"اللي بدو يعمل حرب يقدّملنا"… ليست مجرّد عبارة عفويّة، بل موقف سياسي بحدّه الأدنى: رفض أن يُزَجّ الناس في حرب لا يقرّرونها ولا يملكون كلفتها. فاديا حنّاوي، النازحة من عيترون، لم تفعل أكثر من التعبير عن هذا الحد الأدنى من الحق. لكن الرد لم يكن نقاشاً، بل ضغطاً منظّماً انتهى باعتذار أقرب إلى الإكراه. هنا، لا نكون أمام حادثة فردية، بل أمام آليّة كاملة تُعاقِب الصوت المختلف وتعيد ضبطه.
هذه الآليّة لا تعمل فقط في الفضاء الإفتراضي أو الإعلامي، بل تمتدّ إلى الأرض. ما جرى خلال التشييع، حين تحوّل إطلاق النار إلى مشهد علني، ثم تبعه دخول الجيش إلى الضاحية لضبط الوضع، ليس تفصيلاً أمنياً عابراً. بل هو مؤشر على خلل أعمق: إزدواجيّة السلطة بين من يفرض واقعاً بالقوّة، ومن يُستدعى لاحقاً لضبط نتائجه. في هذه المعادلة، تُترك الناس في المنتصف: بين سلاح حاضر في الشارع، ودولة تحضُر بعد وقوع الأمر الواقع.
قصّة فاديا، إذاً، ليست معزولة عن هذا السياق. هي الوجه المدني لما يحدث على المستوى الأمني. في الحالتين، هناك جهة تفرض الإيقاع، وأفراد يُطلب منهم التأقلم: إن في النزوح أو في الصمت. التعبير عن الوجع يصبح خروجاً عن النصّ، تماماً كما أنّ الإعتراض على الفوضى الأمنية يُعتبر تعدّياً على "الخط العام".
في مراكز الإيواء، لا يحتاج الناس إلى كثير من التحليل لفهم هذه المعادلة. هم يعيشونها يومياً. هناك دائماً ما يُقال أمام الكاميرات، وما يُهمس به بعيداً عنها. في العلن، لغة صمود وانتصار. في الخفاء، أسئلة بسيطة ومباشرة: لماذا خسرنا بيوتنا؟ إلى متى؟ ومن يقرّر؟ هذه الأسئلة، على بداهتها، تُصنَّف أحياناً كـ"محرجة" أو "غير مناسبة للمرحلة".
لكن ما الذي يجعل سؤالاً كهذا خطيراً؟ لأنّه يفتح باب المساءلة. والمساءلة، في بيئة تقوم على إحتكار القرار، تصبح تهديداً. لذلك، يتم إستبدالها بخطاب تعبوي، يطلب من الناس التضحية من دون أن يمنحهم حق السؤال. وهنا تحديداً، تتحوّل الحرب من حدث عسكري إلى نظام ضبط إجتماعي.
حادثة إطلاق النار في التشييع تعكس هذا التحوّل بوضوح. السلاح لا يظهر فقط في مواجهة العدو، بل أيضاً كأداة حضور داخلي، تُعيد تذكير الجميع بمن يملك القوّة. وعندما يتدخّل الجيش لاحقاً، يبدو وكأنّه يعالج العارض لا السبب. لأن المشكلة ليست في واقعة إطلاق نار بحد ذاتها، بل في منطق يسمح بها أصلاً، ثم يطلب من الدولة إحتواء تداعياتها.
هذا المشهد المركّب يضع الدولة أمام إختبار حقيقي. هل دورها أن تكون مرجعيّة نهائية تحتكر السلاح وتفرض القانون على الجميع؟ أم أنّ دورها يقتصر على التدخل عند الضرورة، فيما القرار الفعلي يُتخذ في مكان آخر؟ دخول الجيش إلى الضاحية، في هذا السياق، يمكن قراءته بطريقتين: إما كمحاولة لاستعادة الحد الأدنى من الهيبة، أو كدليل على أنّ هذه الهيبة تُستدعى عند الحاجة فقط.
في الحالتين، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة للمواطن: غياب وضوح في المرجعيّة، واهتزاز في الشعور بالأمان. وهذا ما ينعكس مباشرة على حرية التعبير. لأن الخوف لا يأتي فقط من القصف أو النزوح، بل أيضاً من البيئة المحيطة: من ردود الفعل، من الإتهامات، ومن إمكانية تحويل أي رأي إلى قضيّة.
الإعلام، بدوره، لا يقف خارج هذه المعادلة. في كثير من الأحيان، يساهم - عن قصد أو من دونه - في إعادة إنتاج الخطاب نفسه. تُسلَّط الأضواء على مشاهد محدّدة، وتُهمَّش أخرى. يُفسح المجال لبعض الأصوات، ويُضيَّق على أخرى. وهكذا، تتكرّس صورة واحدة للواقع، فيما تُدفن باقي الصور تحت ضغط "الرسالة الموحدة".
لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. هو ليس أبيض أو أسود، ولا يمكن اختزاله بشعارات. هناك أناس فقدوا بيوتهم، وآخرون يخشون فقدانها، وكثيرون لا يعرفون ما ينتظرهم. هؤلاء ليسوا تفصيلاً في معركة، بل هم جوهر أي معادلة وطنية. وتجاهلهم، أو محاولة قولبتهم، لن يؤدي إلاّ إلى تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
من هنا، تصبح جملة فاديا حنّاوي أكثر من مجرّد تعبير عن تعب. هي اختبار: هل ما زال هناك مكان لصوت فردي خارج الجوقة؟ أم أنّ كلّ صوت يجب أن يمرّ عبر فلتر سياسي قبل أن يُسمح له بالظهور؟ الاعتذار الذي فُرض عليها لا يُنهي القصة، بل يفتحها على سؤال أكبر: كم فاديا هناك لم تتكلّم أصلاً؟
في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يواجه أزماته وهو يقمع أصوات أفراده. ولا يمكن لأي سلطة - أيّاً كانت - أن تدّعي تمثيل الناس فيما هي تضع شروطاً على كلامهم. بين فاديا والضاحية، خيط واضح: ضبط الكلام وضبط الشارع وجهان لسياسة واحدة، عنوانها إدارة الأزمة بدل حلّها.
والسؤال الذي يبقى: إلى متى يمكن الإستمرار في هذا التوازن الهشّ، حيث يُطلب من الناس أن يدفعوا الثمن مرّتين - مرّة في بيوتهم، ومرّة في أصواتهم؟