المحامي إميل عون

دراسة مقارنة بين اتفاقي 2024 و2026 في الحالة اللبنانية: هل لبنان دولة "عاجزة" أو "فاشلة" بحسب القانون الدولي؟

9 دقائق للقراءة

سبق للكاتب أن عالج موضوع إتفاق وقف إطلاق النار تاريخ 27 تشرين الثاني 2024 في قراءتين منشورتين في نداء الوطن بعنوان "قراءة قانونية لإتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024" و"هل ما زال إتفاق وقف إطلاق النار (27 تشرين الثاني 2024) قائمًا قانونًا رغم الانفجار العسكري الحالي؟".


أما هنا، فتكشف المقارنة بين إتفاقي 2024 و2026 أن فاعلية إتفاقيات وقف إطلاق النار لم تعد تعتمد فقط على الصياغة القانونية، بل على مدى تطابق الأطراف القانونية مع الفاعلين الفعليين على الأرض. لذلك، تحتوي القراءة الحاضرة المختصرة على مقارنة سريعة بين إتفاقي وقف إطلاق النار تاريخ تشرين الثاني 2024 ونيسان 2026، ومن ثم على محاولة لتوصيف الدولة اللبنانية في ظل وجود فاعل عسكري مستقل.

أولاً: المقارنة بين اتفاقي 2024 و2026

يعترف القانون الدولي الكلاسيكي بالدولة كفاعل رئيسي، ولا يمنح الشخصية القانونية الكاملة للجهات المسلحة غير الحكومية. إلا أن الفقه الحديث أقرّ بدور هذه الجهات في النزاعات المسلحة، خاصةً في إطار القانون الدولي الإنساني (المادة 3 المشتركة لاتفاقيات جنيف 1949) في الممارسة التفاوضية الواقعية.

وبإختصار، نبدأ بإتفاق تشرين الثاني 2024، وهو إتفاق وقف أعمال عدائية (Cessation of Hostilities) مرتبط مباشرة بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي يفرض إلتزامات واضحة على لبنان، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة وإنتشار الجيش في الجنوب، مدته الأصلية 60 يوماً مع هدف الإنتقال إلى ترتيبات أمنية دائمة.

وتظهر طبيعته كشبه إتفاق أمني - عسكري تقني ومتعدد الأطراف (لبنان، إسرائيل، رعاية أميركية-أممية)، كما هو إمتداد مباشر لمنظومة القانون الدولي القائمة (القرار 1701).

أما بالنسبة لإتفاق نيسان 2026، فهو هدنة مؤقتة قصيرة لخفض التصعيد (10 أيام) قابلة للتمديد بشروط سياسية، وتظهر طبيعته كإجراء سياسي تمهيدي لمفاوضات مباشرة وليس إتفاقاً أمنياً كاملاً، بل ما يسمى framework de-escalation، وبالتالي هو أداة تفاوضية إنتقالية وليس نظاماً قانونياً كاملاً.

