بشير والمحامي نعوم فرح

انتسب نعوم فرح إلى حزب "الكتائب" بناء على طلب الشيخ بشير الذي كان يريد تغيير الحزب من الداخل. في مكتب العلاقات الخارجية، اكتشف أن دوائر القرار في الخارج ترى أن "القوات" تريد خربطة الوضع في لبنان. من هذه الخلفية، كان اللقاء العاصف بين الشيخ بشير والسفير الأميركي جون غونتردين الذي اتهم "القوات" بأنها زمرة إرهابيين. ولكن بعد توحيد "القوات" دعمت واشنطن بشير مرشحًا وحيدًا لرئاسة الجمهورية وبعدما كانت تنظر إليه على أنه المشكلة صارت تنظر إليه على أنه الحلّ. يروي فرح قصّة هذا التحوّل في هذه الحلقة الثانية من الحوار معه في "نداء السنين".


بدأتم كعلاقات خارجية في المجلس الحربي ثمّ نُقِلتم إلى بيت "الكتائب" لماذا؟

عندما تأسّس الجهاز، كانت قيادة "القوات" في المجلس الحربي في الكرنتينا وكان المكتب كناية عن غرفتين ودار ومطبخ. في حرب الـ 100 يوم التي بدأت في 2 تموز 1978، تعرّض معظم المباني والمكاتب للقصف ومنها مكاتبنا. طلب مني الشيخ بشير أن أنتقل إلى مكتبه في بيت "الكتائب" لأن فيه تلفونات. ولكن حتى يتمّ تعييني رئيسًا للجهاز كان يجب أن أكون كتائبيًا. قال لي بشير: بعض المراكز الحسّاسة في قيادة "القوات" يجب أن يكون من يتولاها كتائبيًا منها جهاز العلاقات الخارجية، وأنت تعرف الجوّ في الحزب. معركة بشير الجميل داخل "الكتائب" بالمعنى السياسي كانت مع المكتب السياسي وليس مع حزب "الكتائب" باعتبار أن المكتب السياسي تفكيره وطريقة عمله وتطلّعاته تقليدية وتختلف جذريًا مع تطلّعات بشير وطريقة عمله. كان هناك نوع من التضارب بين تفكير الجيلين. كشاهد عشت أشياء من الداخل. على عكس ما يقال، كان حليف بشير الأساسي داخل الحزب الشيخ بيار. كان يحسّ أن المكتب السياسي يكبّل حركته. الشيخ بيار في مواقف عديدة كان يغطّيه على طريقته.


لم يكن الشيخ بيار يريد أن يخالف النظام الذي عمله؟

نعم ولا. ما بدّو يخالف النظام بس بذات الوقت يموّه الدعم الذي كان يعطيه لبشير.


عملت كتائبيًّا بناء على طلب الشيخ بشير؟

عملت. قلت للشيخ بشير هناك أمور كثيرة في حزب "الكتائب" لست مقتنعًا بها. قال لي: ضروري ما فينا. إذا عندك انتقادات لبعض مواقف الحزب أنا عندي 1000 مرّة أكثر. الطريقة الوحيدة لنغيّر مسار حزب "الكتائب" أنو أكبر عدد ممكن يفوتوا على الحزب لنغيّرو من جوّا. كان ذلك كما أعتقد في أيّار قبل بدء حرب المية يوم.

أنا أسمّيها معركة في حرب التحرير. سمّيتها حرب الـ 100 يوم لنعطيها وقتها الزمني، وهذا كان آخر عمل عملته كرئيس الشعبة الخامسة. عملنا كتابًا فيه صور كثيرة سمّيناه حرب الـ 100 يوم. للمرة الأولى من سنة الـ 76 في مساحة من الأراضي اللبنانيه تقريبًا 950 كلم مربّع حُرّرت كلّيًا من الوجود العسكري السوري. وهذا ضروري لنفهم إلى أيّ حدّ تعلّق الرأي العام اللبناني في المناطق التي تحرّرت ببشير الجميل وأحبّه. خلال حرب الـ 100 يوم، كلّنا كنا نعرف كم كان موقف ونضال وثبات أهالي الأشرفية مهمًّا ما سمح للشباب المقاتلين والمقاومين وللمسؤولين الحزبيين وغيرهم أن يستمرّوا في المقاومة على الرغم من التفوّق العسكري والعدديّ للجيش السوري. مسار بشير الجميل كمحرّر للأرض اللبنانية بدأ في 2 تموّز وفي 6 تشرين الأول 1978 تاريخ صدور القرار 436 عن مجلس الأمن الذي كرّس عمليًّا أن هناك جزءًا من الأراضي اللبنانيه صار حرًّا.


في هذه المرحلة حصل لقاء سيّئ بين الشيخ بشير وبين السفير الأميركي جون غونتردين. كان الأميركيون لا يزالون غير متفهّمين لنضال "القوات اللبنانية". كيف حصل اللقاء وأيّ انعكاسات سلبيّة كانت له على علاقتهم مع الشيخ بشير؟

