القاضي أنطوان الناشف

الإجراءات المطلوبة لمكافحة جرائم الكراهية

8 دقائق للقراءة

تزداد جرائم الكراهية بصورة تصاعدية، وخصوصًا عند تفاقم الأزمات الطائفية والاجتماعية والمالية والاقتصادية، ما يهدد بتقويض السلم الأهلي والقيم الديمقراطية والاستقرار الاجتماعي والوفاق الوطني ويترك انعكاسات سلبية خطيرة لا سيما في لبنان الذي يتميز بتنوعه الديني والثقافي وتعدديته السياسية اللذين يعتبران من مرتكزات لبنان وقواعد العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد والتفاهم في ما بينهم.

أولا- تعريف جرائم الكراهية

1- يُقصد بجريمة الكراهية كل تعبير علني يُحرّض على الكراهية أو التمييز ضد شخص أو جماعة بناءً على الانتماء الديني أو العرقي أو الاجتماعي وكل فعل يتم اعتباره من قبل المحكمة المختصة بهذه الصفة علمًا أن قانون العقوبات اللبناني تضمن مواد خاصة لمكافحة خطاب الكراهية ذات الصلة بالمعتقدات الدينية. ولا تتوقف مخاطر هذه الجريمة عند الإساءة إلى فئة معينة، بل تتخطى هذا الإطار الضيق إلى إطار أكثر خطورة، بصفتها مصدر تهديد رئيسيًا للأمن والسلم الاجتماعي. ويهدد اتساعها قيم التعايش تهديدًا مباشرًا.

2- إن جرائم الكراهية التي يمكن تصنيفها بأنها جرائم إلكترونية محددة في قوانين عامة وخاصة وهي أفعال جرمية يرتكبها شخص ما بدافع التطرف، التحيز، التنمر أو الكراهية تجاه أفراد، أو فئة اجتماعية، عرقية أو دينية معينة وتشتمل هذه الجرائم أيضًا على التحرش والتهديد والتخريب وجرائم القتل وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم التطرف والتعذيب والاختطاف علمًا أن العقوبات المتعلقة بجرائم الكراهية ضد المعتقدات الدينية محددة في قانون العقوبات بما يتوافق مع القانون الجنائي الدولي.

ثانيًا- مكافحة جرائم الكراهية في القانون الدولي

1- يمنع القانون الدولي التحريض على العنف والكراهية القومية والدينية، وقد ركزت الأمم المتحدة على مكافحة التحريض على العنف والكراهية، ووفقًا للقانون الجنائي الدولي يعد التحريض على الجرائم جريمة دولية تستدعي العقاب بصورة مستقلة. وقد نصت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو التي تحط من الكرامة.

2- تعددت الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بمكافحة جرائم العنف والكراهية، ومنها المادة الثالثة فقرة (ج) من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 التي نصت على ما يلي: "يعاقب على الأفعال التالية: التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية. اعتبرت الفقرة (أ) من المادة 4 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري سنة 1965 أن كل نشر للأفكار القائمة على التمييز العنصري أو الكراهية، وكل تحريض على أعمال العنف ضد أي عرق أو أي جماعة من أصل إثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، جريمة يعاقب عليها القانون.

3- تحظر المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. كما نصت المادة 13 من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان 1969 على ما يلي: إن أي دعاية للحرب وأي دعوة إلى الكراهية القومية أو الدينية، اللتين تشكلان تحريضًا على العنف المخالف للقانون، أو أي عمل غير قانوني آخر ضد أي شخص أو مجموعة أشخاص، مهما كان سببه، بما في ذلك سبب العرق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الأصل القومي، تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون.

4- نصت المادة 13 من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان 1969 على ما يلي: إن أي دعاية للحرب وأي دعوة إلى الكراهية القومية أو الدينية، اللتين تشكلان تحريضًا على العنف المخالف للقانون، أو أي عمل غير قانوني آخر ضد أي شخص أو مجموعة أشخاص، مهما كان سببه، بما في ذلك سبب العرق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الأصل القومي، تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون. ورغم النص في قوانين كثيرة لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا وأستراليا وغيرها على حظر الدعوة إلى الكراهية، فإنه لا يوجد لغاية اليوم أي إعلان دولي خاص صادر عن الأمم المتحدة بمكافحة جرائم الكراهية والعنف والتحريض على الاقتتال الطائفي ووجوب التصدي له، كما لا يوجد تعريف دقيق وشامل لخطاب الكراهية في القانون الدولي.