من الناحية البنيوية، جوهر الالتزامات في وقف الأعمال العدائية في إتفاق 2024 هو وقف شامل ومتبادل، وبالتالي توقف إسرائيل العمليات العسكرية، كما توقف كل الجماعات المسلحة (بما فيها "حزب الله") هجماتها. أما في إتفاق 2026، فالوقف مشروط وغير متماثل لأن إسرائيل تمتنع عن الهجوم لكنها تحتفظ بحق الدفاع الأحادي. ويؤدي التحليل البسيط الى إعتبار إتفاق 2024 كوقف متوازن، أما إتفاق 2026، فهو وقف غير متوازن يميل لمصلحة إسرائيل ويأتي ذلك كنتيجة يفرضها واقع ميزان القوى العسكرية على الأرض. بالنسبة لوضع "حزب الله"، هو مذكور ضمنيًا في إتفاق 2024، لأن الإتفاق كان عملياً بين إسرائيل و"حزب الله" بوساطة الدولة اللبنانية، ففي لبنان، تُواجَه الدولة كطرف قانوني و"حزب الله" كطرف عسكري فعلي، ما يؤدي إلى إزدواجية الفاعل القانوني والفعلي Dual actor configuration، أما في إتفاق 2026، فيظهر تحول جذري ويتمثل في إلتزام صريح للدولة اللبنانية بمنع "حزب الله" من أي نشاط عسكري وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، وبالتالي يؤدي التحليل إلى إعتبار إتفاق 2024 كإعتراف واقعي بدور "حزب الله"، أما في اتفاق 2026، فهو محاولة إلغاء دوره قانونياً، وهذا إنتقال من وضعية "تنظيم الصراع" إلى "إعادة احتكار الدولة للقوة". بالنسبة لموضوعي الإنتشار العسكري والسيادة، هنالك إلتزامات واضحة في إتفاق 2024 ، وهي إنسحاب إسرائيل من الجنوب وإنتشار الجيش اللبناني بدءًا من جنوب الليطاني. أما في إتفاق 2026، لا يوجد إنسحاب أو إعادة إنتشار محدد والتركيز هو على قدرة الدولة على بسط السيادة كشرط للتمديد. وهذا يعني ان إتفاق 2024 يعكس إتفاقًا ميدانيًا تنفيذيًا، أما إتفاق 2026، فهو إتفاق سياسي مشروط. في العودة الى آلية الرقابة والتنفيذ، يتبين أنه في إتفاق 2024، نجد آلية واضحة كاللجنة الثلاثية ودور قوات اليونيفيل والإشراف الأميركي، أما في إتفاق 2026 لا توجد آلية تنفيذ تفصيلية، ونجد فقط مفاوضات برعاية أميركية، وهذا يعني أن في إتفاق 2024 يظهر نظام مراقبة قانوني، أما في إتفاق 2026 نجد إطارًا سياسيًا غير مؤسسي. كخلاصة، يتبين أن الهدف النهائي من إتفاق 2024 هو تنفيذ القرار 1701 وتثبيت وضع أمني دائم، بينما في إتفاق 2026، يتجاوز ما سبق بهدف فتح مفاوضات وترسيم حدود وصولًا الى إتفاق سلام محتمل أو ما شابه ذلك، وبالتالي يظهر لنا إتفاق 2024 كإتفاق أمني وإتفاق 2026 كإتفاق تمهيدي نحو سلام مستقبلي. من حيث القوة الإلزامية، يرتبط إتفاق 2024 بـالأمم المتحدة، وبالتالي يكون له قوة شبه ملزمة دولياً (quasi-binding)، أما إتفاق 2026، فلا يرتبط مباشرة بقرار أممي وهو أقرب إلى Gentlemen’s Agreement، وبالتالي تكون النتيجة أن الإتفاق الجديد أضعف من الناحية القانونية. من حيث المسؤولية الدولية، في إتفاق 2024، يفعّل أي خرق آليات الأمم المتحدة والمسؤولية الدولية للدول، أما في إتفاق 2026، لا توجد آلية واضحة ويعتمد التنفيذ على ميزان القوى والرعاية الأميركية، بما معناه أن النتيجة تظهر أن إتفاق 2026 أقرب إلى الأداة السياسية (instrument politique) منها الى الأداة القانونية.