عندما بدأت حرب المية يوم، كانت اتصالاتي مع السفراء والإعلاميين الأميركيين والغربيين الذين أتوا، وكان هناك رفض كلّي لكلّ ما كنا نقوم به. لماذا؟ لأن الدول عادة ووزارات الخارجية في الدول لديها بيروقراطية متجذرة. ينزعجون من كلّ شيء يخربط الصورة الآنية عندهم. عم بيشوفوا من باريس من لندن من واشنطن من العواصم العربية من موسكو إلى آخره، إنّو في كم واحد على رأسهم شخص اسمه بشير الجميل قاعدين عم يخربطوا الوضع، رغم أن كل الدول العربية وغير العربية اتفقت على إرسال قوات ردع عربية إلى لبنان كنوع من قوات سلام بموجب مقررات مؤتمر الرياض سنة 76 وانتخب وقتها رئيس جمهورية (الياس سركيس) وهناك رئيس حكومة وفي كم واحد ماسكين السلُّم بالعرض وراح يخربطوا كلّ هالتركيبة وكل هالمعادلة. كانت هذه نظرة دوائر القرار في الخارج إنّو مينكم إنتو؟ في جيش سوري طويل عريض، في دولة معترف فيها دوليًّا وإنتو فركوحين ونصّ بين ساحة ساسين ومدري وين عم تخربطولنا هالأمور. في لقاءاتي خلال صيف 78 مع السفراء، بعض السفراء الذين قبلوا مقابلتي، كان دائمًا هناك تهجّم ونوع من استجوابات، شو عم تعملوا؟ ليش؟ شو مفتكرين حالكم؟ بعد جهد جهيد، أقنعت المستشار السياسي في السفارة الأميركية جيمس لين وكان عقله منفتحًا وليس عنده هذا التصوّر، أن يجتمع السفير الأميركي جون غونتردين ببشير الجميل. اتفقنا على الموعد، بيجي جون غونتردين على بيت بشير الجميل في الأشرفية. في التاريخ المحدّد انتظرناه. بيوصل هو ومستشاره جيمس لين. قبل أن يدخل إلى البيت تطلّع ببشير وقال له أنتم زمرة إرهابيين you are a bunch of terrorists ابتسم بشير ولم يردّ عليه وقال له تفضّل أقعد. بلَّش الحديث. كيف الحال؟ كيف عائلتك؟ بتشرب قهوة؟ ثم سأله بشير: ليش سمّيتنا زمرة إرهابيين؟ قال: لأنو عم تقوّصوا وتقصفوا الجيش السوري. بشير بكل هدوء قال له: نحن عم نقصف الجيش السوري بدمشق بسوق الحميديه أو وين؟ سكت السفير. كان بشير يخاطبه باسمه جون وهو يقول له بشير. ساعتها بشير غيّر لهجته وقال له: مستر أمباسدور أنا بدّي أطلب منك هلق بصورة واضحه تبلّغ إدارتك إنو رح نضلّ نقصف ونقوّص على الجيش السوري وين ما رح نلاقيه حتى انسحاب آخر عسكري سوري وراء الحدود اللبنانية. ساعتها بحكي مع السوري. بهالوقت هو محتلّ هل هالشيء واضح؟ (clear؟) هذه كانت كما أتصوّر بداية التحوّل في التفكير الأميركي.


التحوّل الكبير حصل في زيارة الشيخ بشير إلى واشنطن عام 1981؟

صحيح ولكن من وقتها بدأ نوع من إعادة نظر خفيفة وسطحية لدور بشير وصورته وتكرس ذلك عندما خرج الجيش السوري من المناطق الشرقية وتبيّن لكل العواصم أن هناك قائدًا زعيمًا ممكن أن يكون له دور وطني مهم مش بس بالمنطقة الشرقية.

هذه الصورة تكرّست أكثر بعد 7 تموز 1980 عندما توحّدت "القوات اللبنانية" بقيادة بشير الجميل. يهمّني توضيح كيف تطوّرت فكرة "القوات اللبنانية". فكرة "القوات" نشأت صيف عام 76 خلال معركة تل الزعتر وأطلق التسمية إتيان صقر أبو أرز رئيس حزب "حراس الأرز". تبيّن خلال المعركة أن هناك عدة فرق عسكرية على الأرض لا تنسيق بينها ولا توحيد في العمليات العسكرية. كلّ حزب أخذ جزءًا من الجبهة ويقاتل لوحده. هذا الأمر خلق بلبلة وجعل معركة تحرير معسكر تل الزعتر تطول وسقط لنا فيها الكثير من الشهداء. لذلك أنشئ خلال صيف الـ 76 ما سمّي بـ "قيادة القوى اللبنانية الموحّدة". فات الجيش السوري، صار في اجتماعات من وقت لوقت لهالقيادة بس كانت يعني قيادة صورية، آرمة ما في شي وراها. سنة 78 الحاجات والضرورات العسكرية على الأرض زادت بالتنسيق ولكن كان التنسيق بالتراضي. تبيّن من بعد ما انتهت حرب المية يوم أن هناك ضرورة أكثر لتكون "القوات اللبنانية" وأن يكون هناك مجلس قيادة يكون فيه رئيس وأركان وأجهزة. هذا الأمر أعطى مؤشرًا أن "القوات اللبنانية" بدأت تتحوّل من الذراع العسكرية للجبهة اللبنانية إلى ذراع عسكرية وسياسية. عملية توحيد البندقية في تموز 1980 وضعت حدًّا لكلّ هذا الوضع الذي كان لا يزال بالتراضي. ما كان في هرمية وما كان في أمرة بالتسلسل الإداري من رئاسة الأركان إلى كل المسؤولين والضباط العسكريين، يعني نشأة "القوات اللبنانية" الفعلية بدأت صيف 1980. وهذا ما عزّز حضور بشير على المستوى العالمي وخلق ارتياحًا من الناحية العسكرية والأمنية بحيث تحصّنت المنطقة المحرّرة. بعد هذا التطوّر على صعيد "القوات" حصلت حرب زحلة التي نقلت "القوات" من مكان إلى آخر ووضعت الشيخ بشير الجميل على سكة السير نحو رئاسة الجمهورية.


لقراءة الجزء الأول من المقابلة يرجى الضغط هنا




يتبع الإثنين 4 أيار 2026
المحامي نعوم فرح يروي (3من5)
هكذا تبنّى ريغن ترشيح بشير للرئاسة
قصة اللقاء مع طارق عزيز في بغداد