ثالثًا- مكافحة جرائم الكراهية على وسائل التواصل في القانون اللبناني

1- يلتزم لبنان بمكافحة جرائم الكراهية والفتنة بموجب الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاق الدولي للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي صادق عليه لبنان عام 1971، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه لبنان عام 1972، والذي يوجب وفقًا للمادة الثانية منه ضمان المساواة في المعاملة للجميع من دون تمييز من أي نوع على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره، والتعامل معهم على أساس المواطنة والانتماء الى الوطن

2- يعاقب قانون العقوبات في مادتيه 582 و 584 جرائم الذم والقدح والتشهير، حيث اشترط فيها العلانية، وحدّد في المادة 209 وسائل الإعلام، وباعتبار مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة حاليًا هي مواقع علنية لذلك فإن الذم والقدح والتشهير من خلالها يكون قابلا للملاحقة القانونية عبر قانون العقوبات وليس أمام محكمة المطبوعات، لتحقق شرط العلانية فيها.

3- هناك أيضًا المادتان 317 و318 من قانون العقوبات اللبناني تعاقبان على الخطاب الذي يتضمن تحريضًا على أساس طائفي أو فئوي مع إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية، لذا يُمكن للقاضي اللبناني التوسع لمعاقبة أي خطاب أو كتابة أو منشور يحرض على العنف أو يمارس التمييز على أساس عرقي اأو طائفي أو مذهبي.

رابعًا- الاجتهادات القضائية بشأن مكافحة جرائم الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك سؤال هل إن أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي تشكل مطبوعة بمفهوم قانون المطبوعات اللبناني؟ وهل إن الجرائم المقترفة على صفحات التواصل الاجتماعي هي جرائم خاضعة لقانون العقوبات أو رأي يتم نشره للعموم في إطار الحريات الإعلامية المسموح بها وخاضعة لقانون المطبوعات؟ وبمعنى آخر هل إن مستعمل مواقع التواصل الاجتماعي يعد ناشرًا عند كتابة رأي أو إبداء موقف معيّن؟

حددت المحاكم الجزائية المختصة في عدة أحكام المبادئ الأساسية لمكافحة جرائم الكراهية ويمكن تلخيصها كما يلي:

1- إن من يقدم على نشر ما يتضمن تعابير تحقير وسبابًا وازدراء سواء من خلال الكتابة أو بالصوت أو بالصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها  يعدّ مرتكبًا لجرم القدح والذم دون النظر إلى كون حساب الفاعل خاص وغير معد لاطلاع الكافة.

2 - إن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعد مطبوعة بالمفهوم المنصوص عليه في قانون المطبوعات، إذ إنها مجرد وسيلة تخاطب إلكتروني خاصة بصاحبها، ولا تحتوي على الهيكلية الخاصة بالمطبوعة.

3- إن موقع الفايسبوك لا يعد مطبوعة بالمفهوم المنصوص عنه في قانون المطبوعات إذ إنه مجرد وسيلة تخاطب إلكتروني خاصة بصاحبها، ولا يحتوي على الهيكلية الخاصة بالمطبوعات كاسم المؤلف والناشر وسواهما، وهي غير مخصصة للقراء وللجمهور، وهي غير خاضعة لقانون المطبوعات لأن المادة الثالثة من قانون المطبوعات نصت على ما حرفيته: "يعنى بالمطبوعة وسيلة النشر المرتكزة على تدوين الكلمات والأشكال بالحروف والصور والرسوم، ويجب أن يذكر في كل مطبوعة اسم المؤلف واسم المطبوعة والناشر، وعنوانه وتاريخ الطبع.

4- إن قانون المطبوعات اللبناني يطبق على المطبعة وعلى الصحافة وعلى المكتبة وعلى دور النشر والتوزيع. لكن صفحات التواصل الاجتماعي لا تدخل في أيّ من هذه المؤسسات، إذ لها طابعها الخاص الذي يواكب تطور تكنولوجيا الويب وتفاعلها مع مستعمليها. وبالتالي إن الفرد يكون وحده المسؤول الوحيد عن أعماله على شبكات التواصل الإجتماعي، ولا يمكن مساءلة الموقع طالما لم يثبت تورطه أو تدخله سواء أكان بالفعل أو بالامتناع في الفعل الضار.

5 - إن مستخدم أي من شبكات التواصل الاجتماعي، الذي يقوم بنشر معلومات رقمية ضارة، ليس ناشرًا وفقًا للمفهوم القانوني للكلمة. فبالرغم من إمكانية تحديد هويته، وعنوانه، ومنشوراته، يبقى خاضعًا لأحكام المسؤولية العامة الجرمية وشبه الجرمية.

باختصار يقتضي في ظل الظروف السائدة حاليًا مكافحة كل تحريض على العنف والكراهية والاقتتال الطائفي حفاظًا على السلم الأهلي والعيش المشترك لا سيما وأن أي مستخدم لكل من شبكات التواصل الاجتماعي ليس ناشر رأي بل هو مقيد بالضوابط المحددة في قانون العقوبات، وهو خاضع لأحكام المسؤولية العامة الجرمية الجزائية والمدنية كما إن التقنيات الحديثة أصبحت تمكن السلطات ولا سيما مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية من تتبع الحسابات والشبكات التي تم النشر بواسطتها وبالتالي الوصول إلى الفاعل وملاحقته قضائيًا وفقًا للأصول.