لم تكن فكرة "تأجير العلاقات" في اليابان مألوفة بالنسبة لي، إلى أن وجدت نفسي في 19 أيار 2019، داخل إحدى صالات "مهرجان كان السينمائي"، أتابع فيلم "Family Romance, LLC" للمُخرج الألماني الفذ Werner Herzog. هناك، للمرَّة الأولى، انفتح أمامي هذا العالم الغريب: عالمٌ تُصنَع فيه العلاقات عند الطلب، وتُؤدّى فيه المشاعر كما لو كانت أدوارًا مكتوبة بعناية. لم يكن الفيلم مجرَّد تجربة سينمائيّة عابرة، بل بدا كنافذة على سؤال إنساني عميق ظلّ يرافقني منذ ذلك الحين: إلى أي حد يُمكن للعاطفة أن تكون حقيقيّة إذا كانت، في أصلها، مُستأجرة؟ من تلك اللحظة، بدأت هذه الفكرة تستقرّ في ذاكرتي، لتعود اليوم بقوّة مع فيلم "Rental Family"، وكأن السينما تواصل طرح السؤال ذاته، ولكن بصيغةٍ أكثر حميميّة وألمًا.
انطلاقًا من تلك التجربة الأولى، يبدو فيلم "Rental Family" كامتداد شعوريّ لذلك الاكتشاف القديم، لكن بملامح أكثر رهافة واشتباكًا مع التفاصيل الإنسانيّة الدقيقة. فالكاتبة والمُخرجة اليابانيّة Hikari لا تتعامل مع فكرة "تأجير العلاقات" كغرابة ثقافيّة فحسب، بل كمرآةٍ هشة تعكس احتياجات الإنسان المعاصر إلى القرب، حتى لو كان مُصطنعًا. فهل يُمكن استئجار الحب؟ الفيلم يختبر حدود الصّدق والتمثيل.
تضعنا الحكاية أمام شخصيّة مُمثل أميركي يعيش على هامش الحياة في طوكيو، يؤدّي دوره Brendan Fraser بحضورٍ إنساني لافت، حيث يتنقل بين أدوار عاطفية مُختلفة (ابن، صديق، أو شريك موقت). لكن ما يبدأ كمهنة غريبة، يتحوّل تدريجيًّا إلى اختبار داخلي تتلاشى فيه الحدود بين ما يُؤدّى وما يُعاش.
بصريًّا، تعتمد هيكاري على إيقاعٍ هادئٍ يقترب من التأمّل، حيث تتجنب المبالغة الإخراجيّة لصالح لقطات طويلة ومساحات صمت تسمح للمشاعر بأن تتسرَّب بهدوء. طوكيو، في هذا السياق، ليست مجرَّد خلفيّة، بل كيان شعوريّ مزدوج. هي المدينة المُزدحمة التي تخفي وحدة كثيفة. الكاميرا تلتقط هذا التناقض بِدقة، فتجعل من كل لقاء "مُستأجر" لحظةً تبدو أكثر صدقًا من العلاقات الدائمة.
أما أداء المُخضرم برندان فريزر، فيشكّل القلب النابض للفيلم. يُقدّم شخصيّة مُتردّدة، مُتكسّرة، لكنها دافئة على نحوٍ تصعب مقاومتها. قدرته على تجسيد "التمثيل داخل التمثيل" تمنح العمل عمقه الحقيقي، حيث نشاهد رجلا يُتقن أداء المشاعر، فقط ليكتشف أنه، في مكانٍ ما، لم يعد يؤديها فحسب... بل يعيشها. مع ذلك، لا يخلو الفيلم من لحظات تقترب من الميلودراما الصريحة، حيث تتضخم العاطفة إلى حدّ قد يبدو مُفرطًا. غير أن هذه المبالغة لا تبدو منفصلة عن موضوع العمل، بل جزءًا من نسيجه. إذ كيف يمكن لفيلم عن "تصنيع المشاعر" ألّا يُلامس حدود الإفراط؟ هنا، تتحوّل الميلودراما إلى أداةٍ واعية بذاتها، لا إلى نقطة ضعف.
لا يسعى فيلم "Rental Family" إلى تقديم إجابات بقدر ما يطرح أسئلة مفتوحة: هل العزاء المُصطنع أقل قيمة من الحقيقي؟ وهل يُمكن للوهم أن يُرمّم ما عجزت الحقيقة عن إصلاحه؟. أسئلة تظل مُعلَّقة، كما لو أن الفيلم يُفضل أن يتركنا في تلك المنطقة الرماديّة حيث تتقاطع الحاجة مع الخيال. في نهايته، يخرج العمل كقطعة سينمائية هادئة، لكن مُحمَّلة بثقلٍ عاطفيٍ عميق. فيلمٌ لا يُنادي بل يهمس، لكن هذا الهمس كافٍ ليصل مباشرةً إلى أكثر مناطقنا هشاشة.
من أروع الأفلام الدراميّة التي شاهدناها حديثًا، والمتوفر على منصّة "+Disney".