ثانيًا: بين القدرة القانونية والقدرة الفعلية، هل يعتبر لبنان دولة "عاجزة"؟

من هنا، يبقى السؤال المطروح بشكل عملي: هل ألغى الإتفاق الجديد إتفاق 2024؟ تعتبر القاعدة في القانون الدولي وفق المادة 30 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969، أن الإتفاق اللاحق يعدل أو يعلق السابق فقط إذا كان بين نفس الأطراف وتناول نفس الموضوع وظهر قصد الإستبدال، أما التطبيق على الحالة هنا، فيدل على أن العناصر الموجودة هي نفس الأطراف (لبنان-إسرائيل) ونفس الموضوع (وقف الأعمال العدائية) ويبقى عنصر غير واضح، أي أنه لا يوجد نص صريح بإلغاء إتفاق 2024، فالنتيجة القانونية الدقيقة برأينا أنه لا يوجد إلغاء صريح، وبالتالي لم يُلغَ إتفاق 2024 رسمياً، ولكن يوجد تعليق عملي (Suspension de facto)، لأن النزاع عاد في آذار 2026، وأعاد الإتفاق الجديد تنظيم الوضع. أما في حال التعارض، تُطبق القاعدة Lex posterior derogat priori، أي النص اللاحق يقيّد السابق ولكن فقط في نطاق التعارض وليس إلغاءً كاملاً. أما الخلاصة هنا فتكون أنه لا يمكن فهم الإتفاق الجديد كـبديل قانوني للقديم، وبالأحرى هو تحوّل من منطق إدارة الصراع إلى منطق إعادة تشكيله سياسياً، ولكن تكمن المشكلة الجوهرية في أنه إذا لم تُحل مسألة "حزب الله" فعلياً، فإن أي إتفاق (قديم أو جديد) يبقى هشّاً وقابلاً للانهيار فوراً وفي أي وقت. يطرح سؤال آخر: هل يملك لبنان "القدرة القانونية" لإلزام "حزب الله"؟ بإختصار شديد وبالجواب المباشر الدقيق، يملكها بالكامل، لأن الدستور اللبناني يمنح الدولة إحتكار السلاح والقانون الدولي يعترف فقط بالدولة وكل الاتفاقيات الدولية تُحمّل الدولة المسؤولية. فالسؤال الأدق هو هل يملك القدرة الفعلية؟ هنا يختلف الواقع لأنه لا يملك قدرة كاملة بسبب ميزان القوى الداخلي والبنية السياسية الطائفية والدعم الخارجي ل"حزب الله"، وبالتالي يملك لبنان السلطة القانونية الكاملة لإلزام "حزب الله"، لكنه لا يملك القدرة الواقعية الكاملة لتنفيذ هذا الإلزام، مما يحوّل إلتزامه من إلتزام بنتيجة إلى إلتزام ببذل عناية. وينعكس ذلك حسيًا على إتفاق 2026، بمعنى أن الإتفاق الجديد يفترض أن لبنان قادر على ضبط "حزب الله"، لكن هذا الإفتراض قابل للطعن قانونيًا، لأن القدرة ليست مضمونة وبالتالي قد يكون الإلتزام غير قابل للتنفيذ (Non-performable obligation)، فلا تكون المشكلة قانونية بل بنيوية، فالقانون الدولي يشير الى أن الدولة مسؤولة، لكن الواقع يظهر بأن الدولة ليست وحدها من يملك القوة، وهنا يقوم التناقض بشكل يوضح أن النظام القانوني الدولي لا يزال مبنيًا على نموذج "الدولة الكاملة"، بينما تمثل للأسف الحالة اللبنانية نموذج "الدولة المقيدة داخليًا". من هنا، يطرح السؤال الأهم : هل يمكن توصيف لبنان كـدولة عاجزة (Unable State) أو حتى كدولة فاشلة (Failed State) ؟ وما الأثر القانوني لذلك؟ بدايةً، هل يوجد مفهوم قانوني لـلدولة العاجزة؟ في القانون الدولي التقليدي، لا يوجد تعريف رسمي ملزم لمفهوم Failed State\ Unable State ، وهذه مصطلحات سياسية وتحليلية وليست قواعد قانونية صريحة، فلا يمكن إسقاط هذا الوصف تلقائيًا كقاعدة قانونية. ولكن يوجد مفهوم قريب وظيفيًا وهو يتمثل بالدولة التي لا تستطيع أو لا تريد منع التهديدات من إقليمها، هذا ما يُعرف في الفقه الحديث بـ“Unable or Unwilling Doctrine”، ولم يأتِ هذا المبدأ من معاهدة، بل من الممارسة الدولية والفقه وبعض المواقف الرسمية (خاصة في الولايات المتحدة الاميركية)، وأستخدم خصوصًا بعد 11 أيلول 2001 في أفغانستان وسوريا والعراق. بإختصار، قد تصدر الهجمات عن جهات غير حكومية (مثل "حزب الله")، وإذا كانت الدولة غير قادرة (Unable) أو غير راغبة (Unwilling) في منع الهجوم، كالدولة اللبنانية التي لا تملك سيطرة كاملة جنوبًا، وبإمتلاك "حزب الله" قوة عسكرية مستقلة، يمكن وصف لبنان بأنه "دولة عاجزة جزئيًا" (Partially Unable State)، لكنه ليس دولة فاشلة بالكامل (مثل الصومال في التسعينات). ويقتضي التوضيح بأنه من حيث مسؤولية لبنان، حتى لو كان عاجزًا، يبقى ملزمًا قانونًا ومسؤولًا بشكل جزئي بحسب الجهد المبذول، كما أشار الاجتهاد الدولي في قضية كورفو شانيل 1949. فبإختصار، يمكن تلخيص الوضع بأن لبنان دولة قائمة وذات سيادة ولكنها مقيدة القدرة، ويكمن التناقض في أن القانون الدولي يعتبر بأن السيادة لا تتجزأ بينما الواقع يشير الى أن السيطرة تتجزأ، فالنتيجة الأخطر تكون إذا تم تكريس مفهوم "الدولة العاجزة"، ويصبح بالتالي ممكنًا ضرب أي دولة لا تسيطر بالكامل على أراضيها، ويؤدي حكمًا إلى تآكل مبدأ السيادة نفسه، فكخاتمة، لبنان ليس دولة فاشلة، لكنه دولة ذات قدرة محدودة على فرض سلطتها الكاملة، وهذا يضعه في منطقة رمادية قانونيًا، لكن الأهم، أن هذا الوضع لا يسقط سيادته، بل يخلق توترًا بين السيادة والواقع، وعلى الدولة موجب حسم هذا التناقض لمصلحة السيادة دون أدنى إبطاء.

محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي

https://emileaoun.com/